زاهر السالميصدرت عن مجلة ‘نزوى’ ضمن سلسلة ‘كتاب نزوى’ المجموعة الشعرية الأولى لأحمد الهاشمي بعنوان ‘بيت فوق سقف العالم’، وهو الإصدار الخامس عشر من هذه السلسلة، الذي تم توزيعه مجانا مع العدد الحادي والسبعين للمجلة الفصلية الثقافية. وجاء في تقديم المجلة للمجموعة: ‘أحمد الهاشمي أحد عناصر هذا السياق الطليعي. وهو وإن زهد في النشر فترة، يأتي ديوانه هذا، ثمرة مكابدة شعرية وحياتية، تذهب في منجزها إلى مصاف المتقدمين، في الجيل الشعري العماني والعربي الجديد’. وأنا أميل نسبيا إلى هذا التقديم؛فأحمد الهاشمي من أهم الشعراء الذين ظهروا في أوائل التسعينيات من القرن الفائت. وتجربته الشعرية الأصيلة تم تجاهلها طويلا، في سيرورة مؤسسة لإعلاء الهزيل. ومما ساعد على عدم ظهور نصه الشعري ربما يكون زهده في النشر أو عدميته في التعاطي مع نتاجه ضمن إطار ثقافي عام فاسد ومختل: ‘هنا لا شيء/إلا العطانة والأدخنة/ العيون المزورة/وقمامة آخر النهر/لا شيء أبدا/يغري النسور بالتحليق’. يتكون ‘بيت فوق سقف العالم’ من ستة وعشرين نصا، كتبت تقريبا عبر عشرين عاما. لا توجد إشارة الى تاريخ معين في الكتاب. لكن عبر متابعاتنا لما ينشر في الصحافة العمانية نجد نصوصا تعود لأوائل التسعينيات. مما يجعل المجموعة تعبر عن مراحل زمنية مختلفة في حياة الكاتب. لكن وإن تعددت واختلفت السياقات والأزمنة، نجد هناك شعر موهبة كبيرة، بوعيها الحاد والشقي. لا يسقط في السوداوية. وعي ساخر إلى حدوده القصوى. شعر يغني الشقاء، يغني ذاته، رافعا لها فوق سقف العالم: ‘قريبا. . يهبط إله النعمة والعدل/تتفجر مبايض اللعنة والغضب/ولا شيء من ذلك يغريني. . /لقد صار لي بيت/فوق سقف العالم. شعر تصويري. صوره مبتكرة وصادمة. تتجلى فيه البداهة، والفطرة الخام لكائن ما قبل التاريخ. مسلح بذخيرة لغوية وثقافة عالية. شعر يعلن ويضمر في ذات الوقت. تنقشع فيه التابوهات. يحاور الله ويناديه، منشدا صلاته ومزموره الخاص: ‘إلاهي ذا الجلال الباهر/هبني مزيدا من إساءة الفهم/كي أسمو’. يعلي من ذات الإنسان المتفردة، يصطف إلى خياراتها المفردة/غير الجمعية، ويغنيها: ‘وأنا لهذه الأمور الوضيعة وغيرها/أرفع كأسي نخبا لحياتي الرائعة/مكتملا بالغناء والشهوة/لا كأس إلا التي في يدي/ولا نهاية.. /إلا ما تراءى لي’. مجموعة ‘بيت فوق سفف العالم’ ربما تكون البداية لتجربة شعرية متفردة. شعر باهر، ومضات قوية وخاطفة، تنكشف فيها معالم الجمال في خضم اليباب. شعر يذكرني بالماغوط، وسركون بولص. وقصيدة ‘أن تكون ملكا’ تذكرني بماركيز في روايته: ‘الجنرال في متاهته’، تذكرني بأزمنة الثورات. أن تكون ملكاانظر.. سيد الأمر كله وجربهذا حوض من زجاج فيه ماءحوض يشبه عينيك إن شئتوفيه أسماك صغيرةأسماك مصابة بالعمى والعصيانوأنا لا أعرف ربماكيف أخاطب ملكا بقدر الملكلكني أفهم الأسماك كأصابعيأصغي لدمعها حيث تبكي وتضحكقل إذن ما الذي يبهج قلبكفي حوض أسماك الزينةقل كيف يمكنك التحليقفي سماء مربعةهذا شاذ وتحت مستوى العدلإذن.. جرب مرة إن استطعتمرة واحدة على الأقلأن تكون شاعرا أو معتوهاأن تفرد جناحيك في اللهبفما ترى أيها الملك الحلزونفي حوض من زجاج فيه ماءقل: أرى جنيات صغيراتما يشبه المناقير والأجنحةقل أرى زعائف ماكرة هي العصافيرقل أرى السأم.. أرى ضفادع مجنحةندوبا تقرأ الظلامقل.. أرى ما يجرح الفولاذ ويشقي الصدرما يشبه الأحزان المتراقصة في احتفال عامأرى النشيج الوطني والعيون التي تذبحوحوشا وزوابع وشياطين حمرأرى.. وعروقي تتفجر وحلا ودماأرى. . وتحت قدمي يحترق العشبوتورق الطلاسمقل.. وأرى الإنسان القذر يتأملوأراني الآن كما يليق بيملكا.