من يريد ان يحصي الضربات التي تلقتها اسرائيل في هذا الاسبوع في العاصمة الامريكية
قوات الولايات المتحدة تنتشر اليوم في 150 دولة في العالم من بين 193، قال مسؤول في الادارة الامريكية في هذا الاسبوع عندما طُلب منه تقدير تأثير لجنة بيكر ـ هاملتون المحتمل علي السياسة الامريكية. ما سيحدث أننا قد نخرج من واحدة من هذه الدول التي ننتشر فيها في أقصي الاحوال، قال مبتسما، مع بعض المرارة. والجميع يعرفون أن الموجة التي ارتفعت بعشرات الأضعاف في هذا الاسبوع ستجر امريكا الي خارج العراق.
حتي شهر أو أقل من شهر، أو بعد نصف سنة او أقل من نصف سنة، ستخرج امريكا في نهاية المطاف من العراق جريحة ومثخنة بالضربات. الا اذا قرر الرئيس جورج بوش أمرا آخر. رئيسنا برهن في السابق علي انه صعب المراس، قال المسؤول الامريكي مؤكدا ان بوش لم يُلب دائما توقعات الصحافيين وغيرهم من أصحاب الرأي.
بوش يري ابتسامة بيكر وينفجر، كما يقول أحد معارف الرئيس. لا تصدق الكلمات الجميلة والابتسامات المؤدبة، ولا العلاقات المديدة بين بيكر وبوش الأب، الذي رافقه حتي انتخابات 1980 التي خسر فيها أمام رونالد ريغان. قال هذا الشخص من يريد ان يؤثر عليه أن يهمس بأذنه بصوت منخفض، لا ان يُهينه علانية، أنظر الي ديك تشيني.
والحقيقة ان ما جري لبوش في هذا الاسبوع في مبني هارت المجاور لمقر الكونغرس لم يكن أقل من خازوق في بث حي. لجنة بيكر ـ هاملتون قالت لبوش لقد فشلت. واليك ما يتوجب فعله حتي تخرج من هذه الورطة، اذا كان من الممكن أصلا الخروج منها. كما قالوا له: ليس أمامك خيار، عليك ان تتبني كل التوصيات، واذا كان هناك خطأ ارتكبته هذه اللجنة فهو يكمن في هذا البند وفي حقيقة أنها أوصت بما لا يقل عن 79 توصية.
لو كانت توصياتها اربع فقط، وقام بوش برفض اثنتين منها، لافترسته الانتقادات لانه رفض نصف التوصيات. أما الآن فاذا رفض 39 من الـ 79 فسيكون بامكانه الادعاء انه قام بتطبيق 40 توصية، وهذا ليس بالعدد القليل.
من الممكن ان نضع توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون علي موازين من كافة الأصناف، كما ان الآراء حول بيكر نفسه منقسمة. أنا لا اعتقد أنه ضد اسرائيل، قال مسؤول اسرائيلي رفيع كان قد التقي بيكر في أكثر من مرة. من الواضح أن بيكر قد بحث عن اسرائيل. قال مسؤول آخر في نفس المرتبة وفي نفس الوزارة الحكومية.
من يقوم بالتعمق في تاريخ بيكر سيضبطه في عدة مفترقات عمل فيها ضد حكومة اسرائيل. إلا ان السؤال يبقي علي حاله: هل يكره اسرائيل أم سياسة الحكومات الاسرائيلية التي وقف ضدها. المجابهة المعروفة كانت بينه وبين حكومة اسحق شامير حول المستوطنات والضمانات وهي قابلة للتفسير، أما بعض تصريحاته الشهيرة مثل فليذهب اليهود الي الجحيم، فهم لا يصوتون لنا أصلا، من الممكن أنه تم تضخيمها وأُخرجت عن سياقها. اشخاص أقوياء علي شاكلة بيكر يقولون احيانا في الغرف المغلقة امورا لا تتلاءم مع قواعد اللياقة والعادات المتبعة.
ولكن ها هو تقليد جديد يتبلور منذ الآن. لدي بيكر دائما تعليلات جيدة، ولكنها تبقي دائما في الجانب الآخر من المفترق. بحث عن العراق فوجد اسرائيل. كان بامكانه ايضا أن يختار شيئا آخر، ذلك لانه وإن ساد السلام بين اسرائيل والفلسطينيين لأجيال، فان قوات الولايات المتحدة ستبقي رغم ذلك عالقة تحت نيران الارهابيين في العراق.
ولكن القضية التي طرحها بيكر في تقريره، الذي كان المسؤول الرئيسي عن مضمونه، جديرة بالتعمق ـ ومن ثم بالنظر اليها من جديد. ادارة بوش لن تكون أول من يعلق في هذه المسألة. الي أي مدي يوجد الصراع الاسرائيلي ـ العربي في مركز الحمام الشرق اوسطي؟ خلال المباحثات التي أجراها كبار المسؤولين في الادارة الامريكية ايضا في الاسابيع الأخيرة وفي الدول العربية سمعوا اللحن الذي يعرفونه من السابق: فلتُبدوا الاهتمام وتتدخلوا في معالجة الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. هناك بينهم من يعتقد أن الوقت قد حان فعلا للفعل، أو علي الأقل للظهور في مظهر من يفعل شيئا.
أمس الاول، مع نشر التقرير، أُلقيت في الهواء مرة اخري أسماء المبعوثين المحتملين والوسطاء الذين سيحلقون بين العواصم والزعماء. بذلك يقومون بنشر أجواء من التقدم حتي وإن لم تكن ناجعة بالمرة. ربما يكون هذا الوسيط هو بيكر نفسه أو كولين باول أو بيل كلينتون.
بيكر سيفرح بالتأكيد اذا كُلف بهذا المنصب، ولكن من المشكوك فيه ان ترغب وزيرة الخارجية رايس بخطوة تحولها من شخص مركزي الي هامشي. باول، كما تأكد حتي خلال شغله لوزارة الخارجية لا يفهم شيئا أو نصف شيء في شؤون الشرق الاوسط. ولكن ماذا عن كلينتون؟ أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الامريكية ضحك عندما سُئل عن ذلك. اولا، هو لا يفترض ان بوش سيعين سلفه لقيادة مثل هذه العملية، وثانيا، هو لا يعتقد أن هيلاري كلينتون ستسمح لزوجها بشغل منصب حساس كهذا عشية الانتخابات التي تنوي خوضها، وعدا عن ذلك كلينتون لم يعد نفس الشخص الذي قد توسط وفشل في السابق.
البيت الابيض.. تاريخهذه ليست المرة الاولي التي يدفع فيها جيمس بيكر رئيسا امريكيا لسحب قوات الولايات المتحدة من دولة شرق اوسطية. في عام 1983 بعد أن قُتل 240 جندي مارينز في انفجار هائل في لبنان، كان علي رأس من حثوا رونالد ريغان علي طي العلم الامريكي والانسحاب. وزير الخارجية جورج شولتس وريغان نفسه عارضا هذه الخطوة، إلا أن يد الائتلاف الذي كان في مواجهتهما، بما فيه بيكر ووزير الدفاع كاسبر واينبرغر وبعض اعضاء الكونغرس (ومن ضمنهم بيكر آخر وهو زعيم الاغلبية في مجلس الشيوخ، هوارد بيكر)، تغلبت في نهاية المطاف.
ريغان، مثل جورج بوش اليوم، اعتبر هذا الانسحاب خضوعا للارهاب، إلا انه اضطر لقبول الواقع والتسليم به. الانتصار الامريكي المضحك في غرانادا الذي نجح في تكنيس الانطباع الصعب الذي تركته الأحداث في الشرق الاوسط حول الحرب المرة الي حلوة المذاق، وسمح لريغان بالتوجه المريح نحو انتخابات 1984 من دون أن تطارده ظلال القتلي في لبنان.
لو كانون، الذي كتب سيرة ريغان كتب بأن هذا الانسحاب بدا أمرا لا يمكن منعه. ربما سيكتبون في المستقبل ايضا نفس الشيء عن القرارات الصعبة التي سيُقدم عليها بوش في الاشهر القادمة. كانون نفسه تذكر في هذا الاسبوع مقالة مؤرخ آخر ـ الذي كتب سيرة جيمي كارتر ـ وهو واحد من بين خمسة مؤرخين حاولوا التنبؤ من خلال واشنطن بوست بما سيقوله التاريخ حول بوش.
المؤرخ دوغلاس برينكلي، حدث في مقالته عن مأدبة العشاء التي تحدث فيها هو وكانون عن بوش. كانون حذره من اتخاذ قرار حاسم مسبق. ماذا اذا تم القاء القبض علي اسامة بن لادن فجأة؟ وماذا اذا قررت كوريا الشمالية فجأة التخلي عن برنامجها النووي؟ برينكلي مثل اغلبية رفاقه المؤرخين لم يصمد أمام هذا الاغراء. بوش يُذكره بـ هيربرت هوبر الذي لم يرد كما يجب علي التردي الاقتصادي العميق الذي شل الولايات المتحدة في مطلع الثلث الثاني من القرن السابق. ما العلاقة؟ هوبر قام بخطوات قليلة جدا بعد الركود، أما بوش فقد قام بأمور مفرطة بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). هذا ما يفكر به برينكلي علي الأقل.
مركز سابان.. شخصيات محترمةمن يريد ان يحصي الضربات التي تلقتها اسرائيل في هذا الاسبوع في العاصمة الامريكية، عليه ان يبدأ من استقالة السفير الامريكي في الامم المتحدة جون بولتون. هذا حدث قبل ايام فقط، ومع ذلك يبدو وكأنه قد حدث منذ فترة طويلة. منذئذ جرت مساءلة وزير الدفاع الجديد الذي لا يستطيع أن يضمن لاسرائيل عدم قيام ايران بالهجوم، وبعد ذلك جاء تقرير بيكر ـ هاملتون الذي يبرزها في صورة المشكلة أكثر مما يبرزها بصورة الشريك.
مجموعة من الشخصيات الاسرائيلية والامريكية المحترمة ستشارك بدءا من اليوم في المنتدي السنوي الذي يعقده مركز سابان الذي يدور في هذه السنة حول امريكا واسرائيل تجابهان شرق اوسط عاصف. وزيرة الخارجية تسيبي لفني ستلقي محاضرة أمام المنتدي، وكذلك نائب رئيس الحكومة شمعون بيرس ووزير الاستراتيجية افيغدور ليبرمان ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية عاموس يادلين. إلا أن النجمان الحقيقيان سيكونان بيل وهيلاري كلينتون ـ الرئيس السابق والمنافسة شبه المؤكدة علي الرئاسة في الجولة القادمة.
رغم الأحاديث المتزايدة والحماسة شبه الطفولية من امكانية ان يقرر السناتور براك أوغما، النجم الصاعد، خوض المنافسة داخل الحزب الديمقراطي، تبقي كلينتون في الصدارة وتقوم ايضا بتقليص الفجوة بينها وبين المتصدر الجمهوري جون مكين في الاستطلاعات العامة. إلا أنها مع ذلك ما زالت بعيدة عن احراز الانتصار. وكل ظهور مشترك لها ولزوجها يؤكد الصعوبة التي تواجهها.
الحلقة التي ستشارك بها كلينتون استراتيجية امريكية في الشرق الاوسط، ما الذي يؤثر وما الذي لا يؤثر، تحظي بأهمية خاصة خصوصا علي خلفية تقرير بيكر ـ هاملتون وتوصياته. التي تُعيد السياسة الامريكية الي ايام مدريد والتفاوض مع كل من هو ممكن. اذا كانت كلينتون تعتقد ان المؤتمر الاقليمي هو فكرة ناجحة، فربما ستسعي الي تجسيدها في المستقبل. بذلك ستطرح موقفا مغايرا لموقف السفير الجديد سالي مريدور وموقف حكومة اسرائيل الذي يقول ان المسار الثنائي هو المسار الصحيح لمن يرغبون بجدية في دفع عملية السلام.
معهد واشنطن.. سفيرحكاية لقاء السفير الاسرائيلي السابق دافيد عبري مع عضو الكونغرس من كاليفورنيا، نانسي فلوسي، قد تحولت الي أسطورة. أحداث الاسابيع الأخيرة أعادت هذه الحكاية الي الحياة لسببين اثنين. الاول ان فلوسي تحولت فعليا الي كبيرة المشرعين الديمقراطيين، وهي ستصبح المرأة الاولي التي ستترأس مجلس النواب. أما السبب الثاني فهو أن سفيرا اسرائيليا جديدا قد عُين في واشنطن وهو سالي مريدور.
عبري جاء الي واشنطن مع خلفية لا يمكن التشكيك بها، قائد سلاح الجو ونائب رئيس هيئة الاركان ومدير عام وزارة الدفاع. المبعوث الأفضل والأمثل للبنتاغون، قال أحد المسؤولين الكبار في الادارة الامريكية في هذا الاسبوع ساخرا. عبري لا يعتبر هنا نموذجا لنجاح كبير للسفير. واليكم القصة التي تُروي حوله وحول النائبة الليبرالية: فلوسي دعت عبري الي مكتبها للالتقاء به، او ربما يكون هو قد دعا نفسه اليها. هذا ليس هاما كثيرا. من قبل أن ينتقلوا الي التحدث عن امور الساعة، تبادلا حديثا عابرا كما هي العادة.
فلوسي اشارت الي الجدار وأرادت أن تُري عبري الصورة المعلقة عليه. صورة قوية صعبة تهز الذاكرة. المتظاهرون الصينيون في ساحة تايننمين والدبابات التي تتقدم نحوهم في طريق سحق احدي المظاهرات الأهم في القرن العشرين، بصورة فظة. عبري نظر الي الصورة، وكرجل عسكري مخضرم، وجد صعوبة في التغلب علي عادته القديمة، وألقي بعبارة واحدة فقط تركت فلوسي مذهولة: هذه دبابة تي 72 . مثل هذه الأخطاء لن تحدث مع مريدور علي ما يبدو، هو رجل يجيد الاتصال مع الآخرين. في هذا الاسبوع تجاوز بنجاح في معهد واشنطن ظهوره العلني الاول. بعد ذلك وقف بعض المستمعين وحاولوا تخمين أي سفير سيكون. كان هناك من اقترح ان يكون مريدور سفيرا مشابها لنموذج ايتمار رابينوفيتش، المتكلم الفصيح (وليس الكارثة مثل عبري) والسياسي الذي يحظي بالتقدير. مستقبل مريدور يعتمد أكثر من اي شيء آخر علي كيفية ادارة ايهود اولمرت لعلاقاته مع واشنطن وكيف سترغب واشنطن في ادارة علاقاتها مع اسرائيل. هذه المسألة برزت في هذا الاسبوع باعتبارها مسألة مجهولة في صدارة الأحداث.
شموئيل روزنركاتب في الصحيفة(هآرتس) 8/12/2006