بيرتس لم يجلب سياسة جديدة ولا يمكنه الفصل بين ضرورات الدفاع وعدم وقوع ضحايا أبرياء في الجانب الآخر

حجم الخط
0

حتي سنوات التسعين كان بيرتس واحدا من السياسيين الصغار، ممن لهم مستقبل سياسي في حزب العمل، من الذين أُطلق عليهم آنذاك لقب الثمانية. جميعهم كانوا (وما زالوا) من الحمائم السياسية، حتي وإن كانت الاموال والمعطيات السياسية أثرت عليهم وجعلتهم يخوضون مسارات مختلفة. وباستثناء بيرتس، فان اثنين من مجموعة الثمانية اللذين واصلا طريقهما السياسية، ولكنهما ابتعدا عن حزب العمل، وهما حاييم رامون المؤيد بشدة لسياسة خطة الانطواء في كديما، ويوسي بيلين الذي ينجح دائما بايجاد شريك فلسطيني ليتحادث ويتفاوض معه ممن يؤيدون السلام، وممن هم قادرون علي السيطرة أو ادارة شؤون شعبهم. ولكن الفشل والخيبة والشكوك وعدم الثقة، قد أثرت علي هؤلاء بصور مختلفة وعديدة. ولكن لا أحد منهم متفائلاً الآن كما كانت حالته في الماضي. كما سبق وأن وصف ذلك آبا ايبان بقوله ليس دائما تلتصق أجنحة الآمال مع ارض الواقع.

خصوصية بيرتس انه كان الوحيد الذي انحدر من احدي المدن التطويرية الجنوبية في البلاد، ومن وسط اجتماعي تقليدي ووطني. في تلك السنوات كان يحتاج الي شجاعة كبيرة لكي يتمكن من التمسك بتلك الآراء والأفكار والمواقف السياسية. هو لم يخرج ولم يشذ عن تلك المواقف، ولكن الي ما قبل الانتخابات الأخيرة، فقد كان يمكنه التهرب من المصاعب المرتبطة بالسياسة الحمائمية. أما الآن فقد أُخذ منه هذا التنازل، وعليه الرد والاجابة علي مسائل السياسة الأمنية التي تدفع به دفعا. ربما تكون المسألة الأكثر دفعا له الآن، كما هو معروف، هي كيفية الرد والدفاع أمام استمرار تساقط الصواريخ التي تُطلق من قطاع غزة. هنا قد اتضح بأن الأوامر التي أصدرها للجيش الاسرائيلي لا تختلف كثيرا عن تلك التي كان يصدرها صقر معتدل لو كان جلس مكانه.

التملص من اعطاء ردود عملية لم يُسلب من داخل وعمق بيرتس، فرجال فكر من اليسار، من الذين يمكنهم تحجيم مكانتهم وفعلهم فقط باعطاء النصائح التي لا يمكن لنا أن نفعلها وأن نلتزم بها. والقصد هو الي اولئك الذين وقعوا علي تلك العريضة الكبيرة التي نشرت في صحف يوم الخميس الماضي، والتي حملت عنوانا كبيرا هو الأنف يمكنه استرواح الصديق مع ذنبه (وهي العبارة التي قالها أبونا ابراهيم في حديثه مع الرب حول ضرورة تدمير مدينة سدوم). وهؤلاء الموقعون علي العريضة، من الكتاب المعروفين ورجال الفكر والاكاديميين، يناشدون بيرتس بأن يضع سياسة واضحة تُميز ما بين حدود الدفاع الذاتي المطلوبة حقا وبين عمليات سفك دماء الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني. فأين يمر خط الحدود هذا؟ وكيف ندافع عن سفك دماء الاسرائيليين وفي نفس اللحظة ونمتنع عن سفك دماء اولئك الأبرياء المحاطين والمندمجين مع عدد كبير ممن يفعلون ذلك؟ يبدو أن الموقعين علي هذه العريضة يتخوفون من الاجابات، ذلك لانهم لا ينشغلون في توجيه وصية إفعل، بل بوصية لا تفعل. هم يعرفون ان الوزير بيرتس قد اجتاز الحدود في اعطاء أوامره بمواصلة اطلاق نيران المدفعية علي مناطق شمالي القطاع، وحسب رأيهم فانهم لا يؤيدون استمرار الضغوطات الاقتصادية علي الفلسطينيين كوسيلة لمحاربة الارهاب.

وخلافا لهم، أنا أعرف بأن اطلاق نيران المدفعية، حتي وإن كان موجها الي مناطق كبيرة، فانه قتل عددا أقل مما قتله اطلاق الصواريخ من طائرات سلاح الجو، وهو الامر الذي لا يرفضونه في عريضتهم. وأنا أعرف ايضا بأنهم هناك يعرفون، كل قارئي الصـــــحف، بأن التهديد بقتل زعماء وقادة حركة حماس، هو عمل سوف يعارضونه ويعربون عن رفضـــــــهم له، لذلك فان هذا ما دفعهم للمطالبة بالتـــــوقف عن اطلاق صواريخ الكاتيوشا. أنا مقتنع بأن التشديد علي الحواجز قد أدي الي التقليل من وقوع العمـــــليات التفجيرية في مراكز مدننا، وأنا متأكد أن موجة من العمليات الانتحارية سوف تؤدي الي تقويض حكــــومة اولمرت كما أدي ذلك في يوم الي اسقاط حومة بيريس، ويمكن الاعتقاد بأن حكومة من اليمين، التي ستكون البديل الممكن فعليا لحكومة اولمرت، لن تتردد في العمل بالاساليب والطرق القاسية التي يخشي الموقعون علي هذه العريضة من حدوثها ومن العمل بها. ويبدو لي أن الضغط والحصار الاقتصادي علي الفلسطينيين قد أديا الي تقوية مكانة محمود عباس والي إضعاف مكانة حكومة حماس، وساعده في العمل ضدها، وأنا اعتقد، بل انني آمل، أن يؤدي وقف اعمال العنف، كما يطالب أبناء شعبه به (أبو مازن) هو الذي قد يتمكن من ايجاد وتقوية شيء ايجابي معين في القريب. وتلخيص ما اقول هو أن التوقف عن عمليات القصف، وتسهيل العمل علي الحواجز في المناطق وإزالة الضغوطات الاقتصادية سوف تزيد، ولن تقلل، من عدد القتلي في اوساطنا واوساطهم.

لذلك، فانني أعترض علي كل ما يتمخض عن هذه العريضة ونشرها، لان كل من يعمل مثل عمير بيرتس، أو يفكر مثله، فانه بالتأكيد يمر ويجتاز الحدود الفاصلة ما بين الدفاع الجائز والعـــــادل وبين سفك دماء اولئك المدنيين الأبرياء، لان تصرفاته، كما أراها، متزنة وهي بقياسات دقيقة. فهو لم يسارع الي تغيير جلده، وهو ليس بحاجة الي نصائح من أي شخص يري بنفسه جهة ذات علاقة يمكنها التوصية وتوزيع العِبر والنصائح. سوف أزن وأراجع موقفي مجددا من هؤلاء الذين وقعوا علي هذه العريضة، اذا ما تجرأ هؤلاء أن يقولوا علنا وبصراحة أنه يجب علينا أن نراهن ونتنازل عن الكثير من الأرواح والضحايا (من الاسرائيليين) لكي نقنع خالد مشعل في دمشق بطهارة سلاحنا وبنوايانا الجيدة غير السيئة، فانني سأسارع الي تأييد نظرتهم وفكرتهم اذا ما أسرعوا بطرح برامج من عندهم تكون مقنعة وتتمكن من وقف تام ونهائي لعمليات الارهاب. أنا أشك في أنهم سيستطيعون مواجهة مثل هذه الشروط اللازمة.

يارون لندنكاتب يساري(يديعوت احرونوت) 18/6/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية