في بداية فترة أزمة كورونا كان لوزير الدفاع في حينه، نفتالي بينيت، فكرة لامعة. بذل “الشاباك” في حينه جهوداً كبيرة لإعفاء نفسه من المهمة المشكوك فيها التي ألقتها الحكومة عليه، وهي استخدام منظومة التعقب الدقيقة؛ لمتابعة تنقل الهواتف الذكية (التي تسمى أيضاً “الأداة”) لمعرفة الاتصالات بين المصابين بكورونا والأشخاص الذين كان يمكن أن يصابوا بالعدوى منهم. رئيس “الشاباك” السابق، نداف ارغمان، كان يكره بشدة توجيه جهود المنظمة نحو مهمات غير أمنية بشكل صارخ، لكن بينيت اعتقد أنه وجد البديل. اقترحت شركة السايبر الهجومية NSO على الوزير في حينه (رئيس الحكومة الآن) بأنها ستتولى هذا المشروع الضخم بنفسها.
لحسن الحظ أن كان هناك من أوقفوا هذه الفكرة. ارغمان، رجل منظومات الظلام، ظهر في هذه القضية كديمقراطي متنور أكثر من معظم المسؤولين عنه. ومثل بينيت أيضاً، رأت الوزيرة اييلت شكيد في رجال الشركة أشخاصاً جيدين بالإجمال. وقد كانت لها حتى صديقة شخصية في قمة إدارة الشركة.
سياسيون آخرون، على رأسهم رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، وجدوا للشركة استخداماً أكثر فاعلية بكثير. تم في السنوات الأخيرة إطلاق هجوم شامل لدبلوماسية السايبر الإسرائيلي. في الأماكن التي فيها نتنياهو وجماعة المخابرات شقوا لإسرائيل ساحات جديدة ووجدوا أصدقاء جدداً، على الأغلب في أنظمة ديكتاتورية، جاءت NSO كزيادة. برنامج التجسس المتطور لديها، بيغاسوس، وجد طريقه إلى أيدي الأصدقاء، الذين سارع عدد منهم إلى استخدامه بصورة مناقضة لهدفه المعلن. وقد تم استخدام هذا البرنامج بدرجة لا تقل عن استخدامه ضد الإرهابيين والمولعين بالأطفال كما وعد، بل تبين أنه استخدم من أجل التجسس على الصحافيين ونشطاء حقوق الإنسان ومعارضي النظام في عدد من الدول، من أوروبا الشرقية، مروراً بالخليج الفارسي، وانتهاء بدول العالم الثالث.
عندما تم استخدام “أداة” “الشاباك” من أجل تتبعات كورونا كان كثيرون، من بينهم سلسلة مقالات في هذه الصحيفة، قد حذروا من المنزلق الزلق. بعد أن أعطيت مصادقة للمخابرات على تشغيل تكنولوجيا يمكنها معرفة أماكن ملايين الأشخاص في كل لحظة معطاة، أصبحت الطريق قصيرة جداً لاستخدام هذه الأساليب لتتبع أشخاص لمجرد أنهم “لا يروقون” للسلطة. يجب أن نذكر عن أي فترة نتحدث: بقي نتنياهو رئيساً للحكومة بفضل مناورة نتنة، عندما شق “أزرق أبيض” وضم إليه بني غانتس وغابي أشكنازي، خلافاً لوعودهم للناخب. حظرت قيود كورونا على المواطنين الابتعاد أكثر من مئة متر عن البيت، وبدأت حركة الاحتجاج التي طالبت بإقالة نتنياهو بالتوسع. خطر تحول التكنولوجيا إلى متابعة لمنظمات الاحتجاج ضد سياسة الإغلاق أو ضد شرعية الحكومة، ظهر ملموساً.
يتبين الآن أن هذا الخوف تحقق بطريقة غير مباشرة وليس عن طريق “الشاباك”، وهذه الأمور كشفت صباح أمس في تحقيق صادم نشره الصحافي تومار غانون في صحيفة “كلكليست”. حسب غانون، الذي ظهر كمن يستند إلى معلومات واسعة وعلى تقاطعات كثيرة في المعلومات، فقد استخدمت الشرطة برنامج بيغاسوس التابع لشركة NSO من أجل اختراق هواتف رؤساء بلديات ومقرب من سياسي كبير وحتى زعماء احتجاج “الأعلام السوداء”، الذي دعا إلى استقالة نتنياهو. أي أن الشرطة بذريعة بسيطة، وهي الحفاظ على النظام العام، تعقبت خصوماً سياسييناً لرئيس الحكومة السابق وكشف برامج احتجاجهم.
