بيغ بانغ الشرق الأوسط

حجم الخط
0

رياض معسعس يعزو علم الفلك الحديث بان الكون تكون من الانفجار الكبير الذي حصل في عهود كونية سحيقة، واصطلح على تسميته بالبينغ بانغ.

فما يحصل اليوم في العالم العربي بشكل عام، والشرق الأوسط بشكل خاص، أشبه بإعادة تكوين كوني، بانفجار كبير في طور الحضانة. هذا الانفجار كان صاعقه الأول في سيدي بوزيد في تونس (تماما كما اشتعل فتيل انطلاقة الدولة الفاطمية من المهدية في تونس، والتي غيرت أيضا وجه إفريقيا الشمالية من العام 909 ولغاية العام1171). وما انفك الحريق يلتهم أمامه دولة بعد أخرى (ليبيا، ومصر..). لكن تحرك عين الإعصار من شمال إفريقيا إلى قلب الشرق الأوسط، لن يكون محدود الانعكاسات والمخاطر، الذي تدخل فيه العديد من العوامل، والحسابات المحلية والدولية. فإن سقوط أي حجر زاوية من بنائه سيؤدي إلى تداعيات أخرى، ربما جاءت على البناء بأكمله. من سقوط أنظمة عميقة الجذور، وتداعي تحالفات متينة الأواصر، وربما اندلاع حروب أهلية لا تبقي ولا تذر. وما يدعو إلى هذا الاعتقاد، أن بناء الشرق الأوسط كما هو عليه اليوم، لم يعد يتماشى مع التحولات الكبرى التي تحصل تحت أعيننا، بثورات الشعوب المطالبة بالديمقراطية، وسقوط الأنظمة من ناحية، وتخوف الغرب من فقدان السيطرة عليها بعد أن كانت طيعة كالخاتم في إصبعه، والتخوف الكبير على مستقبل إسرائيل في المنطقة، مع بروز أنظمة جديدة يسيطر فيها الشعوب على قراراتها، وليس فردا كما كانت عليه الحال سابقا. والتاريخ القريب يظهر جليا أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ‘لا يسكت على ضيم’ وهو يقوم بمناوراته، ليعيد سيطرته، بطريقة أو بأخرى، على ما فقده، وإن كلفه ذلك حربا جديدة تعيد خلط الأوراق من جديد، وتفرض واقعا جديدا يجبر الجميع على التكيف معه، تماما كما تفعل إسرائيل في فلسطين من عام النكبة وما قبل.

فما يدور في سورية منذ أشهر ثمانية، من ثورة شعبية عارمة، عازمة، مهما كانت التضحيات، على إسقاط نظام قائم على دكتاتورية أسروية، لها امتداداتها الإقليمية والدولية، يضع الشرق الأوسط بأكمله على حافة الانفجار الكبير.

فالنظام الوحشي- الأسدي، ومنذ بذرته الأولى في نهاية ستينيات القرن الماضي، قد نسج استراتيجيته على التحالفات، غير الطبيعية، أو المعتادة، من أنظمة سابقة، وارتباطات مع الغرب تقوم على تقديم خدمات لحماية مصالحة (ضرب الحركة الوطنية في لبنان، ضرب المقاومة الفلسطينية والمساهمة في طردها من لبنان، الاشتراك في الحرب الأمريكية ضد العراق..) مقابل الحفاظ على سلامة النظام الذي دام، إلى الآن إثنتين وأربعين سنة مرة وعجاف على الشعب السوري.

إلا أن التحولات الكبرى، مع إصرار الشعب السوري العنيد الذي يقف، بصورة بطولية أذهلت العالم بأسره، بصدور عارية في وجه آلة القتل الأسدية، تضع الغرب أمام معضلة تربيع الدائرة في الشرق الأوسط. فكيف يمكن التخلص من نظام ‘حليف’ بات ثقيل الوطء، وبرسم السقوط، مع ضمان ولاء من سيقوم مقامه، وضمان ألا تتفشى نيران هذه الثورة المتأججة إلى هشيم الأنظمة الحليفة الهشة الأخرى. وكيف يمكن توجيه ضربة قاضية لحليفه الأكبر، النظام الايراني، وتدمير منشآته النووية، التي باتت تقض مضاجع حلفائها في المنطقة (الخليج، وإسرائيل)، دون الاضطرار لخوض حرب برية على الطريقة العراقية. هذه الأسئلة المحيرة ربما كانت سببا رئيسيا في تردد واشنطن الكبير باتخاذ إجراءات صارمة (وهي قادرة على ذلك) ضد النظام السوري. إذ أن كل الإجراءات التي اتخذت إلى الآن كانت مظهرية، لا تأثير فاعلا لها على أرض الواقع. إن هدير حناجر الشعب السوري المطالب اليوم بحظر جوي، ليس من شأنه إذا تحقق، حماية الشعب من سفك دمه، بل في تسريع سقوط نظام بدأت تهتز أركانه الأربعة. ومعه تهتز أركان تحالفاته في المنطقة وعلى رأسها إيران وحزب الله. وهذا ما يدعوهما على دعم النظام الأسدي حتى العظم، حتى ولو كلف ذلك معركة مع أمريكا في العراق إذا ما حاولت التدخل في الشأن السوري. لكن قرار انسحاب القوات الأمريكية من العراق، ربما سيعطي واشنطن حرية أكبر في اتخاذ قراراتها المصيرية في المنطقة دون تعريض قواتها للخطر. وأول قرار ربما يكون توجيه الضربة القاضية للنظام الإيراني. فإذا عدنا إلى مبدأ ‘الاحتواء المزدوج’ الذي نادى به مارتن إنديك السفير الأمريكي السابق في اسرائيل (إحتواء العراق وإيران) فإن أمريكا لم تكمل عملها بعد، كما أرادها المحافظون الجدد، وهي مازالت تعلعل في تنفيذ هذا المخطط، ولكن إلى متى؟ فالضربة باتت ملحة، كي تحد من نفوذ طهران في العراق، وتدرأ الخطر النووي عن إسرائيل والخليج. وإذا ما تمت هذه الضربة ذات ليلة، على حين غرة، فإنها لا شك ستكون على الطريقة الهيروشيمية، تشترك فيها أسراب الطائرات كالجراد المبثوث، تدمر فيها ليس فقط المنشآت النووية، التي بالطبع تم تحديدها بدقة عبر الأقمار الا صطناعية، بل وكل منصات الصواريخ الطويلة المدى، كي لا تدع لطهران فرصة الرد. وهذا السيناريو سيقلب كل الموازين رأسا وعلى عقب، ويكفل استمرارية النفوذ الأمريكي، واستكمال السيطرة على الطاقة العالمية، كما أوصى بها فيلسوف المحافظين الجدد ليو شتراوس، ودعمها زنغيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق بنظرية السيطرة على منطقة الأوراسيا.

هذه النظرة هي النظرة الأكثر تفاؤلا، أما الأقل تفاؤلا فربما تنتهي بالبيغ بانغ أو الانفجار الكبير.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية