بيرنار نويل اجتياحات اسرائيل

حجم الخط
0

بيرنار نويل اجتياحات اسرائيل

ترجمة محمد بنيسبيرنار نويل اجتياحات اسرائيلتوضيحمن عادة بيرنار نويل، الشاعر والكاتب الفرنسي، أن يكتب مرة بعد مرة عن آلام وعذابات الشعوب التي تتعرض للعنف. انه موقفه الثابت منذ كتاباته الأولي عن الحرب التي شنتها فرنسا ضد حركة التحرير الجزائرية حتي اليوم. لكن ما يكتبه بهذا الشأن، وخاصة في السنوات الأخيرة، وبالتلازم مع الحرب علي العراق والعدوان المتكرر علي الفلسطينيين، لا يجد منبراً للنشر في فرنسا الا لدي جهات هامشية، رغم أنه أحد أكبر أصوات الثقافة الفرنسية اليوم. وهو عندما يكتب نصا، هذه طبيعته، يبادر الي موافاتي به حتي يستطيع قراء العربية الاطلاع علي موقفه المناهض للعنف. يوم الجمعة 28 تموز (يوليو) صباحاً توصلت منه عبر الانترنيت بهذا النص الجديد الذي ينتقد فيه عنف اسرائيل وتدميرها في كلٍّ من فلسطين ولبنان، فحرصت علي ترجمته فوراً ونشره بدون تأخير. وورد في كلمة مرفقة بالنص أنه لا يجد أين ينشره في فرنسا ولربما كانت صعوبة النشر هذه المرة أكبر من السابق. وكوني توصلت بالنص يومين قبل مذبحة قانا الثانية فذلك هو ما يتطلب مني هذا التوضيح. لا شك أن مذبحة قانا كانت ستدعو بيرنار الي كتابة نص تكون فيه مأساة المذبحة حاضرة باسمها. مع ذلك فان القارئ سيلاحظ أن النص يذكر المذبحة ويشير الي أنها من خصائص العمليات العسكرية الاسرائيلية كلما شنت اسرائيل حرباً علي الأضعف. ولعل تفاقم العدوان وتسارع الأحداث سيجعلان من كل كتابة مناهضة للحرب الاسرائيلية علي لبنان وفلسطين فقرة من كتابة مفتوحة لا تتوقف عن الشهادة والفضح والادانة.(المترجم)تصلح كلمة اجتياح ، في النشرات الاخبارية الأخيرة لاذاعة فرانس كولتور اذاعة فرنسا الثقافية، لوصف العمليات العسكرية الاسرائيلية في لبنان. هذه الكلمة تشد الانتباه لأنها تستعمل لأول مرة بالمقارنة مع الكلمات التي تستعملها القنوات الأخري. فمعني الاجتياح حسب معجم ليتْري سباقٌ؛ و بالتالي فان من يقوم به يمر فقط علي الأرض التي يُخَرّبها . ورغم أن هذا التعريف يعود الي قرن ونصف فهو يصف بدقة عملية اسرائيل باستثناء كون السباق يخرق هذه المرة الفضاء الجوي، ومن ثم فان الخراب يسقط بالدرجة الأولي من السماء.ويحل معجم ليتري علي الكلمة اللاتينية Incursio التي يترجمها بالغارة . ومراجعة معجم غافيو تعطي معني صدام، هجوم لكلمة Incursio ثم ارتمي علي لكلمة Incursito و انقض؛ هجم لكلمة Incursio . ويقول معجم المترادفات انه لا يجب الخلط بين الاجتياح الذي هو نتيجة الاقتحام المؤقت لمجال ليس في ملكية المُجْتَاح وبين الاقتحام الذي يكمن في الدخول بكل قوة الي مكان والاستقرار.ان الطيران هو الوسيلة الناجعة للقيام بـ الاجتياح لأنه يرتمي علي هدفه ويعود للتو الي قاعدته العسكرية. فالدبابات، والفرق الخاصة، والمشاة مجبرون، بالمقابل، علي الاقتحام حتي ولو لم تكن رسميا للقيادة نية الاستقرار. والجيش الاسرائيلي المسمي تساهال يجمع بكل وضوح منذ نصف قرن بين الاجتياح و الاقتحام لينزل بجيرانه أكبر الخسائر.