هذا النشر كشف ما ظهر مثل كسوف للشمس، استمر لفترة. وإن رد وزير الأمن الداخلي عومر بارليف، وصمت وزير العدل جدعون ساعر، لا يعكسان استيعاب خطورة الموضوع. الأمر يقتضي تحقيقاً معمقاً وجذرياً، وليس أقوال تهدئة عامة. وحسب غانون، كشفت الشرطة أن اختراق السايبر للهواتف المحمولة مفيد أكثر بالنسبة لها. بدلاً من تركيب أجهزة تنصت لعدد محدود ومتابعة المكالمات من الآن فصاعداً، بدأت بنشر شبكة صيد أوسع بواسطة اختراق الجهاز ومراقبة حركته، بصورة تمكن من استخراج معلومات دون قيود.
هناك فرق آخر جوهري. فحسب التحقيق، تم استخدام بيغاسوس بدون مصادقة وإشراف قاض، كما تقتضي المصادقة على التنصت. تدعي “كلكليست” أن كان هناك تدخل من قبل النيابة العامة في التعقبات الاختراقية، لكنها كما سبق وأثبت، أقل حساسية من المحاكم لحقوق المشبوهين (وأعضاء الاحتجاج لم يرتكبوا أي أمر جنائي في جوهره). كل ذلك تم إخفاؤه عن الأهداف التي تم تعقبها، بما في ذلك المتهمون ومحاميهم. الشرطة تنفي منذ الصباح بشدة تفاصيل كثيرة في التحقيق، وعلى رأسها الادعاء بأنها عملت بدون مصادقة قضاة. مع ذلك، ظهر النهج الجامح للشرطة أيضاً في تحقيقات أخرى مثل السهولة التي لا تطاق والتي نقبت فيها الشرطة في هواتف مستشاري نتنياهو.
في الفحص الذي أجرته الشرطة اليوم، بتوجيه من بارليف، تم الادعاء بأنه تم العثور على 7 من الـ 9 حالات التي نشرت عنها الصحيفة، وأن التفاصيل مختلفة عما وصف في التحقيق. حسب ادعاء الشرطة، فإنه لم يتم على الإطلاق القيام بتعقبات سايبر في عدد من هذه الحالات، وهي محدودة في حالات أخرى، وتم إعطاء مصادقة على التعقبات بصورة مسبقة من قبل قاض كما يقتضي القانون. يميل بارليف إلى تصديق الفحص الذي أجرته الشرطة، لكنه سيطلب المزيد من التفاصيل. وإذا ثبت عكس ذلك، لا سمح الله، فإن حاشيته تعتقد أن هذا قد يظهر مثل بداية قضية خط 300 للشرطة. كما سيتم فحص اتجاه آخر، وهو السماح بتعقب مكان مشبوهين باستخدام البرنامج، أو شخص ما بصورة موسعة بدون تصريح.
على خلفية الكشوفات المتراكمة بشأن استخدام “بيغاسوس” من قبل أنظمة ظلامية، فإن NSO تعتبر الآن نوعاً من العلامات التجارية السامة. من غير الواضح إذا كانت الشركة ستجتاز هذه الأزمة، التي بالتأكيد يشجع الكثير من موظفيها فحص احتمالات تشغيل أخرى. ولكن تحقيق غونين يؤكد بالأساس شبهة أخرى. شركة السايبر الهجومية جزء لا يتجزأ من المنظومة الإسرائيلية. استخدمتها الدولة في علاقاتها الخارجية؛ وسلطات القانون وجهاز الأمن استعانت بها لغاياتها، وكل ذلك تم تحت حد أدنى من الرقابة القانونية.
للمفارقة، قد يكون ما نشرته “كلكليست” يساعد الشركة بصورة غير مباشرة. وNSO، التي تنفي كالعادة أي معلومات من جانبها في ردها على الصحيفة حول طبيعة استخدام منتجاتها، لديها بالتأكيد الكثير من المعلومات حول الأساليب المستخدمة، ليس من قبل الشرطة فحسب، لكن أيضاً من قبل قوات الأمن الأخرى، على الاستعانة ببرامجها. إذا انهارت أخيراً تحت ضغط العقوبات والتحقيقات التي تقوم بها الولايات المتحدة ودول أخرى، فستكون لذلك تداعيات حتى على جهات حكومية في إسرائيل وعلى مكانة الدولة العالمية. يتوقع حدوث معركة من أجل المجد، ستؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 19/1/2022