بير الملح

حجم الخط
0

نزار اللحيانيجاوزت الثانية والأربعين منذ أيام، وهذا أنا بصحبة زوجتي وابنتنا وقد وثقنا أحزمتنا في الطائرة أرباص 310 قاصدين باريس. تحركت الطائرة نحو مدرج الإقلاع. التف العمال على الأرض بمعاطف بلاستيكية صفراء وقاية من الأمطار التي تدفقت بغزارة غير معتادة وسببت لنا قرابة ساعة من التأخير. أقلعت الطائرة وتعلقت في الفضاء فنظرت من الفتحة البلورية السميكة. سحابة كثيفة تحيط بنا وتمنع عنا رؤية ربوع تونس وبحرها. أمعنت النظر محاولا اختراق الطبقات الرمادية المتتالية ولكن بدون جدوى.التفت إلى زوجتي وقد أغمضت عينيها واستسلمت للنوم على المقعد. بان لي عليها ارتباك طفيف، ولم أستغرب هذا، فلها اليوم في نانسي موعد انتظرته من سنين أكاد أرتبك أنا بنفسي لمجرد التفكير فيه رغم أنه لا يهمني إلا بدرجة ثانوية وبالأحرى من خلال علاقتي بها. حولت النظر إلى ابنتي عائشة وهي زهرة يانعة في السادسة من عمرها. عساها أن تظل بعيدة عما يشغلنا في سفرتنا، فأمرنا اليوم ليس من المعهود، يصعب شرحه لمن في سنها، وما زالت الأيام أمامها وسيتسنّى لها بإذن الله معرفة كل شيء لمّا يشتد عودها وتتهيأ نفسيتها لتقبل أعباء الحياة وأثقالها. فآه من هاته الحياة التي يزيد تشبثنا بها كلما زادتنا قسوة وألما، ولقد جنيت على عائشة كما جنى علي من قبل والدي وتلك سنة الله في أرضه.سنترك عائشة بباريس عند أصدقاء لنا ثم نركب فورا إلى نانسي. يُقلع القطار على الساعة السادسة من محطة أرتال باريس الشرقية. مع التأخير ستصل الطائرة على الساعة الثالثة بإذن الله. تبقى لنا ثلاث ساعات للخروج من المطار ثم إيداع عائشة عند أصدقائنا ثم التنقل إلى المحطة لاستقلال القطار، وهو وقت جد كافي. كافي ؟ طبعا إذا لم يحصل أي تعطيل. فالتعطيل وارد دائما وتعودنا عليه، فقد تكون فئة من عمال المطار في إضراب عن العمل، وقد تشط شرطة الحدود من التثبت في الإشارات والهويات، وبعضهم يتصرف أحيانا وكأن كل عربي مسلم إرهابي في العشب، ولتسامحوني عن العبارة المترجمة عن الفرنسية، أو كذلك قد تصادفنا لسوء الحظ حقيبة مجهولة الهوية تترامى بأحد أطراف المطار وإذاك يتم على الفور تنفيذ العملية الوقائية المعهودة، فتقف كل حركة ويتم إجلاء المطار من البشر والجن والحيوان ثم يقدِم الأعوان الخاصين وقد انتفخوا بخوذاتهم وملابسهم الواقية وبانوا كرواد فضاء يمشون الهوينى إلى الحقيبة المشتبهة ثم يزينوها بالمفجرات ثم يعودون أدراجهم إلى الوراء ثم ‘بوم بوم بوم’ حتى تخرج أحشاؤها وتبوح بسرها ويستبان ككل مرة أنه لا خطر فيها وهنا يظهر صاحبها يجر قدميه ويندب حظه ويحلف ويؤكد أن إهمال حقيبته نتج عن سوء تفاهم بينه وبين زوجته فيحملونه للتحقيق وقد يكلفونه مصاريف العملية كلها من تعبئة ومفجرات وخسائر شركات الطيران نتيجة ساعات طويلة من التأخير وسخط الآلاف من المسافرين. إن حصل شيء من هذا لا قدر الله فبإمكاننا الالتحاق بقطار العاشرة مساء مما يجعلنا نصل نانسي في الواحدة ليلا، وهذا غير مستحسن، حيث من نانسي تنتظرنا ساعة أخرى بالسيارة للوصول لغايتنا.خفضت متكأ المقعد إلى آخر حد وأسندت رأسي باحثا عن شيء من النوم. من خلال شق رفيع بين أهدابي رأيت عائشة تقرأ كتيبا صغيرا وقد ضببت صورتها سحابة كونها أمام عيني تقاطع شعيرات أشفاري. ورائي ثلاثة فرنسيين بغال مغرملين ممتلئي الأحناك قليلي الشعر بان لي من حديثهم أنهم من موظفي البنك الفرنسي الشهير الأرنكبانك. قال أحدهم انه لا مصير للأرنكبانك في تونس وان اقتناء الفرع منذ سنوات كان خطأ فادحا، فيما أمعن الثاني في نقص الكفاءات في الفرع التونسي، وفي تقاعس العمال والتفافهم حول النقابات، أما الثالث فقد ذهب إلى تصوير المدير العام بألفاظ لا يليق لي نقلها، ويبدو برأيه وهو من مسؤوليته لوحده أن هذا المدير لا يصلح إلا لما له من علاقات مع كبار موظفي الدولة والقصر وعصارة الرأسماليين الذين يدورون في فلكهم، وربما العكس هو الأصح، وقد امتزجت دماء هؤلاء وأولئك بفنون المصاهرة والتهجين والانتقاء الجيني وتم التحامهم بعهود الإخلاص والوفاء والمساهمات المالية المتقاطعة وخدمة الشعب بعد خدمة مصالحهم، فلا يجود قلم بحبره في هاته البلاد إلا إذا وافق هؤلاء، أما إن أعرضوا فإن الجفاف يضرب الأقلام وتتعطل الإمضاءات والمصالح وتشح السماء بمائها وتقف الوديان في مجاريها حتى يرضى أصحاب الذكر هؤلاء عليها. وما يكون هذا المدير إلا بيدقا بأياديهم، يقضون به حاجاتهم ويكافئونه على وطنيته وحسن ولائه، وإن اعترضهم أو جادلهم فسيلقونه كالمنديل المستعمل القديم. أضاف صاحب المقعد المحاذي للرواق أن ضعف الجرايات لا يشجع على العمل ولا على استقطاب الكفاءات، وكأنه يبحث عن شيء من الاستعطاف تجاه موظفي البنك، فأجابه صديقه في المقعد الأوسط، وقد بدا من نبرات صوته الصارمة أنه مدير من مركز كبير وله تقدم في المسؤولية على زميليه، أن جراية المدير العام للفرع التونسي خيالية وتفوق رقم جرايته هو بنفسه باليورو عدا ما يتمتع به هذا المدير من إعانات عينية ومن جرايات إضافية لمساهماته في المجالس الإدارية للفروع وذلك رغم ما بينهما من فاصل في الخبرة والكفاءات ورغم غلاء المعيشة وإشطاط الضرائب في فرنسا، ثم أضاف بصوت غلب عليه الحقد والإزدراء أنه ليس على هذا المدير إلا تفريق جرايته على عماله لحثهم على العمل، وسكت كما بدأ كلامه بحزم، ولم يرد عليه أحد. ولتصفية الجو والتخفيض من الضغط الذي سببته ملاحظته بدأ صاحب مقعد الرواق في وصف الكسكسي الذي أكله في مطعم ‘دار التمخميخ’ الشهير الذي يقع على بعد أمتار من الوزارات الكبرى، وقال انه تمتع به وبالمفتحات والحلويات والفواكه أكبر استمتاع ولو أنه وجد أن الخمر الوردي كان متوسط الجودة وأن الثمن كان باهظا جدا، حيث أن عشاءه مع عائلته وزملاء لهم قدموا خصيصا من باريس تكلف بما يزيد عن جراية شهرية لمدير مركزي في البنك، ولكن لحسن حظه لم يكن ذلك على حسابه وإنما على حساب البنك كما جرت العادة كل يوم. وتطرقوا إلى مواضيع أخرى شتى وتحدثوا وثرثروا فوق المتوسط وأطلقوا قهقهات طويلة وركيكة حملتهم من قسوة الجد إلى رأفة الهزل المتصنع. وكدت أن أتدخل لإيقافهم عند حدهم والدفاع عن الكفاءات التونسية التي قدرها وصفَّق لها العالم كله وعن العامل التونسي الذي خدم البلاد بجده وعرقه رغم كل الظروف الصعبة التي مرّ بها ورغم استكراش العديد من كد يديه، لولا أنني كنت قد استرخيت على مقعدي وبدأ النعاس يغلبني ولم أر في الحين أن الرد على هؤلاء الأوباش، أصحاب البطون التي لا تمتلئ، صناع الفقر والجوع والتخلف والحروب وتدهور البيئة وحاملي البشرية إلى الهاوية، يستحق أن أكلف نفسي في هاته اللحظة بالذات عناء الحركة والنطق. وهكذا، وقد أضحى هراء الفرنسيين رموزا صوتية مفصلة متتالية متضاربة خافتة تارة وعالية تارة أخرى، ولم تعد نيروناتي تقوى على البحث عن وصلها وتقسيمها وإدراك معانيها، هكذا في هذا الهدير المتواصل المتواتر ألقيت نظرة إلى زوجتي وقد أحبطها النوم العميق وعادت بي الذاكرة عفويا ودون أي إرادة مني ثلاثين سنة إلى الوراء. تكاد تكون يوما بيوم.هذه بير الملح خريف سنة 1978. صورة واضحة لم تخدشها السنون. وكيف لي أن أنسى ما ساد يومها من حيرة وغموض لمدة أشهر. وكيف لنفسي أن تستقر وتهدأ لذكرى أحداثٍ هي نقطة انطلاق لمسار طويل تخللته منارات متواصلة أضاءت حياتي وكونت تاريخي وذاتي. فلأول مرة تكتب الصحف عن بير الملح ثلاثة أعمدة كاملة احتفظ بنسخ منها. لأول مرة من سنين يزورها أهل الذكر من المسؤولين ذوي ربطة العنق ومن أعوان الحرس الوطني البسلاء. لأول مرة تبرز بير الملح للوجود وتخرج من سباتها إلى الأضواء، فهل من شك أن ما حدث هو أمر عظيم؟ أمر يستوجب كل هذا الإهتمام؟ وكنت قد تابعت ككل أطفال القرية ما يجري بشغف. زادت حيرتي وزاد سؤالي يوما بعد يوم. أردت بكل طاقتي أن أسلك طريقا إلى الحقيقة، إن كان ثمة لحقيقة غير الله سبيل، عشت أياما طوالا وليالي ساهدا لا يسكن ذهني إلا التفكير فيما حدث، وتقليبه طولا وعرضا، وتفصيله وتركيبه من جديد، وتخيل قصص شتى تندمج فيها هذه الأحداث، وتصورها كحلقة في مسلسل أكبر. ثم، ولا أدري إن كان لحسن حظي أو لسوئه، جاءتني صفعة من أبي تذكرني بموقعي وتحبس فضولي في منبت أنفاسي عشرين سنة أو أكثر.*كاتب تونسيqad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية