الجزائر ـ “القدس العربي”:
دشّنت الجزائر عهدا جديدا من علاقاتها مع سوريا، في ظل القيادة الجديدة في دمشق التي أعقبت الإطاحة بنظام بشار الأسد. وجاء ترسيم هذه العلاقات، خلال زيارة وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف الذي التقى بالرئيس السوري أحمد الشرع، مسلّما إياه رسالة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
بصفته مبعوثا للرئيس الجزائري، التقى عطاف، وفق ما ذكره بيان الخارجية الجزائرية، السبت “رئيس الجمهورية العربية السورية خلال المرحلة الانتقالية، السيد أحمد حسين الشرع”. وبهذه المناسبة، “سلّم وزير الخارجية إلى الرئيس السوري رسالة خطية موجهة إليه من قبل الرئيس عبد المجيد تبون كما نقل له تحياته الأخوية وجدد له تهانيه وتمنياته له بالتوفيق والسداد في تحمل مهامه السامية خلال هذه المرحلة المفصلية من تاريخ سوريا الشقيقة”.
وقد شكل اللقاء – وفق المصدر ذاته – “فرصة لبحث آفاق تعزيز علاقات الأخوة والتضامن والتعاون بين البلدين والشعبين الشقيقين، استنادا إلى ما يجمعهما من روابط تاريخية متجذرة”. كما ناقش الطرفان “مستجدات الأوضاع على الصعيدين الوطني والإقليمي، حيث أكد وزير الدولة استعداد الجزائر للإسهام سواء على الصعيد الثنائي أو من موقعها بصفتها العضو العربي بمجلس الأمن الأممي، في دعم ومرافقة المساعي الرامية للم شمل الشعب السوري حول مشروع وطني جامع يعيد بناء مؤسسات الدولة ويوفر مقومات الأمن والاستقرار والتنمية والرخاء”، وفق ما جاء في البيان.
وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده مع نظيره السوري أسعد حسن الشيباني، جدد عطاف، استعداد الجزائر “الكامل” للوقوف إلى جانب سوريا في هذه المرحلة الدقيقة والمفصلية من تاريخها”. وأضاف قائلا : “جئت كمبعوث خاص لرئيس الجمهورية محملا بمهام ثلاث، تتمثل الأولى في الاعراب باسم رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، عن استعداد الجزائر الكامل للوقوف إلى جانب الأشقاء في سوريا في هذه المرحلة الدقيقة و المفصلية من تاريخها لمد يد العون الكاملة في أي ميدان يرونه فيها مفيدا لتمكين الشعب السوري الشقيق من كسب الرهانات، رفع التحديات وتحقيق التطلعات المشروعة التي يرسمها لهذا البلد الشقيق في المستقبل”.
فالجزائر، وفق عطاف، “مستعدة لتطوير تعاونها الثنائي مع الشقيقة سوريا ولا سيما في ميادين الطاقة والتعاون التجاري والاستثمار والتعمير وكل الميادين التي يمكن أن تكون لبنة من لبنات بناء صرح التعاون الجزائري-السوري”. والمهمة الثانية، حسب وزير الخارجية، تتعلق في كون الجزائر عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي، مؤكدا أن رئيس الجمهورية كلفه ب”الإدلاء عن حرصه الشديد لوضع الجزائر بصفتها عضو عربي في مجلس الأمن في خدمة تطلعات سوريا في انجاح المرحلة الانتقالية وفي انجاح اعادة البناء المؤسساتي، الدستوري والقانوني لسوريا الجديدة”. أما المهمة الثالثة، فتتمثل في “التنسيق فيما بيننا فيما يخص الاستحقاقات العربية القادمة”، حسب عطاف الذي أكد تناول المحادثات لتحضيرات القمم العربية.
وفي الختام، شدد الوزير “على عنصر هام، ألا وهو الإرادة الكاملة للجزائر للتنسيق المنتظم و الدائم مع الشقيقة سوريا في كل ما يتعلق بمستقبل علاقاتنا الثنائية، سواء على الصعيد الثنائي المحض أو المستوى العربي والدولي، فلسوريا و للشعب السوري الشقيق في الجزائر -كما قال- دعم الأخ الوفي، الملتزم، الأخ الذي يرى في نجاح سوريا نجاحه الخاص”.
وتأتي هذه الزيارة التي كانت منتظرة، لتزيل الكثير من اللبس حول الموقف الجزائري، خاصة أن المصطلحات التي استعملت في حديث وزير الخارجية وبيانات الوزارة، تشير إلى اعتراف كامل للجزائر بالسلطة السورية الجديدة، والشروع في مساعدتها وطنيا ودوليا، وهو جانب عملي يؤكد نوايا السلطات الجزائرية اتجاه القيادة الجديدة.
وفي أعقاب الإطاحة بنظام بشار الأسد، بدا الموقف الجزائري، متوجسا من الوضع في سوريا، وهو ما عكسته تصريحات مثل الدعوة “إشراف أممي على الحوار بين الفرقاء السوريين في ظل حرمة ووحدة التراب السوري”، و”الحديث عن مبدأ الاعتراف بالدول وليس الحكومات”. وانطلقت المقاربة الجزائرية في ذلك الوقت، من مخاوف من انزلاق الوضع، وهو ما كان عطاف قد عبر عنه بالقول: “من السابق لأوانه الجزم بأي تحليل أو التنبؤ بتطور الأوضاع في سوريا، فالجميع في حالة ترقب من يتصل أو من لم يتصل بالسلطات الجديدة في سوريا”. وأضاف أن “هناك تخوفات ليس فقط من تحويل العتاد من أماكن لأخرى والبحث عن قواعد جديدة، لكن تخوفات من نقل العناصر الإرهابية التي كانت في سوريا إلى بلدان أخرى”.
وقوبل هذا الموقف بالكثير من الانتقادات، خاصة فيما يتعلق بمسألة الإشراف الأممي، حيث رأى البعض أن هذه الدعوة لم تراع الواقع الجديد في سوريا وبقيت رهينة تصورات قديمة عن الوضع في دمشق، في وقت يريد السوريون أنفسهم الابتعاد عن هذه الاطر الأممية التي لم تنجح خلال فترة الأسد في إيقاف الأزمة. خارج ذلك، كان عطاف قد حدّد منطلقات للموقف الجزائري تبدو الجزائر متمسكة بها في التعاطي مع الشأن السوري في كل الظروف، أبرزها أن سوريا تتسع للجميع ويشترك في صنع مستقبلها جميع السوريين”، والتأكيد على “الحرمة الترابية لسوريا ووحدة أراضيها”.
وتلي زيارة عطاف، تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون الذي تحدث لأول مرة في حوار مع جريدة “لوبينيون” الفرنسية عن محاولات جزائرية لدفع بشار الأسد للحوار مع المعارضة، دون أن تلقى اي صدى من النظام السوري الساقط. وقال تبون إنه كان على تواصل مع الرئيس السوري السابق مع التمسك بموقف الجزائر الرافض للمجازر ضد شعبه. وتحدث عن محاولات وساطة في هذا الشأن، قائلا “قبل سقوطه، أرسلت له مبعوثاً خاصاً وعرضت الجزائر أن تكون وسيطاً للحوار بينه وبين المعارضة بموافقة الأمم المتحدة. لكن المبادرة لم تنجح والبقية نعرفها جميعاً”.
زيارة لبنان
ومن سوريا، انتقل عطاف إلى لبنان التي التقى فيها بالرئيس الجديد جوزيف عون، مؤكدا أن الجزائر ستظل واقفة بثبات إلى جانب لبنان في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه.
وذكر الوزير في تصريح صحفي عقب استقباله، من قبل رئيس الجمهورية اللبنانية، أن لبنان في مرحلة دقيقة من تاريخه وهي مرحلة تقوية مؤسساته ومرحلة إنعاش اقتصاده ومرحلة استتباب الأمن فيه، مبرزا أنه في كل هذه المراحل “لا يسع الجزائر إلا أن تكون واقفة بثبات إلى جانب لبنان”. وأشار عطاف إلى أنه سلم إلى الرئيس اللبناني رسالة خطية موجهة إليه من قبل رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، مؤكدا أنه تناول مع الرئيس اللبناني مسألة العلاقات الثنائية واستقر الرأي، حسبه على ضرورة إعادة تحريكها وإعطائها حركية جديدة ومضمون أوسع.
وذكر بيان للخارجية الجزائرية أنه “في إطار الزيارة الرسمية التي يقوم بها بصفته مبعوثا خاصا لرئيس الجمهورية، استُقبل وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، صبيحة اليوم (الأحد) ببيروت، من قبل رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون”.
وشهد اللقاء، حسب الخارجية الجزائرية “استعراض واقع علاقات الأخوة والتضامن والتعاون بين البلدين الشقيقين وآفاق الارتقاء بها إلى أسمى المصاف المتاحة، لاسيما في الميادين الاقتصادية”.
وأضاف البيان: “فضلا عن تأكيد استعداد الجزائر لمواصلة الدفاع عن لبنان من موقعها بصفتها العضو العربي بمجلس الأمن الأممي”.
كما بحث الطرفان تطورات الأوضاع على الصعيد الإقليمي، وبالخصوص مستجدات القضية الفلسطينية، وأكدا على مواصلة التنسيق البيني في إطار التحضير للاستحقاقات العربية المقبلة، وفق البيان.
وأكد عطاف تضامن ودعم بلاده “المطلق” للبنان في مساعيه الرامية إلى “تدشين عهد جديد قوامه استكمال البناء المؤسساتي وإرساء أسس السلم والأمن والتنمية الاقتصادية”، وفق البيان.
والصيف الماضي، قدمت الجزائر مساعدة إلى لبنان عبر إرسال ناقلة محملة بـ 30 ألف طن من الوقود، لإعادة تشغيل محطات توليد التيار الكهرباء في البلد العربي الذي مر بأزمة غير مسبوقة حينها.