بيركهارت.. أو ابراهيم بن عبد الله

حجم الخط
0

أمجد ناصر كان السويسريُّ الذي سمَّى نفسه ‘ابراهيم بن عبدالله’، (أو ابراهيم الشامي) المتلفِّع بثيابٍ عربيةٍ تسّترُ، في ريبةٍ مثيرةٍ للشك، أصلَه، يريد الذهاب الى مكانٍ آخر لم يسبقه إليه أحد، فذلك زمن هوس ‘الاكتشافات’. العثور على أمكنة ‘مجهولة’. رسم الخرائط وضبط السلالات والأنواع في دفاتر ‘المتروبول’. كانت ‘الجمعية الإفريقية’ الإنكليزية محبطة حيال فشل ‘بعثاتها’ إلى ‘مجاهل’ إفريقيا، فقدان أثر ‘رسلها’ في تلك الأنحاء في ظروف ‘غامضة’، فالرسل الذين انتُدبوا لتلك المهمة لم يعودوا قط. قدَّم شابٌ سويسري متحمسٌ يدعى ‘بيركهارت’ مشروعاً لـ ‘اختراق القارة الإفريقية من الشمال عن طريق ‘واحة فزان’ والوصول إلى ‘تومبكتو’ بمعية قوافل الحج العائدة من مكة’. عندما وطأ أرض العرب عمل على أن يبدو ‘عربياً’. كان يتدرَّب على عبور أرض صعبة وبين أناس لم يفهم صمتهم أو حركة أعينهم رغم أنه درس نحوهم وصرفهم. طريق ملتوية، شاقة، محفوفة بالخطر سلكها السويسري الذي سمى نفسه ‘ابراهيم بن عبد الله’ كي يذهب إلى القاهرة ومنها الى ‘مجاهل’ افريقيا. كان ذلك زمن الولع بالخرائط وكتابة التقارير وضبط الحيوان والنبات في سلالات تُمْنَحُ أسماءَ لاتينية طويلة. قبل أن يصبح السويسري ‘حلبياً’ كان تاجراً هندياً. لكن الرجل قد يغطي رأسه بين العرب بَيْدَ أنه لا يستطيع تغطية وجهه. ليس في كلِّ الأحوال. بياض بشرته، الذي حاول أن يلوّحه بالشمس، مكَّنه أن يكون ‘حلبيِّاً’ وهذا أدعى إلى السلامة من اكذوبة ‘التاجر الهندي’ التي لم تنطل على عيون ترصد العلامات والفروق. ثم ماذا يفعل تاجر هندي بين قبائل البدو وموزاييك الطوائف والنِّحَل؟ عندما قرَّر السويسري مغادرة الحواضر السورية الكبيرة خلع البزَّة المدنية التي ارتداها، براحةٍ، في حلب. طريقه هذه المرة تمرُّ، حكماً، من مناطق مسكونة بالبدو. مهجوسة بغاراتهم التي قد تقع في أية لحظة. اكتشف ‘ابراهيم بن عبد الله’ أنه يستطيع التفاهم مع سكان المدن والفلاحين، أولئك الذين يرتبطون بميثاق مألوف، بشجرة، بمنزل، بدكان، ولكنه لم يعرف كيف يفعل ذلك مع أهل الصحراء. بدوا له شبحيين، مغلقين، وربما مراوغين بل يمكن أن يكونوا شرسين وغدارين. حتى لو قرأ في ‘كيمبردج’ شيئاً عن ميثاقهم فهو لا يفهمه. الشمس، الأثر الممّحي، المواقد المطمورة، الرمل، صقيع الليل، الجفاف المطقطق، النجم الهادي، مجرد كلمات أو صور. عليه، إذن، أن يكون حذراً طول الوقت. مرهِفاً السمعَ. عليه أن يكون مزيّفاً أيضاً. فمن أجل الوصول إلى هدفه الذي بسطه، بحماسةٍ، أمام سَدَنة الخرائط والأنواع في لندن يمكن له أن يكذب. فالغاية تبرر الوسيلة. تلك الميكافيلية الأبدية. ها هو يرتدي الثياب نفسها التي يرتديها البدو، يمتطي فرساً لا تلفت النظر. لقد فرغ من استحضار اسم صحيح وعادي وراح يكرّره لنفسه: ‘ ابراهيم بن عبد الله’، ‘ابراهيم بن عبد الله’، ‘ابراهيم بن عبد الله’. خبأ نقوده في ‘كَمَرٍ’ تحت ثيابه العربية، اخترع لنفسه مهنة مقنعة بعض الشيء: صانع بارود من قرية ‘داما’، ثم مضى بمعية أدلاء محليين في اتجاه الجنوب.’ ‘ ‘لا يترك ‘ ابراهيم بن عبد الله’ شيئاً يراه من دون تسمية وإحصاء. يفعل ذلك كواجبٍ مقدس. على نحو غير معهود في الرحالة الهائمين، بل في كتبة التقارير. يحدد المسافات بالساعة لا بالأمتار، والطبائع بمرجعية متعالية. كتابة التقرير التفصيلي الممل، التقرير الذي لا تزويق أدبياً فيه، تبدأ من أول خطوة. لديه فكرة عامة عمَّا يوجد في الأنحاء من أوابد الأمم السابقة، ولكن ليس كثيراً عن أناسها الحاليين«’يعرف فقط أنه يرتدي قناعاً بينهم. بل أكثر من قناع. يعرف أنه لا يستطيع التحرك خارج بيوت القناصل من دون قناع محليّ. يسنُّ قلمه أو ذاكرته. أحياناً لا يستطيع استلال القلم والورقة أمام مضيفيه المرتابين فيخزِّن المعطيات في ذاكرة مدرَّبة على التعداد والإحصاء والوصف. لا يترك قريةً لا يسميها باسمها كما ينطقه أهلها. تلك خطوة قرَّبَته، في الأقل، من غرابةٍ أو ضجرٍ ما فتئا يتعاظمان. لكن غرابة الطباع هي التي يوليها قلمه عناية التعليق، فيما تنفرد المواقع بالوصف الدقيق. كما لو أنها إحداثيات رماية أو مهاد ديموغرافي لحملة قادمة. زمن عثماني ثقيل ومتفسِّخ يتخلل الرحلة الملتوية الطويلة: باشاوات، أغاوات، متسلِّمون، أفندية، قناصل، عَبَدة فروج، باطنيون، لصوص آثار، محصلو ضرائب، رحالة يرسمون خرائط للمِلَل والنِّحَل والقبائل،. فساد ذمم. جشع. جوع. قلة. غزو. تمرد. خنوع. أوبئة. خرافات وتطيّرات. حرٌّ وبردٌ يصليان الأرض ومن عليها. عالم يكاد أن يكون عاطلاً عن ابتداع شيء يذكر، سوى البقاء الصرف، تتردَّدُ أسماؤه في تقرير الرجل السويسري القادم من لندن. مدن مقفرة. برار مفزعة. سهول تنتظر، باستسلامٍ كامل، رحمة المطر. أميّة متفشية. يمكنك أن تطوف سبع قرى ولا تجد من يقرأ مكتوباً. كانت هنا ذات يوم حواضر زاهية. كان هناك بناؤون ومهندسو طرق وسعاة بريد وقوافل وحرير وبخور وقمح وزيت وأمراء وجَوارٍ وشعراء وخطاطون وكتبيون وآلهة تدبِّر شؤون العاصفة والمطر والحصاد والولادة والموت. لكن الرجل السويسري لم يجد الكثير من ذلك. وجد الأطلال والرواسم. يولي الأطلال والرواسم عناية في التتبع والكتابة، لكن في غفلة عن الأهلين الذين سيظنونه ساحراً يبحث عن ذهبٍ ولقى ثمينة بالرقى والتعازيم التي يخطُّها على دفتر. كل ذلك في الطريق إلى القاهرة، ومنها إلى ‘مجاهل إفريقيا’ حيث هدف رحلته. يعرف أنه لن ‘يَكتشِف’ شيئاً لم ‘يُكتشَف’ في رحلته الشامية الكبرى. يعرف أن غيره سبقه إلى هذه الربوع المعروفة، أصلاً، لقومه في الغرب، فهو يسمي نظراءه الغربيين المارين، هنا، بين حين وآخر. يصحح أحياناً أخطاءهم. لكن رحلته الشامية الكبرى المحفوفة بالبدو المفزعين لن تكون بلا ‘اكتشاف’. ومن دون أن يدري، بالصدفة، أوبدافعٍ من فضوله، وربما بسبب رغبته في تضمين تقريره مزيداً من’الأسماء والغرائب سيسجل، باسمه، مدونو ‘الاكتشافات’ في الغرب، واحداً من ‘اكتشافات’ القرن التاسع عشر الكبرى: البتراء! ‘نوبور’ تدافع عن نفسها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية