بيكاسو اقتبس من أساليب الفن المصري القديم واخطأ في عدم زيارة مصر باريس لا تجعلك مشهوراً ولا غنيا لكن تعطيك الإلهام والابداع!
جورج البهجوري: يرسم وجوها مثل قصة حب خاطفة:بيكاسو اقتبس من أساليب الفن المصري القديم واخطأ في عدم زيارة مصر باريس لا تجعلك مشهوراً ولا غنيا لكن تعطيك الإلهام والابداع!ابوظبي ـ القدس العربي ـ من جمال المجايدة: الحديث الي الرسام التشكيلي المعروف جورج البهجوري، لا يخلو من الفكاهة فالرجل الي جانب موهبته الفذه في الرسم، يحمل خفة دم شديدة الفكاهة والنكتة المصرية لم تفارقه علي الرغم من مغتربه الباريسي الطويل.التقيته علي هامش معرض حوار لوني في قصر الامارات بابوظبي والذي نظمه رواق البلقاء واستمر حتي 17 كانون الثاني (يناير) الجاري، وطيلة الوقت كان يتحدث عن الحب، ويبدو لي ان جورج البهجوري البالغ من العمر 70 عاما، يعيش قصة حب متجدد دائما مع وجوهه العديدة التي يرسمها ويعيش ايضا قصة حب مع عاشقي فنه الذي يميل الي التجريد الرمزي العميق.يقول لي ان الوجوه التي يرسمها يشتاقها كل يوم لانه حين يرسم وجها ما فانه يذهب الي ماهو اعمق مما يراه في الواقع، وهو كما يقول يشبه تلك الحالة في الوصف الحب اللامرئي الذي يسكن القلب دون ان يراه الاخرون وتحس به المعشوقة فقط.البهجوري قال انه ينتمي لصعيد مصر وبالتحديد لقرية بهجورة التابعة لمحافظة قنا. ولانه في نفس الوقت ينتمي الي الاقباط فإنه يعد واحدا من الذين يحملون احساسا قويا بالانتماء فنيا الي الثقافة الفرعونية التي بلغت ذروتها في فنون النحت والرسم كما تشهد محتويات المعابد المنتشرة في معظم محافظات صعيد مصر، وكأنه يقصد التنبيه إلي ان الوراثة عامل مهم في ظهور الموهبة، في حين ان الموهبة تحتاج ايضا الي الدراسة والتجريب واستيعاب تجارب السابقين.ويبدو ان البهجوري انتبه الي ذلك في كلامه عن بداياته فقد أضاف انه درس الرسم دراسة اكاديمية، واعترف بأنه عندما التحق بمجلة صباح الخير استفاد من تجربة صلاح جاهين وصلاح الليثي، وكل منهما كانت له خطوط تميزه وتجعل رسوماته ماركة مسجلة باسمه سواء نشرت في صحيفة أو كتاب.وأكد انه ينتمي الي نوعية الرسامين المشاهدين، بمعني انه يميل في رسوماته الي المشهد ومخاطبة العيون مباشرة دون الحاجة الي تعليق سواء كتبه هو او غيره من الساخرين، فالسخرية لديه تكمن في خطوط الرسم ونسبه وأسلوبه.فلسفة البهجوري تعتمد ايضا علي اسلوب الرسم من نقطة معينة، فهو يبدأ من نقطة ويرسم الوجه والعينين والشعر وبقية تفاصيل البورتريه بحيث تتصل الخطوط في النهاية بالنقطة التي بدأ منها، كما يهتم بالتفاصيل ولا يعتمد اسلوب التلخيص الذي ميز رسومات من تعلم منهم خصوصا الراحل صلاح الليثي.مبالغات بهجوري وسخريته كانت وراء وضعه في قائمة الرئيس السابق أنور السادات السوداء بعد أن قام برسمه بأسلوب تهكمي وتم منعه خلال تلك الفترة من دخول مصر.