(1) عالم رواية ‘بيت الديب’ لعزت القمحاوي الصَّادرة عن دار الآداب بيروت 2010، والفائزة بجائزة نجيب محفوظ مؤخَّرًا عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية، ينهض على المَراوحة بين تيمات متعدِّدة؛ الشَّتات والعودة، الموت والميلاد، النجاح والفشل الحب والقهر، الواقعي والفانتازي، الأسطورة والحقيقة، وتشكُّل هذه العوالم وتقوضها لم ينفصل عن واقع الرواية المرجعي، التي هي في أحد أشكالها نتاج لتأثيراته وتجميع لنثار جزيئاته، وليس معنى هذا أن النص مطابقٌ للواقع، أو حتى يبدو منظور الراوي منافسًا لدقة الكاميرا في الرصد والتسجيل، بل نحن مع نصٍّ خاضع لاعتبارات الفنان من إعادة إنتاج هذا الواقع، وترتيب جزيئاته المتناثرة، وفق صياغات معينة ترتبط بسياقات خاصة به، حتى ولو بدأ النص يوهمنا بواقعية محكيه، من خلال اعتماده على مكان وزمان مرجعييْن أو محدديْن، فعلى مستوى المكان جعل حدود جغرافية الرواية في إحدى مديريات محافظة الشَّرقية، وعلى مستوى الزمان، فأحداث الرِّواية تدور بين غزوين، أولهما غزو بني عثمان (العثمانيون)، وصولاً إلى الغزو الأنجلو أمريكي للعراق، وما أعقب الغزوان من رحيلٍ وشتات، فكان تأسيس ‘العش’ هروبًا من الإتاوات والضَّرائب كنموذج لقرية مثال/ حُلم. انتفى فيها التمايز الطبقي الذي ستأتي به السُّلطة في مرحلةٍ لاحقة، وساد العدل والمساواة بين أفرادها. وفيها يتجاوز البيت / (السَّرايا فيما بعد) دلالته الواقعية، وما تحمله من أَمنٍ وأمانٍ واستقرار، إلى دلالة مجازية تتوازى مع الوطن كله؛ في انتصاراته وإخفاقاته، طموحاته وخيباته، انفتاحه وانزوائه، ومع كُلِّ ما مُنيت به، وما حَاقَ بشخوصها، إلا أنها ظلَّت باقية، كشاهد على صراعِ الإنسان ومكابداته من أجل استمرارية الحياة.
(2)
في ظل هذا السِّياق الذي يتحركُ فيه عالمها حَاملاً عذاباته وصليبه، تأتي الرواية، ويتعاقب زمنها الفضفاض / الزمن الإطار، متجاوزًا أكثر من مائة وخمسين سنة، وأربعة أجيال، اندثر أكثرهم ولم يبقَ منهم غير مباركة الفولي، وَهَنَ فيها كل شيء، لدرجة اليأسِ إلا من ذاَكِرة مازالت تتخدر من رائحة تطاردها لذلك الذي رَحَلَ، ومع هذا أبقتها ‘كل هذه السِّنين في ذاكرة معطوبة’ (ص 6)، تشمُّها وقد قاربتْ على التسعين في حفيده وسميّه العائد مخذولاً من حرب لا ناقةَ له فيها ولا جمل. على مدار هذا الزمن الطويل، وما تخلَّلُه من وقفات واسترجعات وسرود مُلَخِّصَة لأحداث سابقة لزمن وجودها (كميلاد منتصر يتيمًا وزواج مجاهد من حفيظة، وحادثة السقوط من المهرة)، أو زمن أسبق عن صراع دار بين بيت الديب وبيت عصفور ‘استغرق حياة جيل كامل من العائلتين’ (ص164). عبر هذا الزمن الممتد، تدور أحداث الرِّواية عاكسةً لكافة التحولات والهزائم التي مُنيت بها الشُّعوب العَرَبية، عبر عَكْسِها على واقع أسرة واحدة، هي ‘عائلة الديب’، قطنت في قرية لم يكن لها ذكرٌ على الخريطة، حتى تذكَّرتها السُّلطة عند نفاذ مخزونها من المال والشَّباب (وقود الحرب). راحت تتعاقب جيلاً بعد جيل، حتى عجزت الجدة على تمييز الحفدة عن بعض، وَنِسْبَتْهِم إلى آبائهم. تفرَّق كثيرٌ من أبنائها في المدن القريبة، إما هَربًا من الحزن المــُخيِّم في السَّرايا أو بحثًا عن دراسة، أو وظيفة، أو عمل، أو حتى في المدن البعيدة كإيطاليا (الجيل الثالث)، فقد تساوى المَهْرَب والملجأ لديهم، في عدم القدرة على تلبية أحلام الشَّباب المتطلِعين إلى حالة البذخ البادية على زملائهم من أبناء ‘التجَّار والحرفيين والعائدين بأموال السَّفر’ (ص 299)، وهو ما يومئ بتغيير النَّسَق الطبقي تبعًا لحركة الإحلالات التي حلَّت نتيجة للغزو الفكري والرأسمال الخليجي الوافد، وهو ما يكون شاهده ‘مصطفى ابن زينب’ الحفيد، بارتدائه الجلباب الأبيض والاعتكاف في المسجد، ثم فَرْضِه الحجاب على أمه وأخته وَطَلبه من مباركة بأن ‘تتحجَّب، وألا تختلطَ بالرِّجَال الآخرين في العائلة’ (ص276).
(3)
على حدود تخوم هذا العالم الذي يبدو وكأنه مغلق، وامتداداته فيما بعد، تدور هذه الحِكايات، عبر راوٍ كلاسيكي (عليم) يتجاوز عمره مجموع أعمار الشَّخصيات،يتحرك بموازاة شخصيات الرواية، إيَابًا وذهابًا، فرحًا وحزنًا، موتًا وميلادًا، راصدًا لتحركاتهم بما أنه مُلِمٌ بشتات الحكاية (عبر امتدادها الزمني، وأيضًا تداخلها مع مصائر أربعة أجيال من بيت واحد)، وتفرعاتها (حيث لكلِّ شخصيَّة حكاية مستقلِّة، يهيئ لي أن كل شخصية بمثابة عالم منفصل يصلح أن يكون نواة لرواية مستقلة)، وتعدُّد شخوصها (وقد تجاوزوا حوالي100 شخصية)، وأماكنها التي تتجاوز مكان التأسيس العش، إلى أماكن متفرقة داخليًا وخارجيًا. ومع هيمنة الراوي الغائب على السَّرد، إلا أن هناك مسافة تتذبذب بين الراوي ومرويه، قد تقترب على نحو ما أو تبتعد عنه على نحو آخر، تجعله ملاصقًا لمرويه تارة، ومفارقًا لمرويه تارة أخرى، والتصاق الراوي بمرويه، يظهر غالبًا في الحسِّ التعليقي الذي يُبديه الراوي أثناء وصفه للمشاهد، وهو ما وفَّره بالضمير الغائب المهيمن على السَّرد.
يأتي بناء الرواية رغم هذه التَّشَعُبَّات والتفريعات للحكايات، على نمط التوازي مع أحداث التاريخ، فكلُّ حدثٍ محوري يوازيه عبر التاريخ حدث مفصلي. منذ التأسيس الأوَّلي للمكان، وأسباب النزوح إليه، فيحْضُر التاريخ لا كشاهد وإنما كفاعل، فالضرائب الباهظة التي أعقبت الغزو العثماني، كانت سببًا في الهروب الجماعي والنزوح إلى المستنقع بعد تجفيفه، ومن ثَمَّ أقاموا قريتهم بعيدة عن السُّلطة يؤسسِّون فيها العَالَم المثال الذي فَسَدَ كما تكشف دلالات الرواية، عندما اقتحمت السُّلطة وأداتها أمنها، مرَّة، فراح عالم القرية يتسع ويضيق مع حالات امتلاء خزانة السُّلْطة وفراغها. ومرَّة ثانية عبر تداخلات المدينة. كما أن وقائع ومصائر الشَّخصيات، ليست منفصلّة عن الوقائع والأحداث الكبرى الجارية، وهذا ما يعكس توازي دلالة ‘البيت’ بما تُشَكِّله هذه المفردة من مرادفات للأمن والأمان والحماية، مع الوطن الذي يتعرَّض هو الآخر إلى زعزعة أمنه واستقراره، واختراق حدوده، بل وتصدُّعه كما سيؤل الأمر في النَّهاية لكليهما؛ البيت / السَّرايا، والوطن. فسلَامة الديب، بما مثَّله لدى أُسرته حيث شهد البيت الاستقرار والرخاء في عهده، علاوة على تأسيسه لأسطورة الديب في قرية العش،.فيتوازى موته مع موت الزعيم جمال عبد الناصر، بما تحمله دلالة التوازي من إشارات تومئ إلى عمق الفاجعة التي ستحل على الطرفين: بيت الديب / السَّرايا، والوطن، فكان هذا الموت بداية الانهيار لهذه العائلة مثلما كان في المقابل غياب القائد انهيارًا للوطن الكبير، فتوالت الانتكاسات على المستويين. وبالمثل صاحبت عودة السَّادات من إسرائيل، عودة عادل من الأَسْرِ، ومثلما كانت عودة السَّادات بالصُّلح المنفرِّد انتكاسة لحُلم طال انتظاره، فشرخَه الصلحُ، كانت ـ أيضًا ـ عودة عادل انتكاسة لم تتوازَ مع حَجم الصَّبر والدُّعَاء بعودته من أمه، فخذَلَها بهروبه بعد وقت قصير من عودته، أو حتى تتوازى مع حجم التضحيات التي قدَّمتها سميرة الجحش، لانتظار الغائب، وهي تُمنِّى نفسها باللقاء المرتقب، كُلُّ هذا انشرخ بالهروب. بل إنَّ محمودًا الذي يَخْلُف سلامة في العمودية لا يملأ فراغه، بل بوفاته تصير القرية بلا عُمدة والأسرة بلا حاكم، كما صار الوطن. وهذا التوازي كفيل بهدم وتقويض كافة الاستعارات البلاغية التي روَّجتها الألة الإعلامية عن ‘رب البيت، ورب العائلة’، لكن على مستوى الفعل لم يتحقق شيء، مثلما كان محمود رئيسًا للعائلة والقرية دون تحقُّق فعلي لوجوده. الغريب أن بعدها بدأت السُّلْطة (على مستوى بيت الديب) تنزاح للنساء، في مفارقة عجيبة حيث تخلو السَّرايا من الذكور رمز السُّلطة، التي ذات يوم أكَّدت فاعليتها عندما قهر سلامة الأساطير الرائجة عن عفاريت مهيمنة في داخلها وحكايات عكست تصلُّب بنية الوعي راجت عن مقتل (ناديا) ابنة متين التركي العمدة الأول، على يد أخيها حكمت، بعد أن أعادها زوجها في ليلة الزفاف لاكتشافه أن الوعاء مثقوب من غيره. فكان نوم سلامة في داخلها، بما يمثّله من رمز للسلطة الرسمية (عمدة) وعائلية (كبير العائلة وربها)،بمثابة القهر لهذي القوى، في إشارة ذات مغزى لقدرة السُّلطة على الهيمنة حتى على القوى الغيبية، وهو ما يُعْطِي لها صلاحيات أَوسع على مستوى البشر، في الجانب المقابل.
(4)
ينهضُ بناء الشَّخصيات على نظام تكراري، جاء في أحد أشكاله كلُعْبة مارستها مباركة لوقف وطأة الموت وسلطانه على عائلتها، فاستعادت بها أسماء الراحلين، دون طباعهم، كما أن حكايات الأشخاص التي جاء بعضها مبتورًا، استكملتها الشخصيات، وكأنَّ الشَّخصيات لا تتكرَّر بالأسماء وفقط، بل بالحكايات المبتورة، التي تحتاج إلى مَنْ يُكْمِلُها. ومن ثمَّ يأتي تكرار الأدوار على عدِّة مستويات، كاستكمال المبتور على نحو تحقُّق الفعل بعلىّ ومسعدة الذي عجز منتصر على إتمامه مع مباركة، بعلاقتهما المكتملة قبل الزواج في المصنع، أو تحقيق نجاح فيما فشل فيه الآخرون على نحو نجاح مباركة فيما فشلت فيه حفيظة مع مجاهد بأن تملكته الأولى وصار يأتمر بأمرها، أو حتى من قبيل تحقيق الارتواء الجنسي على نحو ما يفعله علىّ مع مسعدة، وهو الشيء الذي انحرم منه مجاهد الأب، وتَاقَ إليه بعد أن ذَاقَه ذات يوم استجابة لكيد نساء لبعضهن البعض، أو الانتصار على تخاذُّل الطبيعة التي منحت نجيَّة دمامة وحدبة، فكان التعويض بما منحتة الطبيعة من جمال باذخ لزينب وزينة. وبذلك يأتي التكرار كاستجابة لديمومة الحياة، من جانب، ومن جانب آخر تأتي كنوعٍ من مُجَالدة الأفراد لواقعهم، وصِراعهم الأزليّ، وعدم استسلامهم لوطأةِ الواقع وقهر أشخاصه.
(5)
تتردَّد دلالات الروائح، داخل النَّص، مِنْ أوله إلى آخره مابين راوئح مُشتهاه (كرائحة الرُّجولة في منتصر)، وروائح يومئ غيابها بأفول عالم له مآثره، مثل راوئح ‘خلطة الجبن الرومي والحلاوة الطحنية والزيت والسَّمن، والطبخ والمهلبية’ التي كان شذاها يعبق في البيت، وروائح يُخَدِّر سِحْرها ‘كلَّ الرجال ويجعلهم مطيعين لها وأليفين مثل أطفال يتامى’ (ص162) مثل رائحة مباركة، أو حتى تدفع إلى الغواية تارة كـرائحة بنت الجن أو حتى تخدُّر الرأس كرائحة ‘فنجان القهوة’ التي يشربها سلامة بتمعن. وأخرى مناقضة للأولى، كرائحة الموت (جسد بدر ومجاهد)، ونتانة الأجساد المتحلِّلة من الحيوانات المذبوحة بعد السَّرقة، أو ناتجة عن شياط الأطعمة أو حتى منبعثة من الأفواه والفروج (في مقارنة سلامة بين رائحتي تفيدة ومسعدة بعد زواجه من الأخيرة والحكم بالسلب على الأولى)، وثالثة تَحْضُرُ فيها الرائحة كدليل دامغٍ على الإخلاص والوفاء لعهد، كتلك التي تشمَّمها عادل في حزمة رسائل سميرة بعد عودته، أو تكون علامةً على وجود حياة كرائحة قذارة أطفال هانم وعلىّ في السَّرايا قبل رحيلهم وقد افتقدتها مباركة، أو نقيضها كرائحة الثّلَاث نساء اللاتي بقيْنَّ في السَّرايا وهي أشبه برائحة ‘كوافيل الرُضَّع’ (ص304) وقد تصل في أحد معانيها المتناثرة في النص إلى معنى مجازي بإلصاق ‘رَائحة الصِّدق’ (269) للكلام كما ظَهَرَ في بيان العبور، خاصة وأن ‘الكذب في الأيام الأولى من النكسة ماثلاً في الأذهان’ (ص 269).
وقد تتجاوزُ الرَّائحة دلالتها الحسيَّة، إلى دلالات أخرى، تصبح فيها الرائحة علامة ليس على حضور ذاكرة الجسد الواهن وفقط، بل وعلى تأثير هذه الرائحة في هذا الجسد، فما أن يذكِّروها بمنتصر حتى ‘تهب على أنفها رائحته قويَّةً، تصيبها بالخدر، وتجعلها تتراجع عن كل الشَّكوى، والعتاب والموت’ (ص 6)، وقد تطل الرائحة بمجرد استدعائه فما أن يطرق على بالها حتى ‘أخذت الغرفة تعبق برائحته’ (ص 45)، وهو ما أثار سؤال الآخرين عن ‘سِرِّ هذه الرائحة التي أبقت رجلاً كل هذه السِّنين في ذاكرة معطوبة’ منذ أن ‘حاصرتها (الرَّائحة) يومًا في الصيف من جهنم’ (ص 6). وما أن جذبها إلى حضنه، حتى ‘أصابتها بالدوار’ (ص10) وتملكتها كليةً، حتى خشيت من سحرها وقدرتها على أن تلاحق أثرها، أن يعرف الهجانة بسرها فتنتابها الأحلام، وتحت الإلحاح العجيب لتأثير الرائحة تستجيب لندائها تارةً فتتلمسها ‘في شيء مسَّه، أو شخص صافحه’ (ص 88) أو أن تستخلصها ‘من خيوط تخثُّر الجلد والدّم والروث’ (ص 88)، وتارة أخرى تستجيب لإغوائها (الرائحة) فتذهب في دَرْبٍ من العشق المُحَرَّم، يوم أنْ اكتشفت في ناجي ‘رائحة الذكورة التي عرفتها في ابن عمه'(ص101). يوم أن جذبها إلى حضنه فأصابها الدوار من رائحته التي لم تكن جميلة أو قبيحة فقط كانت ‘رائحة رجولة’ (ص10) التي تتحوَّل في النِّهاية لدليل اتهام تكاد تثبت به تفيدة الشكوك التي تساورها عن ثمة علاقة بينها وبين ناجي، أو تتحوّل إلى صراع متخيَّل بين امرأتين (مباركة والخطيبة الجديدة لناجي) تجاه رجل ‘تستطيع بحس الامتلاك (له)، أن تشمَّ فيه رائحة أيَّة امرأة غيرها’ (ص130). وبذلك تصبح الرَّائحة لدى مباركة عوضًا عن ضياع صاحبها، وما يوازيه من حنين إلى زمن طوبي، لم يبقَ من آثاره في ذاكرتها إلا ‘رائحته’ التي تملتكها ذات يوم، وها هى في شيخوختها تطل الرائحة عليها من جديد مع القادم منتصر الحفيد، وهو ما يُفسر تردُّد الروائح داخل النص، فكأن الرواية تقدم بديلها لتجاوز المعاناة في مجملها، وبتعدَّد أسبابها، بالعودة إلى الزمن الطوبي الذي عاشته وحلمت به شخصية مباركة.
(6)
لم تنفصل اللُّغة عن تخوم هذه العوالم، وهى تتشكَّل أو حتى وهى تتقوض، أو حتى عبر مراوحاتها التي صارت أشبه بثنائيات ضِدية، وعليه صار لدينا تعدّد لغوي، تبعًا لتعدُّد العوالم، وكأن التمايزات في الواقع اللغوي تنتقل إلى الخطاب الراوائي، ومن ثم يجب التميّيز في المقام الأول، بين مستويين من اللغة، قام المؤلف ذاته بالتفريق بينهما في الشكل الطباعي، أولهما، هو اللغة التي يضطلع بها الراوي، وهى لغة فصيحة على تكثرها، حتى ولو اقتربت بعض الألفاظ من التداول الدارج كنوع من التماهي بين الراوي ومرويه، إلا أنها احتفظت بفصاحتها، مثل جملة ‘أبوكي تعيشي أنت’ (ص77) التي جاءت في سياق تبليغ مجاهد مباركة بوفاة أبيها بدر.
دار الزمن دورته، تقوَّض عالم الرواية (الشخوص والبيت)، وفي موازاته تشكَّل عالم جديد، رسمته الحرب، وما بين البداية والنهاية، ظل أثير الرائحة يطوف، مثلما كانت أسراب اللقلق تحوم حول العش، حتى استطاعت في نهاية المطاف أن تستقر في صورة الحفيد منتصر، وما بين الحومان والاستقرار ظلت العش باقية، لا كقرية مثلها مثل الرابضات على تخوم النهر، وإنما كقرية نموذج صنعها الحلم وأفسدها الظلم والطمع، تأثرت بما حولها، من حركة حروب وصراعات، وصناعة، وتكنولوجيا، لم تنغلق على ذاتها، انفتحت حتى ولو كان في انفتاحها مأساتها، المهم على كل ما حاق بها ظلت باقية كأيقونة للاستمرارية.