بيت الشعر التونسي يكرّم الشاعر شاكر لعيبي: عزلة الابن الضال
بيت الشعر التونسي يكرّم الشاعر شاكر لعيبي: عزلة الابن الضالتونس – صلاح بن عياد أقيمت الجمعة 23 فيفري 2007 أمسية شعرية ببيت الشعر التونسي للشاعر العراقي المقيم في تونس شاكر لعيبي. الأمسية كانت متميزة برنات قصائد موغلة في البساطة و الفرادة في آن. ولقد ركز الشاعر علي مجموعته الأخيرة “عقيق مصري” مما خلف لدي الجمهور غواية الاطلاع علي مجاميعه التسع السابقة في محاولة للتعمّق في هذه التجربة المنزوية.تحت القبة البيضاء لدار الجزيري بمدينة تونس العتيقة والتي تحولت الي بيت الشعر، تلك القبة التي حلا للشاعر أن ينعتها “بالمباركة” أطلق لعيبي صوته الشعري القلق بعد أن تولي افتتاح الجلسة المنصف المزغني مدير الفضاء، وقد تم تقديم ثلاث ورقات في قراءة أعمال الشاعر العراقي لعيبي تترجم تكريم شعراء تونسيين له، هو الذي يستحق وقفة من نوع آخر، وكانت لكل من الشعراء “شمس الدين العوني وصلاح بن عيّاد والشاذلي القرواشي المشرف علي منتدي “بيت القصيد” في بيت الشعر.ابتدأ شمس الدين العوني بالقول إن: “(البساطة هي أصعب أشغال الشاعر علي الإطلاق… آه أيتها البساطة الصعبة)، بهذه الإشارة الطافحة بالحكمة يأخذنا شاكر لعيبي إلي عالمه الشعري طوعاً وكرهاً، وبالأحري إلي هذا العقيق المصري حيث القصائد في تجلياتها بكثير من الاحتفاء بحروف العلة. إنها فسحة الشعر الباذخة وفصل آخر في التجربة الشعرية التي عرف فيها الشاعر شاكر لعيبي ومنذ سبعينيات بهذا المنحي المغامر في التجريب والتجريد، ليبرز بين مجايليه بهذا الوجد الشعري الخالص في اللغة وتجاه التفاصيل والعناصر والأشياء البسيطة يأخذها إلي عنفوان لحظتها بشيء من حرقة الشعر، هذا الفن الصعب والفاخر مثل مياه النهر وتلك الموسيقي التي صارت في الريح تعلن أزمنتها العالية الأخري (…) (عقيق مصري) ديوان شعري آخر يستعرض فيه شاكر لعيبي حيزا مفتوحاً من شؤونه الشعرية وما يحف بها من الأشياء الكثيرة: السؤال الحيرة، هاجس القصيدة، الشكل، التفاصيل المدوية، الأصوات الأخري، كان لابد منها في هذا الاطمئنان الشعري الزائف والواهم والمفتعل الذي كان كثيرا ما هيمن وبقسوة في الأرض الشعريةالعربية ومنذ عقود. إن قصيدة شاكر تجترح صورها وهيكلها وإيقاعها الرمزي الذات، تلك الذات التي ضجت بالنشيد وبالرتابة في الكلمات وفي الجغرافيا وعلي إيقاع كوني مركب يحمل معه ترجمانا آخر للفجيعة والسقوط والخراب….”أما صلاح بن عياد فقد ركز علي أن ما: “يلفت نظرنا في المشروع الشعري لدي شاكر لعيبي بساطة الغناء. من منا لم يكتب قصائد مقفاة و غير موزونة في بداياته ظنا منا أن إيجاد كلمات متناسقة عند آخر كل سطر هو عين الشعر؟ لكن هدا الذهاب-الرجوع للشاعر شاكر لعيبي إلي القافية كان بعد ربع قرن من التجريب و البحث. هو ذهاب واع و ذو دواع نظرية انطلاقا من تساؤل الشاعر الحر” ما الذي يمنع استخدام الشاعر لكل ما هو متاح لتأسيس نص شعري صاف؟”. العودة إلي القافية ليست عودة كلية و واضحة علي أن تبريرها الفلسفي الأهم هو المصالحة بين العمود الشعري القديم و “رضيع العمود الشعري الحديث”. إن صفاء الشعر و علوه صعب و هدا الاختيار المتطرف للشاعر اختيار مغامراتي يوحي في كل حين بالتعثر و يعطي للنقاد فتحة لا بأس بها. و النية المبيتة لهدا الاختيار كانت مرفقة بالعفوية, هي حالة شعرية وسط الحالة فالشاعر “الراكب لدراجة هوائية في جنيف” ينزل عنها إلي إحدي المقاهي ليطلع علينا هذا القرار ذي الدوافع الروحية أولا و أخرا , حاجة الشاعر للغناء من دوران الدراجة المتناسق إلي دوران السطور الشعرية المتناسقة المختومة بأصوات معادة تترجم لمسة الفنان التشكيلي لذا تحولت لمساته من لوحة أو منحوتة إلي اللغة. إنها “حنكة العارف و لعثمة المعري” في فيضان الإحساس بالجمال “سيد الرنة و مملوك النغمات”. للغناء دواعيه الحضارية لدي الشاعر الآتي من أرض الحضارة الأولي حيث تتردد الأناشيد المقدسة السومرية الطفولية، الجائل في أماكن تساقط فيها أبو نواس من فرط الغناء وردد فيها الحجاج “قصيدته النثرية العصماء” إن صحت العبارة. وهو من جيل السبعينات العراقي الرافض للادعاء الستيني الشكلي. كل دلك دواع للشاعر أن يغني, إن يمتهن الغناء و هي حاجة تداوي المنفي لتقبيل تراب الوطن من جهة و “الجامع للأصداف علي ضفة الجمال” بعيدا عن المنابر و عن التكريس معانقا حرية البحث الجمالي. شاكر لعيبي الباحث في المطمور في التراث العربي جاء إلينا بمشروع قصيدة تبيح ما نحاول طمره من وسائل فنية في الشعر العربي”.من جهته شدد الشاذلي القرواشي علي أن: “عالم لعيبي تنكسر فيه البلاغة الشاهقة، وتتهاوي وريقاتها بعيداً بعد أن انخلعت عن أمومة الشجرة القديمة. ليست قصيدة، قد يهتف مخمور عائد لتوه من خمارة المعني القديم، نازل من دالية الفصاحة، قادم من رمال القوافي تتعثر قدماه علي طوية في المساحة الفاصلة بين امرئ القيس ورامبو… إن مقاربتنا لقصائد شاكر لعيبي نافرة من كل معطي مسبق ، لعلمنا بأن الأدوات النقدية المتاحة في معظمها لم تبارح بعد معاقل الشعر العربي القديم، باستثناء بعض المحاولات الجدية التي نقرؤها والتي غالبا ما تُرجم بالمروق عن السنن النقدية القديمة. وفي هذا السياق تأتي قصائد شاكر لعيبي متخطية الإشارة الملزمة بالوقوف عند حد المسموح به إبداعياً، باعتباره يكتب نصا منفلتا من الأطر الشكلية ليلتزم بأفق جمالي كوني صارم. فهذه التجربة إذن منفتحة علي تجربة بكر لم تحفر أسسها في عمق الثقافة الإنسانية حين كان الشعر يستل موسيقاه من داخل الخطاب الإبداعي وليسمما تفرز الأنساق الكلامية من أوزان وقواف..”.من اللافت أن الشاعر العراقي هاشم شفيق المجايل للشاعر لعيبي كان من بين الحضور. أمسية احتفت بالشعر عبر احتفائها بالشاعر وتركت لدي الجميع أملاً أن “الإبداع ممكن طالما أنه بسيط “.0