‘بيروت عالموس’ لزينة صفير: تاريخ لبنان من خلال موس الحلاقة

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: كان صائباً أن ترسم المخرجة اللبنانية زينة صفير تاريخ لبنان منذ الإستقلال من خلال موس الحلاقة الذي سحبه والدها مرات لا تحصى على ذقون السياسيين اللبنانيين بدءاً من مدينته عاليه، وصولاً إلى صالونه الراقي أولاً في فندق السان جورج، ومن ثم في فندق فينيسيا، وكذلك من خلال مقصه الذي حنت له الرؤوس مهما كان حجمها كبيراً.

أطلقت زينة صفير على فيلمها عنوان ‘بيروت عالموس’ وهو يزيد عن ال60 دقيقة بقليل لازمت فيها الكاميرا منزل العائلة، لاحقت الوالد العجوز الذي يطلب الدفئ في ال’ Robe de chambre ‘ شتاء، ويطلب البرودة صيفاً فيرتدي الشورت. فقط في نهاية الفيلم عاد إيلي صفير إلى فندق فينسيا متأنقاً، يرتدي معطفاً أسود طويل وقبعة. على الدرج الموصل إلى الصالون بدا بطل ‘بيروت عالموس’ في همة لم نلحظها في المنزل. فالشغل والمكان الذي أمضى فيه ردحاً طويلاً من عمره شد همته، سارع الخطى، ودخل الصالون بكل اعتزاز سنوات المهنة الماضية. تخفف من ملابسه الشتوية، ارتدى البرنس الأبيض وبدأ قص شعر الزبون على وقع أغنية أسمهان التي كان يعشقها ‘ليت للبراق عيناً’. تواطأ إيلي صفير مع الكاميرا، فاللقطة الأولى كانت في الحمام وهو يستعد للحلاقة الصباحية. غمز ابنته سائلاً إن كان عليه أن ينطلق أم يتريث. أعطته الإشارة، وبدأ حرفته مع ذاته. كان طبيعياً مع الكاميرا. طوال زمن التصوير لم نره يحدق كثيراً في عينها. بدأت الذكريات من مدينة عاليه التي كانت بحق عروس ‘المصايف’. ومقصداً لعائلات بيروت من طراد وسرسق وبسترس وتويني بحسب إيلي صفير. عدّد الفنادق الفخمة وفي طليعتها فندق جبيلي. لم يغب عن بال حلاّق السياسيين اللبنانيين أن عاليه كانت مقصداً لأغنياء فلسطين ومصر قبل سنة 1948. وفي عاليه أيضاً شاهد إيلي صفير أسمهان وشقيقها فؤاد.

رغم عمره المتقدم لا زال إيلي صفير متمكناً من تفاصيل الكثير من الذكريات وبخاصة تلك التي رافقت مرحلة إستقلال لبنان سنة 1943، حين سجن بعض السياسيين في راشيا، فيما عمل الآخرون على المقاومة. لكنه وصف الراحلين حبيب أبو شهلا والمير مجيد إرسلان بما هو مضحك، والمخرجة حافظت حتى على بعض كلماته التي تصفهم بالجبناء والخائفين.

زينة صفير كانت تعرف ‘خبريات’ والدها عن الكثير من المراحل في عمر لبنان، فكان يكفي أن تذكره بكلمة حتى يدخل على سكة الحكاية. وفي سرده كان إيلي صفير صاحب طرفة من حيث لا يدري، ويبدو أن ذلك الإنسجام والود بينه وبين إبنته تركه في غاية البساطة، وبعيداً عن أي تكلف. وبدورها حافظت زينة على كافة اللقطات التي أظهر فيها إيلي ضيقه من الميكرفون المثبت في سترته ‘شيليلي هالخناق من هون حرام عليك.. قديش بحبك وبحترمك وبقدرك’. وكذلك على كافة اللقطات التي قال فيها ‘خلصنا بعد بدك مني شي’؟ كان يدرك إيلي صفير أنه يقدم لكاميرا ابنته تاريخاً ولهذا كان يردد بين الفينة والأخرى ‘هيدي Intereant’. وهو توقف ملياً عند أحداث سنة 1958 في لبنان. صفير كان يتوقف عن الكلام حين يفتقد إلى ترابط فيما ينوى البوح به من تاريخ ‘ما بدي إحكي كلام بلا طعمة’. توقفت المخرجة ملياً مع إيلي صفير عند عضويته في الكتائب: لماذا دخلت في حزب الكتائب هل كانت قناعة بمبادىء وأفكار؟ يأتي الرد: كنا Groupشباب. وبعد إصرار من المخرجة عن الهدف: ‘ما بدنا ياخدو لبنان صوب العروبة’. سألته: ‘فكرتوا بوطن قومي مسيحي’؟ طبعاً. التغذية كانت من اليهود. وطن قومي مسيحي ‘تيعيشوا اليهود هونيك’. هكذا جاء الرد وبكل وضوح. لكن بتحريض من المخرجة.

حكى صفير هجرته من فندق فينسيا سنة 1975 بعد احتراقه. وما أن عاد الفندق إلى حاله بعد إنتهاء الحرب حتى عاد إليه. لكن الصالون عاد ليدمر بعد إغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومن ثم يعود من جديد. ختم إيلي صفير الذي حنت له الرؤوس الكبيرة جميعها باكياً بهدوء ذكرياته التي هي بالأطنان، وبزيارة المكان الذي كان له فيه صولات وجولات عمر، فندق فينيسيا. بيروت عالموس مرّ بسلام لكثرة ما تضمنه من طرافة ونوادر، ولإصرار المخرجة الحفاظ على الصورة الطبيعية دون تزويق، وعلى الحال الطبيعية لوالدها، دون تحضير مسبق. استمعنا إلى قصصه المذهلة بشغف، واستمتعنا بطواعيته الكلية مع طلبات إبنته التي كانت تناديه إيلي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية