كثيراً ما تشبه المدن.. النساء.. فتنة المدن ومتاهاتها.. أسرارها البعيدة، ذاكرتها الغنية المفعمة بالعشاق والحكايات والفرسان.. قلب المدينة الكبير.. أحزانه وأفراحه.. رغباته الدفينة ورسائله الزرقاء.. بيروت وبغداد.. أجمل نساء الشرق، بكل غموضه وتناقضاته وانفعالاته التي تجافي حماقات المنطق التكتيكي وحسابات الغرف المقفلة.. والمصالح العابرة.. ومشاريع الأمم والدول الكبري القائمة علي احتمالات البورصة وأسعار الذهب والنفط والدولار.. بيروت وبغداد.. وتاريخ من ألق الكون.. ومجده.
أينما وليت وجهك، وعبر أزمان لا تنتهي، تمثل هاتان العاصمتان بحكمة شهرزاد وسحر ألف ليلة وليلة.. لزمن قريب كنا نري في بيروت عاصمة للكون.. بكل انفتاحها علي حضارات العالم.. وعلي شواطئها تستقبل المراكب البعيدة الآتية لتلمس هذه (الخلطة) العجائبية من رائحة جبال الأرز والصنوبر العتيق والزعتر البري.. ورائحة الشعر والتنوع وحرية التمدد علي رمل شواطئها.. لزمن قريب كانت بيروت امرأة فاتنة.. جمعت بين أصالة العروبة وحداثة الثقافات علي ايقاعات أجنحة طائر الفينيق الممتدة علي شواطئ صيدا وصور.. وصولاً الي بنت جبيل وأوغاريت.. وباقي مدن الساحل السوري.. ولزمن قريب كانت بغداد تحاكي القارات الخمس.. بأساطيرها الموغلة في عمق التاريخ.. منذ ما قبل حمورابي وسندبادها البحري مروراً بحدائق بابل العظيمة.. وعاصمة الشعر والخلافة.. وصولاً الي عيون بلقيس.. لزمن قريب كانت بغداد بوابة العروبة وحامية أسرارها.. تحلق مثل (العقاب) في سماء العرب.. بغداد الثقل الاقليمي.. المال والرجال.. النفط والحلم العربي بمجد يليق بأمة قطنت أكثر بقاع الكون ثراءً وتعاقب حضارات وتواريخ.. بيروت وبغداد.. اليوم مثل كل النساء الثكالي.. يمتلئ قلباهما بجراح هزيمة.. وجراح تفرقة ورعب.. وتعيث غربان الخراب في فضاء كل منهما.. بيروت وبغداد ترتديان ثياب الحداد.. وتتهيئان لأحزان كثيرة.. جلبها الطغاة والغلاة والغزاة.. والعرب.. كل العرب.. ليسوا أكثر من جوقة من المعزين يتباكون علي ايقاعات محمود درويش، (سبايا نحن في هذا الزمن الرخو)! فخر الدين فياض كاتب وصحافي سوري6