بيت حانون في الشرق الأوسط الجديد : كاشف البربرية المعاصرة

حجم الخط
0

بيت حانون في الشرق الأوسط الجديد : كاشف البربرية المعاصرة

صبحي حديديبيت حانون في الشرق الأوسط الجديد : كاشف البربرية المعاصرةتردد أنّ وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس اتصلت بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعربت له عن الأسف الشديد إزاء المجزرة الإسرائيلية الأخيرة في بيت حانون، وبهذا فإنها لم تذهب أبعد مما ذهب رئيسها جورج بوش، حين اعتبر أنّ الولايات المتحدة تشعر بحزن عميق للإصابات والأرواح التي أزهقت في غزة .وبهذا، كان تصريحها أشدّ خجلاً تجاه الدولة العبرية (وبالتالي أشدّ بذاءة تجاه الضحايا الفلسطينيين الأبرياء)، رغم أنها ـ وهي سيدة الدبلوماسية الأمريكية، ودكتورة العلوم السياسية ذات اللسان الذرب ـ كانت الأجدر باعتماد جرعة أثقل من بلاغة النفاق السياسي.من جانب آخر، وضمن معطيات مشهد إقليمي وكوني أوسع نطاقاً وأكثر ازدحاماً، كان الأجدر بالوزيرة رايس أن تشعر بما هو أبعد فداحةً من محض الأسف، ليس بسبب بربرية إرهاب الدولة الإسرائيلي تحديداً أو حصراً، بل بسبب هذا الشرق الأوسط الجديد الذي أعلنت مخاض ولادته عشية بربرية إسرائيلية سابقة، ضدّ لبنان البلد والشعب، وها هو لا يبدو كمَنْ يلد مخلوقات سوية علي أيّ نحو، بل يقذف بوقائع شائهة مشوّهة أين منها فئران متدافعة من قلب جبل تمخض! صحيح أنّ رايس قد تكون بين الأكثر ابتهاجاً برحيل زميلها وخصمها اللدود وزير الدفاع دونالد رمسفيلد، إلا أنّ هذا الرحيل هو من نوع الخبر الصغير السعيد الذي ينبثق عن سلسلة أخبار تعيسة مكربة محزنة: من نوع هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي لمجلسَيْ النوّاب والشيوخ (إذا تأكدت نتائج فرز الأصوات في ولاية فرجينيا)، أو نجاح محكمة عراقية كاريكاتورية في إصدار سلسلة أحكام بالإعدام علي طغاة العهد البائد، مقابل فشل الحكومات العراقيات المتعاقبة تحت الاحتلال الأمريكي في حلّ المشكلات اليومية المعيشية والأمنية لسواد العراقيين. غير أنّ مجازر بيت حانون هي الكاشف الأبرز، لأنه ببساطة الأشد وحشية ودموية وبربرية، لهذا الشرق الأوسط الجديد الذي بشّرت به رايس، ثم بلعت لسانها عن أيّ وكلّ إفصاح عن طبيعته، قبل أن تتكفّل الوقائع بتعرية نقائصه وكشف سوءاته ومضاعفة عواقبه. وليس هذا لأنّ الدولة العبرية لم تمارس مجازر مماثلة طيلة العقود التي أعقبت إنشاء إسرائيل، بل لأسباب نقضية ونقائضية في الواقع، علي رأسها أنّ السلوك الإسرائيلي في فلسطين، والأمريكي في العراق وكلّ شبر من هذا الشرق الأوسط الجديد ، يسير عكس التبشير ويسفر عن كلّ ما هو مضادّ للنظرية ونأسف لركائزها.ويكفي أن يجد الرئيس الفلسطيني نفسه مضطراً لوصف المجازر الإسرائيلية بـ الحقيرة ، تماماً كما وصف عملية استشهادية فلسطينية قبل أسابيع معدودات، أو أن يضطرّ الرئيس المصري حسني مبارك إلي التصريح بأنّ إعدام صدّام حسين لن يهزّ الاستقرار في العراق (وهذه عجيبة، كأنّ البلد مستقرّ آمن مطمئن)! وحده، بل في الشرق الأوسط بأسره. نحن هنا في صفّ المعتدلين من زعامات العرب، فما بالك بما قال أو سيقول الأمين العام لـ حزب الله ، الشيخ حسن نصر الله، أو رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ، خالد مشعل، أو الرئيس الإيراني أحمدي نجاد…ويُقال عادة إنّ السياسات الإسرائيلية تأخذ أشكالاً دائرية أو حلزونية، خلافاً لمعظم السياسات العربية ذات الأشكال الإنكسارية والإنتقال السريع من الشيء إلي نقيضه. وأضيق دوائر الحلزون، هذه الأيام، هي ارتداد الضمير اليهودي الجَمّعي إلي إثقال النفس بالكابوس، واستدعاء ذاكرة التوراة لكي تطمس السطوح كلها: السياسية والأمنية والاقتصادية والإيديولوجية. في