عزت القمحاوي
ضاعت مني كل أشياء الطفولةولن أستطيع بعد الآن أن أمحو ذاكرتي بصرخة أونغاريتي أوقفني في مقام العشق؛ قال لي:
كنت في الشرفة أقرأ سطراً وأراقب هدهدات مطر ربيعي مفاجئ لغصون الجهنمية الممتدة عبر السياج كأذرع شحاذ تساقطت أصابعها في الشتاء بينما أصرت علي البقاء تتسول نسمة أو شعاعاً. وكان رذاذ مشاغب يتخطي حدود الشارع لينعش وجهي وينعش الذكريات التي استعادت بعضاً من حيويتها بمطر لايشبه إلا ذكري أمطار طفولتي، وفجأة جاءتني رسالة هاتفية: تبدو في الشرفة الآن، تقرأ أونغاريتي. انتفض فلم يكن لديها أي من قمصانه لتلقيه علي وجهها فتراه من آلاف الأميال. وقال إنه في رده سألها إن كانت رأت المطر أيضاً، المطر غير المتوقع في مدينة أدمنت الغبار. وفي ردها قالت إنها لم تره. ويقول: علي الأرجح لم يكن بدأ عندما حررت رسالتها. ويبدو أن الرسالة هي التي هيّجت في طريقها الريح، فساقت المطر إلي شرفته. ويقول: .. وربما لم تكن تمطر، لكنني كنت أحلم بالمطر. ويقول: هي لم تكن بالشرفة، لكنها تنظر من خلف زجاج بابها، وتري السماء التي تهيج المطر والحب بعريها. ويقول إنها اندفعت إلي كتابة ما كانت لتكتمه لولا رأت عري السماء. ويقول إنها أشعلت الأثير بالرسائل التي قفزت من شرفة إلي شرفة كهارب من حريق، وطوت بحار الخضرة والرمل والماء قبل أن تصل إلي غابة أخري من الأسمنت فعادت إلي التقافز من شرفة إلي شرفة لتحط علي شرفته بالذات، وتنعظ أصابعه برسائل أخذت تتقافز في الاتجاه المضاد. وفي مقام الحكمة قال لي: البيت الأول، لا الحب الأول هو ما يستحيل تعويضه. كنا نتصور أن الفتيات اللائي يتعثرن في مرايلهن سوف لايمحو الزمان ارتعاشات الفرح بحفيفهن، لكن الارتعاشة الأولي وارتباك الصمت وعذوبة الحيرة وانعدام اليقين كلها أشياء تعود من جديد. وقال: أحياناً تأتي هذه العطايا الحلوة في موعدها كأمطار الشتاء، وأحياناً بغتة كأمطار الصيف. وقال: في كل الأحوال يأتي الحب، طلما بقي في القلب قليل من الموسيقي يكفي لكي يرقص. وفي مقام الذكري قال لي: البيت الذي كان لم يعد هنالك منذ عقود. لا رائحة الحليب الفائر بدفء الضرع، ولا المجمرة الشتوية التي تتلظي في لهيبها عصارة الخشب. ولا القمر المطل من صحن البيت المكشوف. ويقول إنه كان يراقب جذوة الحياة إذ تغلي وتبقبق هاربة من النار المستعرة بقلب الغصن إلي طرفيه، وتستنجد ـ بعزم ما فيها من رائحة ـ لتحنن قلب المستدفئ، لكن الأطراف لاتلبث أن تشتعل هي الأخري من تلقاء ذاتها أو بفعل يد تمتد للتقليب فتدفع بالأطراف إلي قلب أتون، يمكن وسط صريره تمييز صرخة السنط من صرخة التوت والكافور والصفصاف. وأوقفني في مقام الحلم فقال: البيت هزمه الزمان قبل الآن بزمان وإن لم يهجر مكانه، لكن الطوب المحروق وقف فظاً مكان الطوب اللبِن المضطجع في لين. وقال: صار الإسمنت مكان الطمي. والأرض المرشوشة بنسائم الصابون حلت محلها لمعة السيراميك. والمجمرة صارت دفاية زيت. وقال: المصادفة وحدها أبقت علي جزء من البيت القديم ظل محلاً لأرواح الغابرين والغابرات من الأعمام والعمات. وكان هذا الجزء المهمل في الصحو يتمدد في الليل فتنمو الأجزاء المهدومة ويستعيد البيت المكتمل أرواح من غادروه، وتستعيده أحلام من ينتظر. وقال لي: إن عشرته مع البيت الجديد فاقت العمر الذي عاشه في بيت الأرواح، لكن أحلامه تتأبي علي البيت الجديد. لم تدخله، ولا حتي من باب الاستطلاع، بل إن ضيوف وضيفات أحلامه ممن عرفهم وعرفهن في زمن البيت الجديد كانوا يدخلون بيت الأرواح من البوابة ذاتها، غير مستغربين ولا هيابين. وأوقفني في مقام الفقد، قال: الرسالة الهاتفية التالية جاءتني بينما كنت أجلس في فضاء كان حتي هذا الصباح بقايا البيت القديم. جاء زمن المحو النهائي. والجرافة كانت ترسل زئيرها الأخير وتثير غبار الذكريات والخشية، عندما صاح هاتفه الجوال بشهقة تشبه الأورجازم فرضت نفسها وسط الضجيج. وقال إن الرسالة تمنت أن يكون بالبيت ليشاهد معها فيلماً تعرضه الـmbc2 لريتشارد جير. وقال إنها تحفظت لأنه فيلمٌ حزين بعض الشيء وميزته أنه سيجمعهما علي البعد في سهرة. وقال إنه لم يجرؤ علي إخبارها بأنه أكثر حزناً، لأن آخر غرف بيت الأحلام تهاوت.. البيت الذي دخلته خفية مراراً في أحلامه لم يعد موجوداً، وإنه لا يعرف أين سيأخذها في أحلامه القادمة. وقال لي: لم أجرؤ، لكنني أوصيتها أن تتأمل البيت جيداً إذا ما جاءته في حلم قادم، حتي إذا ما شاخت ذاكرة أحلامي أعادت هي بناء البيت في أحلام من صنعها. وقال لي أبواب الرجاء مفتوحة.