نقف على عتبات العام الجديد. القليلون ينظرون إلى الوراء، يحاولون أن يتصوروا ماذا نرث اليوم. آلاف السنين، آلاف الصفحات من التاريخ، الجغرافيا، الإنسانية، الحضارة وما المشترك بين كل هذا؟ ما الأمر الذي تشترك فيه آلاف الصفحات من التاريخ، من السنين؟ ميزة واحدة، أمر واحد، لون واحد، إنه الدم. الدم الذي نرثه، نرث معه خطايا وآلام وذنوب التاريخ. لا أقول أن التاريخ يخلو من البياض، لست عالماً بالتاريخ لأقول ذلك. بل أقول، كيف اجتازت الإنسانية آلاف الحضارات، ووصلت إلى حاضرها اليوم، ونحن ما زلنا نرى استعماراً صهيونياً، ونحن لا نزال نرى الحروب تزين شهور السنة، وتغسل فائض السنين بالدم وعذابات وآلام الفقراء من أهل الأرض. كيف اجتزنا كل ما اجتزناه، ووصلنا أخيراً إلى الموت بنكهة الجوع وملح الحصار وآفة الممناعة والمقاومة، والإستبداد في مخيم اليرموك، وفي أرجاء سوريا؟ كيف نستطيع النظر إلى أنفسنا دون أن نلتفت كل صباح إلى لون الدم الذي يعتصر أجساد الأطفال والنساء؟ إذن، ماذا يحمل لنا التاريخ بعد كل هذا؟ ما الفائدة التي نرجوها من أن نكتب شعراً عن الحب؟ وأن نكتب في الأدب، وأن نؤلف الموسيقى وأن نهرب من أنفسنا، لنلقي كل همومنا في بوتقة الثقافة، ونعصرها، ثم نجلس بهدوء لنشاهد ونستمع، وتطرب آذاننا و قلوبنا. نلقي بالجحيم إلى الجمال، نلقي بالمجزرة نحو مقطوعة موسيقية، أو قصيدة لكاتب يهرب من حصاره إلى حصار الآخرين. إذا كان هذا ما يحمله التاريخ لنا، فليس لنا مكان بعد هذا اليوم، وليس للمستقبل اي مكان. القليلون الذين يحاولون أن ينظروا إلى الخلف، لا يكادون ينظروا حتى تعمي أعينهم هول ما شاهدوا. لا عين تستطيع أن تنظر من ثقب في إحدى كتب التاريخ وتلقي نظرةً نحو كمية الدم الذي يغطي تلك الصفحة. وإذا كانت هناك عين تستطيع فعل ذلك، فهي لن تلبث أن تعمى حين تطمئن إلى حاضرها، ثم تفاجأ بالحقيقة، تفاجأ بسوريا، باليرموك، بغزة، ببورما، بكل ما يستطيع المرء أن يذكره. بالتأكيد لا ألقي المواعظ هنا، ولا أكـــــتب عن الإنســانية. فكيف لك أن تكتب عن أمر لم يعد له اي حاضر أو مستقبل؟ أنس حسونة