بيتٌ جديدٌ للحزب الشيوعي العراقي

سُئِلَ الروائي جوزيه ساراماغو عن إصراره على الانتماء إلى الحزب الشيوعي، رغم التغييرات الكثيرة التي جرت في العالم في العقود الأخيرة، أجاب: «مثلما لدي هرمون يُنبت الشعر في ذقني، لدي هرمون آخر يجبرني أن أكون شيوعيا، والأمر له علاقة بسلطة قدر بيولوجي أعجز عن مقاومته».
هل الشيوعيون في بلادنا خاضعون لهذا النصيب الذي لا يستطيع أحدٌ التلاعب به، بمن فيهم آلهة القدر؟ لا يمكن أن يكون الجواب بالتسليم إطلاقا، أو النفي تماما، وإنما منزلة بين منزلتين، فالكثير من «الرفاق» نجدهم يرددون مع الشاعر كزار حنتوش، متغزلا بالحزب الشيوعي مثل امرأة يعشقها: «يا حزب جميع الفقراء، أحببناك، وأحببنا حتى أخطاءك، تمشي، ونبوس تراب نعالك»، كما أن الكثير من الرفاق أيضا، وبنسبة تساوي أو تفوق أو تقل قليلا، كانوا يؤمنون منذ البدء بأن الأفكار ليست قالبا صُب في صورة وصارت صنما، فالفكرة في كل زمان هي مادة أولية تُنحتُ منها المذاهب على هيئة جديدة، تبعا للعصر الذي نعيش فيه، ودوغما يوم السبت قد تصبح هرطقة جديرة باللعن في صبيحة الأحد، مثلما يقول المثل.
سؤال أوجهه إلى الصديق رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، عن سياسة الحزب في السنوات التي أعقبت الاحتلال الأمريكي للبلاد. هل أدى المسؤولون ما عليهم في هذه الحقبة المفصلية، والصعبة من تاريخ البلاد؟ وبصورة أوضح أقول هل كانت سياسة الحزب على خط واحد مع رؤيته في العقود التي سبقت، رجوعا إلى عهد التأسيس الذي لا ينساه أحد؟ أكثر من أرخ لتاريخ العراق في المئة سنة الأخيرة هو غائب طعمة فرمان، في قصصه ورواياته، وفي طريق حياته ومماته. من رواية «المرتجى والمؤجل» الصادرة في القرن الحالي أنقل هذا المشهد، وفيه حوار بين رفيقين عتيقين في الحزب: «دع قناعتك يا أبا إحسان لك. أو دعْني أتدفأ فيها في لحظات الشجاعة المؤجلة، وأنتظر مثلك اللحظة الثورية التي لا نعرف في أي قرن تهل». طعمُ السخرية في الحوار ظاهرٌ، وقد صارت سنين النضال الأولى ذكريات سعيدة يتدفأ بها من يجلده ثلج الشيخوخة كل يوم، ويُكمل الرفيق قائلا: «حاولت أن تبني حياتك على خلق هذه اللحظة الثورية وتبشر الناس بها، أو سوقهم إليها ومنهم أنا، ولكنها لم تهل، أو هلت مثل ومض البرق وانطفأت وجعلت المتيمين بها ينوحون أو يعضون بنان الندم. أما أنا فقد يئست». هناك أكثر من نوع من اللامسؤولية، لكن أيا منها ليس من خصال قائل هذا الكلام، لأن الرجل عاش شيوعيا من الأول إلى المنتهى.
سؤال ثانٍ إلى سكرتير الحزب: هل تريدون المزيد من مثل هذا الكلام المؤَذي والمبثوث في الأدب العراقي، عن الصرح العظيم – أي الحزب الشيوعي العراقي- الذي لا يعرف عنه شباب اليوم شيئا؟
جمعتني في حانة «هوازن» جلسة مع أصدقاء قادمين من السويد والبصرة وكل بقاع الأرض، وعلا صوتُنا في أثناء النقاش، وكان اسم الحزب حاضرا بيننا، حتما. وهنا تدخل شاب جالسٌ عند المنضدة المجاورة. سأل: في أي بلاد من العالم صارت الشيوعية؟ ثم دار حديث أثبت الشاب أنه لا يعرف شيئا عن الحزب، وكأنه كيان نشأ على كوكب الزهرة منذ قرون، واندثر. لا يعرف شبابنا اليوم غير السياسة الراهنة، الأحزاب الإسلامية وإيران والسعودية وأمريكا، وقد سكن ما جرى في الماضي بطون كتب التاريخ، ومثّل الجهلَ بصدقٍ الشاب الذي التقيناه صدفة في الحانة، بينما كان جالسا يفكر ويحلم.

بعد أيام يبلغ عمر الحزب الشيوعي العراقي قرنا من الزمان، تقريبا، وكانت الفكرة الرئيسية في أذهان من وضعوا له الحجر الأساس، هي أن يغادر عاملنا وقفته اليومية البائسة في «المسطر»، يركض هنا وهنا وراء رب العمل، من أجل أن يحصل على لقمة اليوم.

يدور في هذه الأيام منشور في الصحافة وفي مواقع التواصل عن أن الإخوة في الحزب الشيوعي العراقي في سبيل بناء بيت جديد لهم، ويطلبون المعونة المالية والهندسية وغير ذلك. لمن يبني الحزب بيتا إذا كان الشباب لا يعرفون طريقهم إليه؟ شارع «دجلة» شهير في بلدة العمارة، مدينتي. في عطفة من الشارع تؤدي إلى حي «الحسين» الفقير، التقيت برجل يبلغ حوالي السبعين، أنيق الملبس، ويمشي بهمة في الصباح إلى مقر الحزب الشيوعي، وهو عبارة عن شقة متواضعة للغاية تقع أعلى محل لبيع الفلافل. فتح الرجل الأنيق باب الشقة، وتناول مكنسة، وقام بتنظيف أزبال المطعم التي تركها زبائن الليلة الماضية من الشارع. علينا أن نهتم ببناء متحف يضم في المستقبل صورة هذا الرجل ومقتنياته وكتبه، لأن الأجيال القادمة لا تعرف شيئا عن الحزب العتيد، وما يثبتُ في ذاكرتهم بواسطة التوثيق، أفضل مما تذروه رياح السنين. كم يبلغ عدد الذين سالت دماؤهم في سبيل رِفعة حزب الفقراء؟ سألت أكثر من صديق شيوعي، ولم يعرف أحد منهم العدد التقريبي، لكنهم اتفقوا على عشرة آلاف «شهيد»، تقريبا. إن مقبرة تضم رفات هذا العدد الكبير من الأنفس، وكلهم في عمر الزهور، مثلما يقولون، تؤسس هذه الجُبانة العظيمة حتما إلى وطن جديد، تسود فيه وصايا وحِكمٌ وتعاليمُ دين جديد.
إنما تتطور البلدان عندما يكون العامل فيها إنسانا حقيقيا، لا ظلم يقع عليه ولا مسغبة، وكلما سافرت إلى بلد أحرص على أن أزور المكان الذي يتجمع فيه العاملون منذ الفجر طلبا للرزق. يكفيك مشهد هذا «المسْطر»، مثلما نسميه في العراق، على أن تطلق حُكمك الأخير على المسؤولين في الحكومة، إن كانوا أخيارا يحجز لهم التاريخ مكانا في ديوانه، أو في موضع آخر…
بعد أيام يبلغ عمر الحزب الشيوعي العراقي قرنا من الزمان، تقريبا، وكانت الفكرة الرئيسية في أذهان من وضعوا له الحجر الأساس، هي أن يغادر عاملنا وقفته اليومية البائسة في «المسطر»، يركض هنا وهنا وراء رب العمل، من أجل أن يحصل على لقمة اليوم. وفي مراجعة لتاريخ الحزب الشيوعي نجد أن المدافعين عن حقوق الطبقة العاملة في منتصف القرن الماضي كانوا يمثلون ما ندعوه بطبقة الأنتلجنسيا اليوم، من محامين ومهندسين وأطباء وفنانين، وكل من تشتهي عيناك أن تراه في المجتمع. شيئا فشيئا، وعبر العقود الخمسة أو الستة الأخيرة، صارت تتآكل هذه الطبقة في الداخل، وفي الخارج؛ أقصد في درجة وعيها الاجتماعي والسياسي، وغلبت قوانين الكم على النوع، وإذا بنا نحصل في الأخير على أرواح هشة لا تقدر أن تبني صفا في رياض الأطفال، فكيف إذا كان المطلب لديك هو الوطن الحر، المعافى من الأمراض، والذي يعيش على تربته شعبٌ سعيد؟ إن القيام بمراجعة روية لأفكار ووعود ونوايا الحزب، وطلب المشورة من أصحاب العقول الجبارة والنفوس الطيبة في البلاد، أكثر أهمية من بناء عمارة جديدة للحزب، فماذا يفيد المصاب بالعلل الفتاكة أنه يرتدي ثيابا جديدة؟
هناك بعض الكلمات تريد أن تظل ذكراها ماكثة في الحياة، وترددها الأجيال. من هذه الكلمات شعار الحزب: «وطنٌ حر وشعبٌ سعيدٌ»، يحمل في معناه بعدا نصف ديني، وبعدا آخر نصفَ أرضي. البساطة الآسرة لدى الرجل السبعيني الذي التقيته في مدينتي، القرمطي في الضمير -والتعبير لسعدي يوسف – وهو يحث خطاه إلى مقر الحزب، بالإضافة إلى تواضعه الصادق وإخلاصه، وغير ذلك من مقومات تعد أصيلة في شخصية الشيوعي، تركت معنى دينيا في شعار الحزب، وإن كان الشباب اليوم لا يعرفون شيئا عن النصف الأرضي من معنى الشعار، لكن نصفه الديني مطبوع في عروقهم، حتما، لأن غالبيتهم هم أبناء من ساروا في هذا السبيل.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية