(بيروسترويكا ) الثورة العربية المعاصرة

حجم الخط
0

مروان العياصرة ابتداء مفهوم (بيروسترويكا الثورة) ليست قراءة مسقطية للثورات العربية، وليس حكم قيمة مسبق وعاجل، ولعل هذا من قبيل اللغة المحاذرة التي فرضتها الثورات العربية في سياق الخطابات السياسية أو الفكرية، كي لا يأخذنا الاستغراق اللغوي إلى تخوم غير واقعية أو مفرغة من محتواها العملي، فالثورات التي جاءت أساسا انتقاما من تكلس الخطاب النظري تحت صيغ مستعادة ومكررة منذ نهايات المعسكر الاشتراكي، والخروج من منطقة التأثر بالثورتين الفرنسية والأمريكية، وإلى اليوم، حيث اشتق الخطاب السياسي معجمه اللغوي من معاني نظرية من نوع الإصلاح والتحديث والحداثة والتنميات الشاملة، وكلها صيغ مدورة بفعل تأثير الخطاب المتكلس، فحين جاءت هذه الثورات في هذا الربيع العربي، انتقاما لهذا، بدت الأمور أصعب بكثير مما نظن، وليس توهما أن نظن في الثورات العربية الراهنة شيئا ما يدعو للقلق على المصير، حين نعرف أنه كان يجب لأي ثورة من نظرية، والأمر هنا مختلف بين (النظرية والخطاب النظري)، لأن كلمة خطاب نظري قد يبدو مضللاً، وقد تبدو أيضا النظرية المجردة أقرب إلى معنى من معاني الميتافيزيقيا.

للجدل النظري بين المنهجية النظرية للثورات العربية واللامنهجية، ما يوازيه من جدل فلسفي بين ماركس وفويرباخ، حيث ماركس يقدم نموذجه النظري على أساس أن الإنسان فاعلية قادرة على تخليق ظروفها وبيئاتها وتجديدها، بينما يذهب قويرباخ إلى أن الإنسان مجرد كائنا متلقي للشعور والإحساس بالمحيط البيئي الفاعل، وليس لهذا الكائن سوى أن يقدم الاستجابات الشعورية فحسب، فإذا سلمنا بأن الإنسان العربي المعاصر في ثورته المعاصرة يخلق مجاله العام بفاعلية خلاقة، وعقلانية واعية فإنه الأساس الذي يجب أن ينبني عليه هذا الفعل هو وجود نظرية ثورية تشكلت أو أنها تتشكل من المعطيات والسيرورات الناشئة، وفي هذه الحالة تكون ما توافرت عليه الثورة العربية من مقدمات تاريخية من (انهيار لمنظومة القيم) السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، قد عبرت بالعربي إلى أول مداخل الثورة، فالاستبداد والتسلط والفقر وجشع رأس المال واحتكاراته والبطالة والأمراض وفشل التنميات وخيبات الرفاه العربي في ظل وجود مقومات مادية مذهلة، وهامشية القيم والمبادئ والأخلاق على متن المصالح الفردية أو الطبقية، كل هذا الانهيار شكل مقدمات نظرية لـ (نظرية الثورة)، وفي هذا السياق ما يفسر بعض نواتج الحراكات الثورية العربية في الطريق لتشكيل نظرية ثورية عربية معاصرة، من حيث صعود الفكرة الإسلامية على سبيل المثال، الذين حملوا عبء مشروع إعادة بناء منظومة القيم الأخلاقية، والسياسية والاقتصادية – على الترتيب وقدمت نظالات اجتماعية تحصد ثمارها الآن، ولعل هذا ما يميزها عن باقي الأفكار السياسية والحزبية، ولا نختلف على من يحصد نواتج الحراكات الثورية، بقد ما نختلف على (بيروستوريكا الثورة) في بناء نظام سياسي واجتماعي واقتصادي، مختلف عما انتجه المناخ السياسي العربي السابق.

الحراكات الثورية العربية المعاصرة، تستطيع أن تؤسس لمنهجية نظرية ثورية حديثة، فيما لو اشتبكت فيما بينها من مقدمات وقيم وأفكار ونتائج، تمتاز بإعادة البناء والاستمرارية والتجدد، وفقا لكل الظروف والسيرورات، ولا أقدم من خلال هذا المعنى المتعجل قيمة أكبر من حجم الواقع، بحيث لا يستوعبه، بل أقدم إجابة غير مباشرة لأسئلة كثيرة تزدحم في عقل الإنسان العربي المعاصر، من أول سؤال كيف حدث هذا.. ؟ وحتى ما بعد سؤال: إلى أين.. ؟.

ندرك تماماً أن الثورات لا تحدث بالصدفة، والزعم القائل بأن الثورة في تونس ابتدأت فقط من لحظة حرق (البوعزيزي) لجسده، هو زعم أخرق، والركون لقول أحد منظري وخطباء الثورة اليمنية حين التقيته على هامش زيارة قصيرة له للبحرين، بأن الثورة اليمينية كان يعد لها منذ العام 2006، هو ركون فيه مجازفة، فبين ذاك الزعم الأخرق، وهذا الركون المجازف، تذوب كل الإشارات لتحديد مسارات الثورة العربية، لكن بالعودة فقط إلى البنى الاقتصادية والسياسية العربية نجد أن بين كل هذا العمران والمدنيات العربية ثمة نسج مدهش لعشوائيات ليست فقط على مساحة الجغارفيا الضيقة، وإنما على مساحة الفكر والثقافة المتروكة، ولا أقصد هنا الفكر السياسي ولا الثقافات الحزبية فحسب، بل أقصد ثقافة الناس البسطاء الذين هم مادة أية ثورة وأداتها، فإذا لم يكن للعرب منذ زمن مشروع ثوري ناضج ومكتمل، فإن بيئاتهم وظروفهم توافرت على المقدمات النظرية للمشروع الثوري التي كانت تنضج على نار السياسات الاستبدادية والنظام الاقتصادي العقيم والمنظومة الاجتماعية المهترئة والقيم الاخلاقية السلبية المتفشية، والأدوات (الشعبية والحزبية والأيديولوجيات) وإن كانت مقيدة إلا أنها شكلت فرضية تحريك سواكن المجتمع العربي فبدأ حراكه الثوري، مدركا أنه وصل لنقطة اللاعودة للوراء، تماما مثل ما أعلن السوريون، والليبيون في بدايات حراكاتهم الثورية، هذه النقطة العمياء بالنسبة للأنظمة العربية ربما نستطيع الزعم أنها منها انطلقت ساعة الصفر للمشروع الثوري العربي المعاصر.

أخيرا، وحتى لا يقع المعنى فريسة الإسهاب والإطالة على الحجم الصحفي المتاح لمقالة، فإن مقدمات المشروع الثوري العربي تستطيع حتما أن توصل إلى نتائج نظرية ثورية عربية قابلة لإعادة البناء والتجدد كلما استدعى المناخ السياسي العربي القادم ذلك، الأمر الذي يخلق فرصة أمام الشعوب العربية من خلال هيئاتها وتنسيقياتها ومجالسها الانتقالية للالتقاء على رؤية واحدة ومكملة للنظرية الثورية العربية المعاصرة، بما تعنيه من كونها منظومة القيم والمبادئ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية الجديدة التي تقوم على أنقاض ما انهار، ومهما كانت صيغة النظام السياسي القادم فإنه حتما سيأخذ بعين الاعتبار قدرة الشعوب على إعادة بناء ثورتها المتجددة.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية