في اليومين الثاني عشر والثالث عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025 احتفت شيراز بالشاعر حافظ وسط حضور واسع وأجواء أدبية وفنية. من حسن الصدف أن أكون هناك بصحبة زوجتي لنشهد هذا الكرنفال الثقافي الذي تزامن مع العرض المسرحي الموسيقي «بيتهوفن.. خلود أبدي» للمخرج جواد مولانيا وهو المحطة الأخيرة في هذه الجولة بعد أكثر من 75 عرضا في طهران خلال هذا العام.
بطاقة العرض
يلخص العرض سيرة الموسيقي الألماني لودفيغ فان بيتهوفن 1770–1827 من طفولة مضطربة وضغط أسري وفقر وعزلة إلى فقدان تدريجي للسمع بدأ منذ 1798. ورغم ذلك تتدفق ألحانه كصوت يتجاوز الألم. يستدعي النص قول ثيودور أدورنو إن الموهبة قد تكون غضبا مكبوتا يتحول إلى إبداع ليضع المشاهد أمام أطروحة مركزية مفادها أن المعاناة لا توقف الإبداع بل قد تكون تربته الخصبة.
الأطروحة
يتحول المسرح هنا إلى مرآة مزدوجة نرى فيها معاناة بيتهوفن الشخصية ونصغي إلى موسيقاه التي تجسد صراعاته الداخلية. لا يكتفي العمل بسرد سيرة فنان بل يطرح أسئلة فلسفية حول دور الإبداع في مواجهة التقاليد والقيود الثقافية ومسؤولية الفنان تجاه مجتمعه وكيف تصبح التجربة الفردية إرثا إنسانيا يتجاوز حدود الشخص.
أدوات العرض وأساليبه
الموسيقى كعنصر سردي
رافقت الخشبة مجموعة من عازفي أوركسترا إيرانيين ما أضفى صدقية وقوة تأثير. الموسيقى ليست خلفية بل محركا سرديا ينسجم مع تطور الحدث وتقطيعاته الإيقاعية فيما تتحرك الشخصيات على إيقاع الجملة الموسيقية.
كسر الجدار الرابع والتفاعل
يشرك العرض الجمهور عبر ترديد «بيان الحرية» الذي يظهر على الشاشة:
نحن البشر أحرار لأن الحرية حقنا.
جميعنا متساوون فالعالم معنا بصوت واحد.
خرجنا من سجن الفقر والفراغ من الظلم والظلام.
الكتابة والرقص والازدهار هي أحلامنا.

بهذا يتحول المشهد إلى فعل جماعي يعبر عن التلاحم الإنساني ويجعل الجمهور شريكا في إنتاج المعنى لا متفرجا سلبيا مستعيدا ما قاله برتولت بريشت إن المسرح يوقظ وعي الإنسان ولا يخدره.
الدراما العائلية وانتقال العنف
يكشف النص آلية انتقال العنف التربوي عبر الأجيال. فالضغط الذي مارسه والد بيتهوفن في الطفولة ترك جرحا نفسيا يظهر لاحقا في علاقته بابن أخيه كارل الذي ينزلق إلى الإدمان ومحاولة الانتحار في ذروة صراع يعيد التاريخ بقسوته.
العبقرية بين الصمم والعزلة
ينتقل العرض إلى فيينا، حيث يعيش بيتهوفن مرحلة النضج الفني، لكنه في الوقت ذاته يواجه مأساة فقدان السمع التدريجي، التي بدأت منذ عام 1798. هنا تتجسد مفارقة مذهلة: فالرجل الذي سيؤلف السيمفونية التاسعة بعبقريتها الجبارة، كان أصماً يترجم الموسيقى من داخل روحه لا من آذانه.
فكر ثوري وموقف إنساني
تقدم المسرحية بيتهوفن أيضاً كمفكر حر، آمن بأن الموسيقى يجب أن تخاطب الإنسان لا القصر، لذلك وقف ضد البذخ الأرستقراطي، الذي قيد الفن طويلاً. لقد حمل في داخله روح الثورة الفرنسية، حتى إنه أهدى سمفونيته الثالثة «البطولية» إلى نابليون (1769 ـ 1821)، مؤمناً بمبادئ الحرية والمساواة – قبل أن يمزق الإهداء لاحقاً حين رأه يتحوّل إلى طاغية.
الموسيقى باعتبارها عنصراً سردياً
رافقت العرض المسرحي الموسيقي، مجموعة من عازفي الأوركسترا الإيرانية، ما منح التجربة مصداقية وقوة تأثير نادرتين. وكأنه يصرخ بأعلى صوته «هذا الإبداع من هذه المعاناة»، أما التناغم بين الحركة والموسيقى، فيظهر براعة إخراجية فائقة، حيث تتحرك الشخصيات بتناسق تام مع الإيقاعات الموسيقية، والموسيقى تنبض في كل مفصل من مفاصل العرض، فلم تكن الموسيقى مجرد خلفية، بل عنصراً سردياً أساسياً ينسجم مع تطور الأحداث.
كسر الجدار الرابع
بعد أن جذب العمل المسرحي المشاهدين بالحركات الراقصة سواء (للدورية العسكرية التي جاءت لاخراج بتهوفن من منزله، لتأخره في دفع الايجار والحوار الكوميدي مع مالك الدار) أو (مشاعر آنا تجاه بيتهوفن وهي تتودد له وتتغزل به)، أو لغيرها من المشاهد الحركية التي حاولت تأكيد الأغراض الاجتماعية والسياسية للعرض المسرحي، من خلال إشراك المشاهدين فيه عبر ترديدهم لـ(بيان الحرية ) الذي يظهر على شاشة المسرح:
نحن البشر أحرار، لأن الحرية حقنا.
جميعنا متساوون فالعالم معنا بصوت واحد.
خرجنا من سجن الفقر والفراغ من الظلم والظلام.
الكتابة، والرقص، والازدهار … هي أحلامنا».
ليتحول المشهد إلى فعل جماعي، يعبر عن التلاحم الإنساني، ويكسر الجدار الرابع، ليصبح الجمهور شريكا في إنتاج المعنى، لا متفرجا سلبيا، وحسب برتولت بريشت «المسرح يجب أن يوقظ وعي الإنسان لا أن يُخدّره». هكذا تحول النص إلى دعوة رمزية للتحرر من الفقر والظلم، والتأكيد على أن الفن يمكن أن يكون صوتا للحرية والأمل.
الفنان الشامل
يؤدي دور شخصية بتهوفن الفنان جواد مولانيا وهو كاتب ومخرج هذا العرض المسرحي المتكامل. وسيرته ثرية بالأعمال المسرحية والتلفزيونية، وغيرها من الأعمال الإبداعية. مخرج وممثل مسرحي إيراني بارز، عُرف بقدرته على المزج بين البعد الجمالي والبصري في عروضه، والقضايا الإنسانية والاجتماعية العميقة. بدأ مسيرته مطلع الألفية وقدم أكثر من ثلاثين عملاً مسرحياً متنوعاً، بين الإخراج والتمثيل والكتابة، من أبرزها المسرحيات التجريبية: «دون كيشوت» و»ثلاثية واحد وثلاثون حلماً»، يتميز بتوظيفه المسرح التفاعلي وكسر الجدار الرابع، حيث يجعل الجمهور جزءاً من التجربة المسرحية، مؤكداً أن المسرح ليس عرضاً يُشاهد فحسب؛ وإنما تجربة جمالية محكومة بالوعي والجمهور جزء مهم من هذه التجربة.
شارك في التمثيل كلاره عباسي سياوش چراغي بور نگار نيكدل سجاد قرباني وغيرهم. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية يواصل المسرح الإيراني حضوره القوي في المشهد الثقافي. تشير المعطيات إلى تنظيم نحو 5431 عرضا مسرحيا في 2023 استقطبت قرابة 3104834 مشاهدا. وفي الرابع والعشرين من أكتوبر سجلت ثلاثة مسارح في طهران وحدها 22216 مشاهدا لعشرة عروض الأمر الذي يعكس تواصلا في النشاط المسرحي ويرسخ العلاقة بين الجمهور والفن الحي.
برغم ميل بعض المقاطع إلى الشرح المباشر ينجح «بيتهوفن.. خلود أبدي» في تحويل المعاناة إلى دراما موسيقية مقنعة توظف الأوركسترا الحية وكسر الجدار الرابع لخلق تجربة تشاركية واعية. يقدم العرض مدخلا إنسانيا إلى سيرة بيتهوفن ويمنح الجمهور سببا للإصغاء من جديد إلى موسيقى صنعت من الصمت قوة ومعنى. هذه قراءة توصي بمشاهدة العمل بوصفه تجربة جمالية وفكرية تتجاوز السيرة إلى سؤال الحرية ومسؤولية الفنان.
كاتب عراقي