يبرهن تاريخ المرحلة بالفعل علي أن وجود وسلوك تساهال يجعلان من الاجتياح والاقتحام منهجية للارهاب الوحشي الذي تتغذي ممارسته بالعمليات العنيفة. يبدأ ذلك من الاغلاق التعسفي دائماً الي مصادرة الأراضي، ومن تدمير بساتين الزيتون والبيوت الي الاغتيال الموجّه، ومن قصف البنيات التحتية المدنية الي قصف المدنيين، ومن اختطاف واحتجاز المسؤولين السياسيين الي اعتقال وتعذيب أي شخص كان بسبب سوء حظ وجوده في المكان غير المناسب واللحظة غير المناسبة. يتم كل هذا بحجة الحق في الدفاع عن النفس والحق في الأمن اللذين يؤديان الي انعدام عام للأمن، لا فقط حول اسرائيل ولكن في جميع مناطق الشرق الأوسط.وأمام هذا الكم الضخم من أعمال العنف، التي لا تنجح الا في أن تسترجع وتذكر بأعمال عنف أخري ذات مرجعيات للأنظمة الشمولية تبعث علي السخط، يبدو أن مجرد التفكير السليم من شأنه أن يقود الي أن يُطلَب من السّلم ما لا يُمكنُ للحرب الحصولُ عليه. لكن لا، دولة اسرائيل تتعنت في مواصلة القمع والخوف والتهديد حينما تنتقل الي أعمال هدفُها هو ترهيب العدوّ الذي تقوم في الحقيقة بصنعه. مع ذلك فان هذه الأعمال، التي نحن بصددها تبلغ، هذه الأيام، درجة يصبح فيها ما هو غير قابل للتبرير منافسا للوحشية. وحشية تستعير تكنولوجية حربية تحول المذابح الي قضية لاانسانية هي التي تنعتها الأخبار بـ الأضرار الجانبية .لا شك أن الحس الانساني يحتاج للاتصال، للرؤية المباشرة، أو لتقابل شخصين وجهاً لوجه حتي يعي القاتل بحق القتل الذي يتصرف فيه. ويمكننا الاعتقاد في أن هذه الحاجة ليست حالة جندي المدفعية ولا الطيار اللذين يطلقان النار علي هدف ، لكن كيف يمكن لنا أن نمنح هذا الظرف المخفف للجنرالات، للوزراء، ولرئيس الحكومة الذي أقل ما ننتظر منهم هو أن يعرفوا ما يفعلون؟ عندما نقارن خطورة الأضرار بالتبرير الذي يعطيه لها المسؤولون الاسرائيليــــون، نتساءل هل ما ينتصر لديهم هو الكذب أم العنصرية وهم يتسارعون نحو الحــث علي الجريمة.بلي، جزء كبير من استعلائهم في التنكر للوقائع يستند الي المساعدة المتواصلة والسلوك المثالي للدعم الأمريكي، الذي عمل بتفوق علي انجاح الديمقراطية في العراق وأفغانستان. ان جرائم الحرب، وتـــــعذيب السجناء، والمذابح تتغير طبيعتها بعد وصفها مباشرة بالحــــرب علي الارهاب. بل انهم يحصلون من هذه الصفة نفسها علي الارتياح. ثم ان ضحايا هذه الحرب ليس لهم الحق بطبيـــــعة الحال في وضعــية الضحايا؛ اذ يكفي أن تلصق بك صفة ارهابي حــــتي تتوقف عن أن تكون انساناً.نعاين في اسرائيل منذ سنوات، والشهادات بهذا الخصوص متوافرة، تدريباً علي الاحتقار. علي احتقار الفلسطيني، الذي يُهانُ كل يوم عند نقاط العبور، محروماً من العمل، محروماً من الماء، من الكهرباء، من الطعام. تُساءُ معاملته بسبب نعم أو لا، معتقلا بدون محاكمة… ليست هذه الا الأشكال الألطف لقمع لا يتردد في اللجوء الي قذائف المدافع، الي القنابل، الي اطلاق الرصاص في غزة أو عند الجدار الشهير الذي يعمل علي تحويل الضفة الغربية الي مركز اعتقال.تتلازم خطورة الوضعية التي نشأت علي هذا النحو مع عشرات من القتلي أغلبهم من النساء والأطفال. كل هذا تمت ادانته دون جدوي من طرف مقالات وأعمال وثائقية وكتب، لكن لا شيء يدين التدهور الأخلاقي الذي تخلفه الممارسة المستمرة للعنف لدي الاسرائيليين. اذا كان ثمة احتمال في أن جندي المدفعية والطيار لا يريان ما يفعلان، فان القامع يراه بقوة عندما يترك أشقياء ينتظرون ساعات خلال اجتياز المعابر، عندما يقتحم الأبواب، يحطم الأثاث، عندما يدمر بيتاً بدبابة بيلدوزير، عندما يطلق النار علي أطفال. ولتحمّل هذا التقابل وجها لوجه، يجب أن يكون الشخص مارس الاحتقار لزمن طويل، بل وجعل منه ثقافته. ونحن نعلم الي أي حد يجب أن ننزع صفة الانسان عن الآخر كي نعامله ككائن أدني.تنظم الحكومة الاسرائيلية هذه اللاانسانية والاحتقار العنصري الناتج عنها. وهي تندهش من المقاومة التي تلاقيها في الوقت ذاته الذي تبذل جهدها للقضاء عليها. من هنا تأتي مضاعفة العنف، الذي يؤكد رغبة في مذبحة ضمنية، وسعاراً لعدم امكانية تنفيذها. هذا السعار يعمي السيد أولمرت وجماعته ما دام يدفعهم الي القيام بعمل يتعارض مع مصلحة شعبهم الذي هو أعمي بدعايتهم. هكذا، في اليوم الخامس عشر من تدمير لبنان بالقنابل الأمريكية بهدف التحريض علي التبرؤ من حزب الله ، المتسبب؛ حسب زعمهم؛ في كل هذا الشر، يكشف استطلاع للرأي أن 87% من اللبنانيين يرون في حزب الله حركة مقاومة تشرفهم.ان الحماقة السياسية مجرمة. لقد رأيناها في العراق، في أفغانستان، ونحن نراها متحسرين في فلسطين ولبنان. والمفجع أن هذه الحماقة لا تلقي أي معارضةٍ في الغرب الذي يتخلي عن شرفه عندما يبحث لها عن دوافع تستدعي الاحترام. والبلدان العربية لا تفعل أحسن، ولكن لها العذر، بفضل أمريكا دائماً، في أن حكوماتها بعيدة عن تطلعات شعوبها. ولا جديد في الصاق صفة الارهابي بحركات المقاومة، لكن، علي المستعملين لهذه البلاغة، التي يبدو أنها لا تبلي، أن يعرفوا أنه لمن الخطير الزج بالمقاومة في اليأس.لم يكن الشرف مما يلتزم به الديبلوماسيون والتجار، ولكنه كان الي عهد طويل قاعدة لعب العسكريين. فأي شرف يمكن الحصول عليه من قذف معمل للحليب، من قصف مدرجات مطار مدني أو بنايات السلطة الفلسطينية؟ من المؤسف أن تساهال وجنرالاته لم يسعهم علي الاطلاق تأمل هذا البيت الشعري الكلاسيكي الذي أصبح مثلا يُسْتَشهدُ به في الحاق الهزيمة بدون مجازفة، ثمة انتصارٌ يفتقد المجد . لم يعد من شرفٍ لاسرائيل سوي لدي بعض الرافضين للأوامر العسكرية الذين كانوا يمتنعون عن ذبح الأبرياء، لكن الوقت قد فات بالنسبة لتساهال. فهذا الجيش المكوّن من النخبة لم يتدرب الا علي سحق الأضعف منه، لذلك فهو يعتبر منذ الآن أجبن جيوش العالم.8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية