الخليل- “القدس العربي”: منزل واحد تقترب مساحته من 80 متراً مربعاً، يقع على التلة التي تفصل مستوطنة إسرائيلية وحيّ تل الرميدية في مدينة الخليل، يختصر معركة الاستيطان، التي يبدو أن ملامحها القادمة ستكون أكثر شراسة مع فوز اليمين الإسرائيلي الفاشي في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.
وبحسب الناشط في مجموعة شباب ضد الاستيطان في مدينة الخليل عيسى عمرو، فإن من يسكن في المستوطنة، التي يطلق عليها اسم تل الرميدة أو رامات يشاي (تأسست عام 1986)، هم 18 عائلة، في هذا المنزل البسيط الذي تركه أهله وتحول إلى أكبر رمزية لمحاربة الاستيطان.
ولا يبدو رقم 18 عائلة يهودية تسكن المستوطنة المجاورة رقماً كبيراً للناظر المتعجل، لكن التمعن يضعنا على حقيقة أن أحد أبرز المستوطنين المتطرفين يسكن في المنطقة، هو باروخ مارفيل، من حركة “كاهانا”. كما يعيش ايتمار بن غفير، حيث يعتبر المتطرف الأول رئيساً للمتطرف الثاني، الذي ما زال منتشياً بنتائج الانتخابات الأخيرة، بحصول حزبه على 15 مقعداً في الكنيست.

“هذا يجعل المستوطنة معقلاً لحركة كاخ الإرهابية”، يقول عمرو بحماس، ومعرفة تشي بطبيعة المعركة على المنزل، الذي تحيط به أرض تبلغ مساحتها 3 دونمات.
ويبدو أن هذه المعادلة تجعل النشطاء يدركون أسباب صدور قرار عسكري، قبل أيام، قضى بجعل المنزل منطقة عسكرية ويمنع تواجد النشطاء فيه.
يقع المنزل، الذي يعود لعائلة “سياج” الفلسطينية (تسكن في القدس)، التي اضطرت إلى تركه العام 2000 بعد اعتداءات استيطانية ممنهجة في منطقة تحمل تصنيف (H2) الذي قسّم مدينة الخليل بحسب “اتفاق الخليل، إعادة الانتشار” في 17 كانون الثاني/ يناير 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، إلى منطقتي H1 وH2، أعطيت إسرائيل بموجبه سيطرة كاملة على البلدة القديمة وأطرافها. بعد عام من ترك العائلة البيت قام الجيش بتحويله إلى معسكر له، واستخدمه لمدة 6 سنوات، أي حتى عام 2006، وكانت الأراضي المحيطة به كلها مغلقة.

ورغم صدور القرار العسكري باعتبار المنزل (فقط) منطقة عسكرية مغلقة، بعد أيام على عملية كريات أربع البطولية، التي قتل فيها مستوطن إسرائيلي، إلا أن النشطاء المستقلين يعودون للمنزل، وقد صمموا على عدم مغادرته، رغم محاولات جنود الاحتلال طردهم بين فترة وأخرى.
وتسعى الجماعات الاستيطانية الصهيونية، منذ سنوات، للسيطرة والاستيلاء على المنزل الذي يطلق عليه “بيت الصمود”، وذلك بهدف ربط البؤر الاستيطانية الموجودة في المنطقة ببعضها البعض.
وبحسب منسق مجموعة شباب ضد الاستيطان، عيسى عمرو، فإنهم فوجئوا باقتحام عشرات الجنود للمنزل، وكان بداخله دورة تعليم للغة الإنكليزية، ودورة في القانون الدولي للأطفال، بحضور متضامنين أجانب، يشاركون معهم في حملة قطف الزيتون.
وتابع عمرو أن الجيش أعلن البيت منطقةً عسكريةً مغلقةً، وهذا يجري لأول مرة.
يذكر أنه في عام 2015 أعلن الاحتلال المنطقة التي يقع فيها المنزل منطقةً عسكريةً مغلقةً، وليس البيت وأرضه، أمّا الجديد فهو إعلان البيت ومحيطه، ومحاولات طرد المتواجدين فيه.
ويشدد عمرو، في حديث لـ” القدس العربي”، على أن المنزل يلعب دوراً مهماً بصفته مانعاً لتمدّد المستوطنين على حي تل الرميدة الذي تسكنه فيه ما يقرب من 1000 عائلة فلسطينية.

واستمر نشطاء في عملية رفع العلم الفلسطيني على المنزل، الذي يعتبر طابقه الأول مبيتاً، فيما الطابق العلوي يعتبر مركزاً ثقافياً للتدريب، لكن الاحتلال كان دوماً يقوم بعملية إنزال العلم، وهو ما دفع النشطاء، قبل نحو 6 أشهر، إلى رسم العلم الفلسطيني على جدار المنزل.
ويرى عمرو أن القرار الذي جاء لمحاولة استقطاب أصوات مستوطني الخليل، وردًا على العملية الفدائية التي وقعت في مستوطنة كريات أربع، قبل أيام، سيكون عنواناً لمعركة شرسة يرفع فيها، هو والنشطاء، شعار “لن نتخلى عن حقوقنا”.
ويعتبر “بيت الصمود” بمثابة قبلة للمتضامنين الأجانب من كل دول العالم، إلى جانب الصحفيين الدوليين، فهو مكان تتكثف فيه كل معاني الصراع على الأرض الفلسطينية.
ويسعى عمرو والنشطاء إلى تعزيز حضور المنزل دولياً من خلال النشطاء الذي زاروا المكان وآمنوا برواية الفلسطينيين، وهو ما يعزز من الصوت الفلسطيني المرتفع دولياً، وعلى أرض الواقع.
ويزور المكان أسبوعياً ما يقرب من 200 أجنبي، وعلى مدى سنوات قصد الآلاف من النشطاء المكان. ومن ضمن الأسماء التي زارت المنزل نائب المستشارة الألمانية السابقة ميركل، بالإضافة للكثير من الدبلوماسيين وأعضاء الكونغرس الأمريكي.
ويظهر في رسم كاريكاتير حديث صورة جندي يقدم المنزل هدية لكاهن مسلح، وكتب عليه جملة: “مبارك عليكم أيها الكهنة”.
وتتخذ منه مجموعة “شباب ضد الاستيطان” مقرًا لها، لتنفيذ أنشطة تدريبية وتثقيفية وأخرى لمواجهة المستوطنين وتوثيق جرائم الاحتلال في المنطقة.
في عام 2007 دخل المستوطنون البيت وحاولوا إقامة بؤرة استيطانية بداخله، مثل البؤرة الاستيطانية الموجودة في بيت عائلة البكري المجاور له، ولكن “شباب ضد الاستيطان” قاموا باستئجار البيت.
ويقع حي تل الرميدة ضمن البلدة القديمة من مدينة الخليل، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ويسكن فيها نحو 400 مستوطن، يحرسهم نحو 1500 جندي إسرائيلي. هو غربي المسجد الإبراهيمي الشريف، ويعتبر مركز أول تجمع بشري في المدينة في العصر البرونزي القديم (3200 – 2000 ق.م.) حيث سكنها العرب الكنعانيون، وقد دلّت الحفريات الأولى التي جرت في التل عام 1964 من قبل البعثة الأمريكية على وجود قطع فخارية تعود إلى العصر الحجري النحاسي (4000-3200ق.م.)، وقد عثرت البعثة على بقايا جدار يبلغ ارتفاعه 10 أقدام وعرضه 20 قدماً، ويعتبر هذا الجدار التحصين الأول للمدينة، وبلغ وزن أحجاره ما يقارب النصف طن، وقدرت مساحة الموقع ما بين 50 الى 70 دونماً.

وبحسب المعلومات التي يوفرها موقع بلدية الخليل فإن المؤرخين يشيرون إلى أن مدينة الخليل القديمة استمرت بالحياة على تل الرميدة طوال العصور التاريخية حتى العصر الإسلامي، حيث انتقلت إلى جوار المسجد الإبراهيمي الشريف، وبقي التل بما يضم من كنوز وأسرار أثرية رهن الاحتلال الإسرائيلي، الذي أغلقه ومنع أعمال التنقيب والحفر في المنطقة، وأعاق الحياة فيها، من خلال قطع أواصرها مع سائر أنحاء المدينة الحديثة، علماً أن الحفريات القديمة التي تمت كانت في جزء بسيط من التل.
وتبعد نقطة عسكرية للجيش الإسرائيلي عن “منزل الصمود” مسافة 8 أمتار، غير أن النشطاء يراهنون على ثلاثة عوامل في معركتهم الحالية: الأول؛ تعزيز صمود العائلات الفلسطينية التي تسكن في منطقة H2، وثانياً؛ التأكيد على الرواية الفلسطينية المغايرة عن رواية الاحتلال في المنطقة برمتها، وثالثاً؛ منع تمدد المستوطنين بشكل حقيقي من خلال التواجد واستمرار النضال اليومي، عبر جعل المنزل نقطة انطلاق للنشاطات السلمية.