وبالعودة الي بداياته الاولي مع الفن يقول البهجوري: تربيت في أسرة متمسكة بالكنيسة، وأنا طفل لفتت نظري أيقونة العذراء والطفل، وظلت هذه الأيقونة في مخيلتي كأنها حقيقة وليست صورة، وظلت الهالة الذهبية حول العذراء والطفل كأنها نور الله، ومن هنا عندما كبرت قليلا قالوا إنها مرسومة، وعرفت فن الرسم. في تلك الأثناء فقدت أمي، وتخيلت أنني الطفل وأن هذه الواقفة في الأيقونة هي أمي، هذه الروحانية انعكست علي، وظلت معي حتي الآن وأنا عندي 70 سنة تلازمني وأنا أمارس كل الفنون.. الكتابة.. النحت.. الرسم. وكأني طوال السنوات السبعين أبحث عن أمي، وأجدها في كل أم.. في الشارع.. في الحارة.. الصورة تتكرر، وقد كتب عني أحد النقاد التشكيليين أنني أرسم أيقونة الشوارع.. أيقونة الرصيف.. كل أم تحمل طفلا أتخيل أن وراءها هالة ذهبية، وكلما تزيد مأساتها وبؤسها يزيد نور الذهب حولها، كأنه نور الأفق أو نور الشمس أو القمر.ويواصل حديثه قائلا: أصبحت أتابع هذه الأيقونة، وانعكست علي في الكتابة، وصارت متعددة الجوانب: أيقونة الطفولة، أيقونة الشباب، أيقونة الهجرة، أيقونة باريس، أيقونة الجسد التي لا أزال أكتبها، وهناك كتاب جديد اسمه أيقونة شعب، فالشعب كله مليء بالإنسانية.. هذه نشأتي، وهذا مصيري.ـ أنا ولدت بالأقصر فعلا، وأبي من بهجورة (قرية من ضواحي الأقصر)، وأجد أشياء كثيرة عندما أزور تلك الأماكن انها تشبهني، أجد نفسي أكثر، الناس هناك (حتي من لم أكن أعرفهم) جزء مني، قرص الشمس الممثل لـ رع في متحف الأقصر والكرنك يتعدد عندي في لوحات كثيرة، العينان اللتان تمثلان نافذتي الروح موجودتان في أعمالي، الأصابع الطويلة، رسم البروفيل الخط الجانبي الذي اختاره المصري القديم ورسمه، في كل تمثال وكل نحت بارز يظهر الخط الجانبي كأجمل خط في فن البورتريه وفي الجسم، حتي في الحركة عندما تكون هناك معركة، أو جماهير يقولون برسم خط واحد يتم تكراره، ويصبح الخط الواحد آلاف الخطوط بكل سهولة، يعكس عصر النهضة المليء بالتعقيدات، والمعني بالتركيب، ووضع الحصان علي الحصان، والازدحام الي حد الاعجاز.ويعترف ان ولادته في ريف الاقصر بمصر (قرية بهجورة) كانت سببا في تعلقه بالفن الفرعوني القديم / لكن التبسيط والتلقائية الموجودة عند المصري القديم موجودة إلي اليوم في أعمالي، لا أبحث عن التعقيد، لكن أنتمي للفن البدائي الفطري، حتي أن الفن الافريقي ينعكس علي بعض لوحاتي، وتمنيت أن أزور افريقيا ولكن رحلتي توقفت عند جنوب السودان.ويمضي قائلا: لحسن حظي فأنا أقيم في ضاحية فرنسية بباريس معظم سكانها سنغاليون، وصرت أرسم ملامحهم وهم يذهبون يوميا إلي أعمالهم، ولدي خمس كراسات لوجوه سنغالية، وكأنما كنت أتمني تحقيق شيء فوجدته أمامي، وهكذا.. كنت أتخيل أنني عاشق للفن الغربي، واكتشفت فجأة أنه ليس اتجاهي، وأن الفن الغربي معجزة في الرسم أذهلتني، وتخيلت أن النجاح والمجد سوف يأتي من الغرب، لكني وجدت نفسي أرجع الي افريقيا. ويقول البهجوري: تحققت هذه الفكرة أكثر عندما كنت من المغضوب عليهم فترة السادات بعد أن قمت برسمه بأسلوب تهكمي فوضعني في القائمة السوداء التي لا تدخل مصر مع عدد من المثقفين، وأتيحت لي فرصة المشاركة في مهرجان أصيلة بالمغرب، وأحببت الشعب المغربي جدا، ورسمته باستمتاع، وألهمني، ولدي كراسات كثيرة ضخمة عن حياة المغاربة في السوق والمقهي وسباق الحصان، كل هذا أكد لي أنني كنت مخطئا في اتجاهي للغرب مع احترامي لمعجزته في الرسم والنحت، فما استفدت منه أكثر هو المكان الذي أتيت منه.وعن تفاعله مع الفن الغربي قال: عندما تجد فنانا يشطح ويرسم بأسلوب التجريد ويترك كل الناس الذين عاش معهم، أنا أعتبره غير ذي قيمة كبيرة، لا بد أن يخرج من القيم الانسانية المحيطة به، ومن التشخيص لهم ورسمهم، وهذا هو اتجاه فان غوخ، الأمر نفسه عند مودلياني مع نسائه، جوجان مع نسائه في تاهيتي اخذت هؤلاء وعدت للرسام الهولندي رامبرانت لأنه قمة الرسم في الغرب.رسم علي رسمواعتبر الفنان المصري جورج بهجوري حصوله علي جائزة الملك عبد الله الثاني للفنون رد اعتبار للتجاهل الذي يعانيه في مصر ويذكر ان نبأ فوزه بالجائزة جاءه بعد ساعات من افتتاحه معرضه (رسم علي رسم)، يتساءل: هل أستطيع أن أقترب من آلهة فن الرسم فيصبح رسمي رسماً علي رسم، كما هو في الأدب نص علي نص؟ ففي هذا المعرض اعاد بهجوري رسم بيكاسو ورمبرانت وجوجان وغيرهم من أساتذة الفن في العالم، وكذلك اختار رسم أعمال من كبار الفنانين المصريين مثل محمود سعيد وعبد الهادي الجزار وحسن سليمان ومصطفي أحمد. وسئل البهجوري عما اذا كان بعد هذه الرحلة الطويلة مع الفن قد أصبح أهم رسام تشكيلي في مصر، اجاب قائلا: إنني أعتقد أن الواحد عندما يصل لسن السبعين، تصبح نهاية أو تكملة أبحاثه في أيام الشباب وسنوات الخمسين والستين هي الحصيلة الكبيرة لمشوار عمره تقريبا خمسين سنة، ولذلك أعتبر هذه المجموعة (كليكشن بريفت)، كل فنان في التاريخ يصل لمرحلة يصر فيها علي بقاء مجموعة معينة من أعمــــاله سواء كانت الأخيرة أو قبل الأخيرة أو مجموعة معينة ضمن كل المشـوار يحب أنه يحتفظ بها، لأنه مثلا هناك فكرة نواة لمتحف يحمل اسم الفنان سواء في القاهرة أو في الأردن بالذات، إنني أعتز بالأردن وأهتم به جدا لأنني عشت فيه عدة سنوات وزرته عدة مرات، منذ سنة 1970 وأنا أتواصل مع عمان، أول بلد عربي عرضت فيه أعمالي وأبحاثي في باريس، لقد كان الأردن عن طريق رواق البلقاء الذي يديره خلدون الداود وهو شخصية ثقافية فنية نشيطة جدا.ورفض ان يكون قد حصل علي الشهرة بعد هجرته الي باريس بقوله: باريس لا تعطي ولكنها لا تجعلك مشهوراً ولا تجعلك غنيا، فلا يوجد إعلام عن الغرباء الموجودين في باريس، لكن هي تعطيك الإلهام تعطيك الجو المناسب للإبداع، وأنا فهمت هذه اللعبة، وقلت إنها تضحية كبيرة لكنها تستحق المجازفة أن تستمر حياتي في باريس التي اخترتها بنفسي بدون أي منحة أو مساعدة من الدولة، ذهبت إلي باريس بعد أن حققت شهرة كبيرة في الصحافة المصرية، بعد أن أصبحت رساما معروفا، اكتفيت بهذا القدر من العمل الصحافي بما فيها فن الكاريكاتير، فن الكاريكاتير أعطاني شهرة وعلاقات بالناس جميلة جدا، لقد تخطيت أشياء كثيرة، النحت واللوحة والتمثال والرواية والنقد الفني وفن العرائس، دخلت في جميع أنواع الفنون لأن باريس توحي لك بالإبداع، لأن الجو (يخليك) دائما مستمرا في الإبداع، حياة باريس وزيارات المتاحف والغاليريهات ولقاءات المثقفين، هذا علي الصعيد الشخصي، لكن علي صعيد أنه مثلا أجهزة الإعلام تهتم بك أو تطلع في التلفزيون أو الصحف، هذا غير موجود. ايقونه باريس!ورغم ذلك يقول البهجوري: خلال الثلاثين عاما أو أكثر التي عشتها في باريس وصلت لأن أكون فنانا شاملا، وذلك بحكم الظروف الجميلة الموجودة بباريس، نحن مجموعة رسامين من مختلف الدول تابعين لوزارة الثقافة الفرنسية، مُنحنا فيللا من ثلاثة طوابق، تهيأت فيها لكل فنان وسائل الراحة والإبداع، كل فنان له طابق ومرسم وورشة، والمكان مصمم لعمل الفنانين، من هنا بدأت موجة الانفعال والإبداع، وزي ما بيقولوا ضربة الرعد، هذه الأجواء أهلتني لأن أكون فنانا شاملا، اختلطت في هذا المكان بنحات روماني (لاجئ سياسي) فدخلت إلي عالم النحت، فأبدعت الكثير من الأعمال التي نفذتها برونز، وعندما أجدت اللغة أصبحت أحاضر بها وأكتب وأتابع نشاطات الأدباء، حيث كنت أتابع برنامجا ثقافيا لناقد شهير اسمه برنار بيفو يلتقي بالأدباء ويناقش معهم أعمالهم الجديدة، وقد كان من نتائج مشاهدتي لهذا البرنامج لعشر سنوات متواصلة فهمي لأسرار الكتابة الأدبية، ومن ثم أصبحت مهيأ للكتابة الأدبية، فأنا أريد أن أحكي وزاد عندي الحكي والبوح ولم أجد أحدا أحكي له أو أبوح له بمشاعري كغريب في باريس، فبدأت أحكي مع الورقة ليصبح عندي ثلاث روايات منها (أيقونة فلتس)، (أيقونة باريس)، كل هذا بالإضافة إلي اللوحة والجانب الساخر الكاريكاتيري الذي لم يعد كل شيء كما كان في بداياتي ويعتقد بعض الناس خاصة في مصر. وخلص الي القول: إن موقعي في باريس عاصمة الفن أتاح لي متابعة متواصلة لكل عالم الفن خلال أكثر من ثلاثين عاما، لم يكن يقنعني كتاب أو فيلم أو صورة، لقد حرصت علي أن ألتقي باللوحة الأصلية أشم عطرها وأكاد ألحس ألوانها كما حدث لي مع غوغان وفان غوخ.تأثير بيكاسو لقد تاثر البهجوري بالفنان العظيم بيكاسو، وقال انه اعد رسالة دكتوراه من السوربون تحت عنوان (رسوم بيكاسو علاقتها بالفن الفرعوني القديم)، وتوصل الي ان بيكاسو اقتبس من أساليب الفن المصري القديم، لكن الخطأ الذي وقع فيه أو سقط فيه أنه لم يزر مصر مثل غيره من الفنانين. ومضي قائلا: إعجابي ببيكاسو خطير، أحب علاقاته بالنساء ورسمه لهن، وهذه موجودة عندي، لقد وجدت تشابهاً كبيراً بين حياته وحياتي، أنا أعتبره المثل الأعلي لي، هو الذي أعطاني حرية الحركة في الخط والرسم، عندما تأملت كراريسه الكثيرة المنشورة أو الموجودة في متحفه المسمي باسم الحي الثالث بباريس، وكيف أن خطه عفوي وسريع، أصبحت خطوطي أنا أيضا عفوية وسريعة. ولد جورج بهجوري في الأقصر عام 1932، تخرج من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة وكلية الفنون الجميلة بباريس قسم الرسم، وعمل كرسام كاريكاتيري منذ عام 1953 حتي عام 1975 في مجلتي روزاليوسف وصباح الخير، ويعيش في باريس منذ عام 1975. واقام معارض تشكيلية في مصر والأردن والمغرب وتونس وفنلندا وألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا.حاصل علي الجائزة العالمية الأولي في الكاريكاتير عام 1985 وعام 1987 في روما.0