أيام كهذه يستذكر السواد الأعظم من الاسرائيليين مقولة غولدا مائير عن الفلسطيني اللامرئي ، وتقفز يهودا والسامرة من تضاريس الأرض إلي تلافيف الدماغ. ها هي بيت إيل (أي: رام الله)! حيث اضطجع يعقوب ورأي في الحلم سلّماً منصوباً إلي السماء وملائكة الله صاعدة ونازلة عليه. وهنا قال له الرب: الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك ، ثم أمره: لا يدعي اسمك فيما بعد يعقوب، بل يكون اسمك إسرائيل . وها هي حبرون (الخليل)! حيث هُزم الكنعانيون ومُسح داود ملكاً علي بيت يهوذا مرتين. وها هي يوراشاليم (القدس)! حيث مملكة داود التي لم تكن تتجاوز العشرين أكرة، مقابل 72.000 أكرة تحتلها الدولة العبرية اليوم!أين بيت حانون، إذاً؟ إنها في قلب الدائرة الدامية الدموية الدامسة العفنة التي تجعل من سواد اليهود الإسرائيليين آلة فتك وآلة كابوس وآلة وجود في آن معاً، ضدّ فلسطيني يزداد زجّه في صورة الآدمي اللامرئي الذي لا يُري، إذا بان واستبان، إلا في صورة الإرهابي القاتل الإسلامي المتشدد الحمساوي، الذي انفكّ عن كلّ عقل واعتدال فلم يعد حتي… فتحاوياً (تخيّلوا مفارقة هذه الأزمان، حين يصبح الفلسطيني الفتحاوي فلسطينياً معتدلاً)! وبيت حانون لا تقبع اليوم في مستقرّ آخر سوي هذا الانفلات الفاشيّ البربري لدولة لم تعد تحفظ من ذاكرة الهولوكوست سوي إعادة إنتاجه بين حين وآخر، فتستوي غزة مع بيروت وبيت حانون مع بنت جبيل.وفي مطلع هذا الأسبوع أقرّ الروائي والكاتب الإسرائيلي دافيد غروسمان (الذي، للتذكير، فقد ابنه أوري، 20 سنة، الضابط الاحتياط في سلاح المدرعات، أواخر أيام العدوان الإسرائيلي علي لبنان) أنّ الازمة التي تعيشها الدولة العبرية أشدّ عمقاً مما كنّا نخشي في أيّ يوم، وفي كلّ منحي . كان غروسمان يخطب في ذكري اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين، وهذا في حدّ ذاته دليل علي وطنيته الإسرائيلية، ولكنه مع ذلك احتاج إلي تذكير مستمعيه بأنه يحمل لهذه الأرض محبّة هائلة وطاغية ومركبة ، وأنه علماني التفكير ولكنه مؤمن بأنّ قيام دولة إسرائيل كان معجزة من نوع ما، سياسية ووطنية وإنسانية، وقعت لنا كأمّة . وكان غروسمان بحاجة إلي تشديد كهذا، مشبوب غنائي واقعي ـ ميتافيزيقي في آن معاً، لكي يبلغ سلسلة خلاصات كارثية من الطراز التالي:ـ هذا وطن جعل كارثتي الشخصية بمثابة ميثاق دموي ،ـ طيلة سنوات كثيرة، لم تفرّط إسرائيل في دماء أبنائها فحسب، بل فرّطت في المعجزة ذاتها، وفي فرص بناء دولة ديمقراطية ناجحة، تلتزم بالقِيَم اليهودية والكونية ،ـ كيف حلّ بنا هذا؟ متي فقدنا حتي الأمل في أننا سنكون ذات يوم قادرين علي تأمين حياة مختلفة أفضل؟ وكيف حدث أننا نواصل التفرّج علي حدة، كأننا نُوّمنا مغناطيسياً بفعل الجنون والوقاحة والعنف والعنصرية التي حاقت بوطننا؟ ،ـ أحد أكثر نتائج الحرب الأخيرة صعوبة هو الإحساس المتعاظم بأنه لا يوجد ملك في إسرائيل، وأنّ قيادتنا جوفاء، قيادتنا السياسية والعسكرية جوفاء. لست أتحدّث عن أخطاء إدارة الحرب، أو انهيار الجبهة الداخلية، أو الفساد واسع النطاق . إنني أتحدث عن حقيقة أنّ الناس الذين يقودون إسرائيل اليوم عاجزون عن ربط الإسرائيليين بهويتهم، وبتلك المساحة والذاكرة التي تمنحنا الأمل والقوّة، وتضفي بعض المعني علي صراعنا اليائس الواهن من أجل البقاء … يهودي آخر، هو المؤرّخ الإسرائيلي يارون إزراحي، كان قد تابع روحية الرثاء ذاتها وأحصي الأثمان الباهظة لذلك الإنتقال العجيب الذي شهدته فكرة الدولة اليهودية: من المعجزة بحدّ السيف، إلي ما بعد الملحمة، ولكن… بالرصاص المطاطي! وفي كتابه رصاص مطاطي: القوّة والضمير في إسرائيل الحديثة ، الذي صدر بالإنكليزية، اعتبر إزراحي أن استخدام الرصاص المطاطي في قمع الانتفاضة كان نقلة نوعية في الرواية الصهيونية الكلاسيكية، الأسطورية والملحمية والتربوية، وكان عتبة تدشّن انقطاع خيط الرواية الكبري التي لمّت شمل أسرته اليهودية طيلة خمسة أجيال، منذ أواخر القرن التاسع عشر حين غادر أجداده أوكرانيا إلي فلسطين، وحتي أواخر القرن العشرين حين أدرك أنه يصارع قراراً مؤلماً بتجنيب ابنه آلام حلم صهيوني فادح الأثمان.ويكتب إزراحي: في تلك الليلة من شهر كانون الثاني (يناير) عام 1988، حين شاهدت علي شاشة التلفزة جندياً إسرائيلياً شاباً يجثو علي ركبة واحدة ليسدد بندقيته إلي طفل فلسطيني لا يحمل سوي الحجارة، انتابني إحساس حادّ لا سابق له بالصدوع العميقة التي أخذت تتشكل داخل ملحمة عودتنا وتحريرنا في هذه الأرض، ولقد شعرت بفداحة الخسران، وبالتناقص الشديد في قوّة الرواية التي أدامت الحلم الصهيوني . وهكذا فإنّ إزراحي يقرّ، مثل غروسمان، بأن محاولة اسرائيل مصالحة أزمة الضمير مع فحشاء استخدام القوّة لن تسفر عمّا هو أقلّ من هوّة فاغرة بين أجيال الجدّ والأب والابن، ولسوف تكون معركة مرويات قابلة للتنازع الداخلي كلما وحيثما اقتضي الحال تخليص النفس الاسرائيلية من، أو تحصينها بوسيلة، الملحمة الكبري و الحلم الصهيوني و تاريخ الآخر .لم نقرأ، في حدود ما قرأنا، كيف أبصر إزراحي آلاف المشاهد البربرية التي أعقبت جثوّ الجندي الإسرائيلي علي ركبة واحدة لتسديد بندقيته إلي طفل فلسطيني لا يحمل سوي الحجارة، وكيف حملق في مشهد اغتيال محمد الدرّة مثلاً، وأية مرثية كانت ستفيده في وصف مجازر طوباس وبني نعيم والشجاعية ورمل غزة وجنين، لكي لا نتحدّث عن قانا 1 وقانا 2؟ وهل يمكن لفئة قليلة من أمثال غروسمان وإزراحي أن يروا ذلك الجوهر الخبيث الذي يكمن في خلفية ما يجري من مجازر، أي استمرار الإبادة الجماعية المنظمة والتصفية العرقية للفلسطينيين، كما يساجل مؤرّخ إسرائيلي مثل إيلان بابيه وآخر بريطاني مثل جوف سايمونز؟ليس هذا رأي واحد من بطاركة اليسار الإسرائيلي، شمعون بيريس، الذي استشاط غضباً وأعلن أنّ كرامته الشخصية طُعنت في الصميم حين سمع مَن يقول إنّ الدولة العبرية تسعي إلي تصفية الفلسطينيين. نحن لسنا دولة مافيا تستخدم هذا النوع من الممارسات . مَن نحن، إذاً؟ الدولة الوحيدة في العالم التي تواجه انتحاريين لا يمكن وقفهم بواسطة شرطة أو جنود ما داموا مستعدين للموت ، تابع حامل جائزة نوبل للسلام. وليس غريباً أن تصدر هذه التصريحات النارية عن أقطاب اليسار قبل أقطاب اليمين، فهذه ـ كما ينبغي أن نتذكر دائماً ـ هي أطوار انصهار كلّ تيّارات وأحزاب وألوان وأطياف وضمائر أبناء الدولة العبرية، السواد الأعظم منهم عملياً، ما خلا قلّة قليلة محدودة منفردة معزولة من طراز غروسمان وإزراحي. هذه أيّام الوحدة الوطنية القصوي، والائتلاف الشامل، والتعاضد الأعمي: ضدّ الفلسطينيين أوّلاً وجوهرياً، ثمّ ضدّ كلّ مَن تسوّل له نفسه اتهام الدولة العبرية بارتكاب ما ترتكبه المافيا، حتي إذا كان هذا وزير خارجية الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا.هذا هو بعض السبب في أنّ قلب السيدة رايس (بافتراض وجوده في موقعه الطبيعي من بدنها، بالمعني الإنسانيّ وليس بالمعني التشريحي) قد يتفطّر حزناً علي رحيل خصمها اللدود رمسفيلد، وقد تتقطع نياط القلب ذاته علي استمرار غياب الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت، ولكن من المحال أن تهتزّ وزيرة الخارجية لمشاهد مجازر بيت حانون المتعاقبة. ألا يكفي أنها اتصلت بحليف بلدها، محمود عباس، وأبدت له أسفها الشخصي؟ وهل يعقل أن تكون مشاعرها أكثر حزناً من مشاعر رئيسها سيّد البيت الأبيض؟أو… أن تحزن أمريكية أكثر مما حزن ويحزن ملوك وأمراء ورؤساء العالم العربي!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية