بيلارس الشعر العربي!

حجم الخط
0

بيلارس الشعر العربي!

خيري منصور بيلارس الشعر العربي! في إحدي قصائد نزار قباني المكتوبة عن بيروت وليس منها ، يصل التأنيث أقصاه، بدءا من الضفائر الذهبية وأساور الياقوت حتي الوردة والحورية! وتتحول عاصمة أرضية تعج بالبشر وتناقضاتهم إلي معصومة، فالحرب تأتي إليها من خارجها والشرور يفرزها تاريخ شبه مجهول، وبالرغم من أن صفات الممدوح تبدو مستعارة من المطلق، إلا أن المدينة التي شهدت من العشق والكراهية ما لم تشهده مدينة أخري تبقي خارج القصيدة، وهي تكدح وتتثاءب، وترقص فرحاً أو ذبحاً، وقد لا تشذ قصيدة نزار عن بيروت الانثي عن سياق شعري عربي حاول المزاوجة بين الأوطان والنساء، ووجد في هذه الثنائية مجالا بالغ الحيوية لافراغ فائض المكبوت سواء كان سياسيا أو جنسياً!والعاصمة التي تتحول إلي أنثي لها هذه الصفات الناعمة، تصبح الكتابة الشعرية عنها غزلا بالمعني الكلاسيكي لهذا المصطلح كما ترسخ في ديوان العرب، والفارق كبير بين الحب والغزل، وأحيانا بين الحب الذي يحترفه الشعر والحب الانساني العميق وذي البعدين التجريدي والعضوي!والمدينة الممدوحة أو المعصومة هي بلا طبقات، وبلا شقاء بشري يرشح من جدران الأزقة الأشبه بالشرايين المتصلبة لفرط التوتر، لهذا يبدو اختزال مدينة ما علي هذا النحو الشعري الغنائي هو بمثابة إعدام الورد والابقاء علي شذاها، وليس معني هذا أننا نطالب الشعر بالواقعية الفوتوغرافية او ما يسميه بعض النقاد الواقعية الزواحفية، بحيث ترصد تفاصيلها وتناقضاتها فهذا مجال روائي بامتياز يتطلب ما سماه بلزاك تلصصا من النوافذ أو من صدوع الأبواب والجدران علي ما يجري داخل القاعة الموصدة.بيروت، انفردت بين عواصم العرب بمغناطيسية شديدة الجذب، فهي في ستينات القرن الماضي نداهتهم، والمدينة التي اقترنت بالحريات واجتراح المتعذر في المدن الموصدة، لهذا حولتها الحرب الأهلية الي بيلارس وبيلارس هو اسم قصيدة لبروتولد برخت تتلخص في أن هناك مدينة تحمل هذا الاسم قيل عنها انها تحقق الوصال للمحررين وتشفي الأبرص، وتغني الفقير وتحرر العبد، لكن من حلموا ببلوغها وعلقوا عليها آمالهم أصابتهم خيبة شديدة عندما قرأوا في الصحف ذات صباح أن مدينة بيلارس دمرها الزلزال.وبالطبع فإن بيلارس رمزية رغم واقعية شاعرها ـ برخت ـ الذي فاض لديه الإحساس بالتطهير المضاد أو الكاثارسيس المعاد انتاجه بحيث تجاوز المسرح إلي الشعر!تنبه شعراء ونقاد عرب بعد اجتياح بيروت عام 1982 أن ما كتب عنها كان يستبدل بها مساقط رؤوس وأوطان أخري، وبالتحديد، الشعر الفلسطيني المهجوس بالحنين إلي بيروت وكأنها الغاية وليست الطريق.وهذا ما أوشك أن يتكرر في تونس لولا سببين، أولهما القصر النسبي لزمن الإقامة في المدينة، وهي إقامة متقطعة ومؤقتة، وثانيهما أن تونس لم تكن توأما كوزموبوليتيا لبيروت، علي الأقل وفق مفاهيم ثقافية سياحية عزلت بيروت عن لبنان كله، وعن بيروت ذاتها أيضا بحيث أصبحت لعقود شارع الحمراء ومقاهيه، أو الفاكهاني ومكاتبه ومظاهره المسلحة واشتباكاته وفوضاه غير الخلاقة!وثمة شعراء عرب عاشوا في بيروت لكنهم لم يعيشوا حقيقة فيها، كمن يقيم في فندق في مدينة ولا يغادره إلا لسبب طارئ، وفي الوقت الذي كانت تكتب فيه قصائد عن بيروت الأنثي، والنداهة وبيلارس المحرومين كتب د، صادق جلال العظم فصلا من أحد كتبه الناقدة للهزيمة يقول فيه ان لبنان الذي يستورد سنويا عددا هائلا من صناديق الويسكي، لم يحل معضلة التعليم الإلزامي، وهناك من هوا أكتافهم سخرية من الكتاب لأن بيروت التي يريدون هي من ابتكار مكبوتهم السياسي والاجتماعي الطبقي والجنسي أيضا!والمعادل الوحيد للكتابة عن عاصمة من خلال واجهات سياحية، هو الكتابة عن المرأة من خلال مساحيقها، ولون عينيها وطول ساقيها بمعزل عن احزانها، وعن الألم الذي تشعر به في خاصرتها.فالنساء يتعذبن خارج قصائد الغزل، التي تحرم عليهن الحيض مثلا، وتبرئهن من الوظائف الانسانية العضوية التي يتشكل منها شرط الوضع البشري، لهذا لا تصلح المرأة بعد الأربعين أو الخامسة والأربعين للغزل، لأنها تتحول إلي مرحلة أخري لا يتفهمها معجم الذكورة وفقه التأنيث الإسقاطي!كانت تضاريس بيروت كمدينة خلال عقود ذات خطوط طول وعرض طبقية، وأخري طائفية، وكانت فيها سلسلة المقاهي التي تعج بالعاطلين والمثقفين ومن يتشبه بهم، وكان فيها زقاق البلاط، وحارة حريك وبئر حسن، كان فيها القصر الذي تفوح من قوارير مدخله المرمرية رائحة الياسمين وكان فيها البيت الصفيحي والكوخ الذي لم تصله الكهرباء.كانت وما تزال مدينة ككل المدن، بمعابدها، وأزقتها التي تختنق فيها البيوت وقصورها التي يعاد ترميمها إذا ما جاء دور الأحفاد للزعامة..لقد تعامل الأدب العربي الحديث وخصوصا الشعر في أردأ نماذجه مع بيروت باعتباره غابة داجنة، نزع منها الشوك، وحذفت الأفاعي، والغربان، ولم يبق سوي العصافير والياسمين وضفائر الصبايا والصنوبر!ان بيروت أغني بأضعاف مما اعتقد الشعراء الذين تغزلوا بها، فهي أرضية ومملكتها من هذه اليابسة، فيها الفقر والغني، والعافية والمرض، والخير والشر، والربيع والخريف، والبطولة والخيانة، لكنها حرمت من ثلاثة أرباع كينونتها الإنسانية عندما اختزلت إلي مقهي وامرأة وجريدة، أو إلي بندقية وخندق وجثة.هي هذا وذاك، لها ما لها وعليها ما عليها وانصافها يتطلب قشر كل طبقات الطلاء التي تراكمت من اسقاطات المكبوتين الذين رأوا فيها نداهة، كتلك التي وصفها د، يوسف ادريس في احدي رواياته، عندما تورط بواب قادم من الريف مع امرأته المأخوذة بالعاصمة وأصيب بما أصيب به الحالمون ببلوغ مدنية بيلارس التي تحدث عنها بريخت!أعادني هذا التموز العربي البارد والذي لم يعد أبهي شهور الثورات وذكرياتها بل أقساها إلي ما كتب عن بيروت خلال عدة عقود مضت، فوجدت أن تلك المدينة ماتزال ترفل بكامل عافيتها الانسانية خارج الشعر، لأنها ليست ضفائر وليست ياسمين فقط، انها ايضا الطفل العليل، والعتال والانسان المسروق حتي النخاع!ان بيروت محمد الماغوط تبدو علي النقيض من بيروت قباني مثلا، وثمة بيروت ثالثة لخليل حاوي.الماغوط أكلت لحم يديه أذرعة المقاعد الخشبية في المقاهي ورأي بين مظاهر الكرنفال مخاط بقرة أبيه، وعقاله وهو يتأرجح علي قفا عنقه.وخليل حاوي قال تولد الفكرة في بيروت بغياً، ثم تقضي العمر في لفق البكارة، ولم يكن حاوي يوحي لقارئه بأنه يتحدث عن بحيرة أخيلوس الاغريقية، التي تستعيد فيها البغايا بكاراتهن وتتطهر في مائها السحري الكائنات..بيروت كما هي وخارج الاختزال واسقاطات الكبت مدينة فيها الحب والكراهية وفيها الشفق والغسق والبومة والحمامة وفيروز ومحترفو الاغتيال، فيها الصباح المبلل بالندي والظهيرة المبللة بالدم، وفيها العسل والسم، لأنها مدينة لم تستأصل احشاءها بحيث تصبح جاهزة للتصوير فقط.وما نخشاه، هو أن تستمر متوالية نزع الاحشاء من البشر والمدن والقضايا الحيوية في ثقافتنا التي اعلنت طلاقا بائنا بينها وبين الواقع الحي، لصالح علاقة وهمية مع منظومة من المفاهيم المجردة والمترجمة، والمحلوم بها شعريا علي سبيل الغناء الأفقي كم بيروت في بيروت إذن؟ إذا احتكمنا الي مقتربات شعرية متورطة بثقافة سياحية؟أليس من حق البيروتي أن يسأل نفسه والآخرين هي بيروت من؟بيروت المقاول الذي يحلم بمزيد من الدمار من اجل المزيد من البناءأم بيروت المقاوم؟علي الأرجح أن لكل منا بيروته في هذه الغابة التي ما تزال تبحث عن طريق!!ہ شاعر وكاتب من الاردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية