«بيلي ذا كد»… الفتى الذي دوخ الغرب الأمريكي

■ إذا تمعنا النظر في الصورة أعلاه فإننا لا نرى أكثر من فتى رث الثياب قصير القامة ولا يتمتع بأي علامة من علامات الوسامة. ولكن هذه الصورة بيعت عام 2011 بمبلغ مليونين وثلاثمئة ألف دولار، لأنها كانت الصورة المؤكدة الوحيدة لفتى صغير يدعى «بيلي ذا كد». وكان هذا الفتى أحد أشهر الشخصيات في التاريخ الأمريكي الحديث، وظهرت شخصيته في أكثر من خمسين فيلما، كان منها خمسة عشر فيلما عنه بشكل أساسي، حيث مثل دوره بعض أشهر نجوم هوليوود مثل بول نيومان وفال كيلمر. يضاف إلى ذلك عدد كبير من المقالات والكتب وحتى الأشعار والأغاني، كان هذا الفتى أشهر شخصية في تاريخ الغرب الأمريكي، لم يسرق بنوكا أو قطارات، ولم يغتصب فتاة ولم يكن قاتلا محترفا، بل ركز نشاطه على النيل من أعدائه، وكل من حاول الاعتداء عليه أو على أصدقائه، ولم يَقتل أحدا غدرا ابدا، ولكنه قُتِلَ غدرا. والغريب في الأمر أن «بيلي» عرف بشخصيته اللطيفة، وعدم إزعاجه للآخرين، ولكن الويل لمن يهاجمه، فلم يعرف الفتى معنى كلمة التراجع أبدا، وكانت مهارته في استعمال السلاح الناري كبيرة. وتوضح الشهرة الهائلة لـ»بيلي ذا كد» شغف المجتمع الأمريكي بالشخصيات الإجرامية في التاريخ، ويعد هذا ظاهرة درسها المحللون النفسيون بكثافة، ونجد مثيلتها في مختلف أنحاء العالم.

الممثل الأمريكي بول نيومان في دور «بيلي ذا كد»

قد يكون أشهر فيلم عن «بيلي ذا كد» ذلك الذي مثله النجم الأمريكي بول نيومان عام 1958. وكان اسم الفيلم «المسدس الأعسر» حيث اعتقد مؤلف قصة الفيلم أن «بيلي» كان أعسر، على الرغم من نفي بعض المؤرخين لذلك. وتدور أحداث الفيلم عن رجل أعمال وتاجر أبقار إنكليزي كبير في السن، يوظف لديه بعض رعاة الأبقار، وكان أحد هؤلاء «بيلي». ويدخل الإنكليزي في صراع ضد تحالف من كبار تجار الأبقار المحليين، الذين يسيطرون على المدينة برجالهم وأموالهم، إلى درجة جعلت مدير الشرطة والقاضي في البلدة يأتمران بأمرهم. وينجح التحالف بقتل الإنكليزي في كمين. ولكن «بيلي» وبعض العاملين السابقين لدى الإنكليزي يقررون الانتقام من القتلة. وتبدأ حرب شعواء بين الطرفين يُقتَلُ فيها مدير الشرطة الفاسد، ولذلك يصبح «بيلي» مطلوبا من قبل السلطات كمجرم قاتل، ويعين مدير شرطة جديد كان صديقا سابقا لـ»بيلي» وينجح في إلقاء القبض عليه، ولكن «بيلي» ينجح في الهروب بطريقة جريئة أدت إلى مقتل اثنين من الشرطة. وبعد مطاردة شيقة ينجح مدير الشرطة المذكور في قتل «بيلي» بعد أن نصب كمينا له حيث بدا «بيلي» وكأنه قد يئس من الحياة وأراد الموت، وينتهي الفيلم هنا.

الأفلام السينمائية وسيلة للترفيه قبل أن تكون وسيلة لسرد وقائع تاريخية، ولذلك فإن الفيلم الذي مثل فيه بول نيومان لم يكن مقنعا على الرغم من براعة الممثل في تمثيل الشخصية الاعتدائية.

إن الأفلام السينمائية وسيلة للترفيه قبل أن تكون وسيلة لسرد وقائع تاريخية، ولذلك فإن الفيلم الذي مثل فيه بول نيومان لم يكن مقنعا على الرغم من براعة الممثل في تمثيل الشخصية الاعتدائية. ولكن نظرة واحدة على بول نيومان تجعلنا نتساءل عن سبب تسمية «بيلي» بالفتى الصغير، حيث كان الممثل نيومان في الثالثة والثلاثين من عمره في الحقيقة ما يجعل تسميته بالفتى الصغير غير ملائمة، لأن «بيلي» كان في الحقيقة قد قُتِلَ عندما كان في الواحد من العشرين. كما بدا بول نيومان الوسيم وكأنه عارض أزياء في ملابس ملونة ونظيفة ومتنوعة، بينما لم يمتلك «بيلي»، الذي عاش في فقر مدقع، سوى الملابس التي كان يرتديها ومسدسه «الكولت» وبندقيته «الونشستر» وحصانه، بالإضافة إلى معاناته من سوء التغذية. وعلى الرغم من تعدد القصص حول تفاصيل مقتله، فإنه لم يكن يحاول التضحية بنفسه بطريقة استعراضية كما ظهر في الفيلم.
يعتبر «بيلي ذا كد» أشهر شخصية في تاريخ الغرب الأمريكي بدون منازع، حيث كتب الكثير عنه أثناء حياته في جميع أنحاء البلاد، وبلغت شهرته إلى درجة أن الكثيرون في الولايات الغربية مثل كاليفورنيا ونيفادا شعروا بالارتياح عند انتشار خبر مقتله، لكونه أشهر شخصية عنيفة في الغرب الأمريكي.
بدأت القصة الحقيقية لهذا الفتى عندما ولد عام 1859 في ولاية نيويورك الأمريكية لأسرة فقيرة جدا، كانت قد هاجرت من أيرلندا هربا من مجاعة هائلة بسبب فشل محصول البطاطا في منتصف القرن التاسع عشر، التي أدى إلى دفع بالملايين من الفلاحين الأيرلنديين إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت في أمس الحاجة إلى أيدي عاملة رخيصة للعمل في المدن والريف هناك، وقد ساهم الأيرلنديون بشكل كبير في نهضة الولايات المتحدة.
بعد أن توفي والدا «بيلي» عندما كان مراهقا صغيرا، اختلط باصحاب سوء وتبلورت الشخصية المشاكسة لديه، التي أخذت تنمو بسرعة ودخل في مشاكل كثير جعلته يلجأ إلى حياة التنقل من مكان إلى آخر، وكانت أول جريمة قتل له عندما هاجمه شخص ضخم الجثة وأوسعه ضربا، فاضطر إلى قتله بمسدسه. وانتهى به المطاف في ريف بلدة «لنكولن» الواقعة في ولاية نيومكسيكو الأمريكية. وكانت تلك البلدة تشهد توترا حادا في تلك الفترة، حيث كان الاقتصاد المحلي تحت السيطرة الكاملة لتحالف مكون من ثلاثة من كبار رجال الأعمال، الذين كانوا يسيطرون على تربية الأبقار وتجارة اللحوم وتزويد الجيش الأمريكي في المنطقة باللحوم. وكان هذا التحالف يمتلك المتجر الوحيد في البلدة، ويسيطر على مدير شرطتها وقاضي محكمتها. وقد استمر الوضع على هذا المنوال حتى وصول رجل أعمال إنكليزي شاب، وليس عجوزا كما ظهر في الأفلام السينمائية، يدعى «تنستول» الذي خلط أوراق اللعبة، وحاول منافسة التحالف في عملهم، حيث أخذ يربي الأبقار ويبيع لحومها. ولذلك قام بتوظيف بعض الشباب كرعاة بقر، وكان من هؤلاء شابا ضئيل الجسم يدعى «بيلي» الذي عمل بتفان وإخلاص، وعرف بطبيعته الاجتماعية وحسن معشره. وأسس رجل الأعمال الإنكليزي متجرا لينافس متجر التحالف القائم ولاقى نجاحا كبيرا نظرا لأسعاره المعقولة، ما أثار غضب تحالف رجال الأعمال. ولم يتحمل أعضاء التحالف هذه المنافسة طويلا، فبعد محاولات لتضييق الخناق على الإنكليزي قرروا التخلص منه بقتله، ووقعت مهمة تنفيذ هذه المهمة على عاتق مجموعة من القتلة المحترفين، وانضم إليهم مدير شرطة المنطقة. ونجحت المجموعة في مسعاها حيث نجحت في نهاية المطاف في اغتيال الإنكليزي في كمين نصبته له في الثامن عشر من فبراير/شباط عام 1878. وفي مثل هذه الحالة فإن العاملين لدى الإنكليزي كانوا سيبحثون عن عمل جديد وينسون الأمر، ولكن «بيلي» ورفاقه استشاطوا غضبا بسبب حبهم واحترامهم للإنكليزي الذي عاملهم بأدب واحترام، واستطاعوا الحصول من موظف في المحكمة على ورقة تسمح لهم بتشكيل فرقة للبحث عن قتلة الإنكليزي والقبض عليهم بشتى الوسائل، وكان هذا الأسلوب قانونيا في ظل قوانين وأعراف تلك الحقبة.

 تناقضت المعلومات عن عدد الذين قتلوا على يد «بيلي»، ولكن العدد الأكثر احتمالا كان عشرة أشخاص. وقد ظهر «بيلي» في العهد الذهبي للغرب الأمريكي الذي برزت خلاله عدة شخصيات عنيفة.

وهنا بدأ ما يعرف بحرب مقاطعة لنكولن، حيث حصلت مواجهات بين الطرفين أدت إلى مقتل مدير الشرطة وأحد مساعديه. وعين مدير شرطة جديد واتهِمَ «بيلي» واثنين آخرين بقتل مدير الشرطة، وصدرت أوامر بإلقاء القبض عليهم. وتطور الأمر عندما دخلت مجموعة «بيلي» المدينة ليواجهوا خصومهم ومدير الشرطة الجديد في المدينة، واندلعت معارك استمرت خمسة أيام. وانتهت المواجهات بتدخل فرقة من الجيش الأمريكي بناء على طلب مدير الشرطة الجديد. وهرب «بيلي» من المدينة إلا أن السلطات كانت في أثره، وبعد عدة تطورات نجح أحد رجال الشرطة في قتل «بيلي» في كمين في الرابع عشر من يوليو/تموز عام 1881 وتناقضت القصص في تفاصيله. ولكن مقتل «بيلي» لم يمر بسلام، حيث اتهم الكثيرون رجل الشرطة ذلك بالجبن لأنه قتل «بيلي» غدرا. ولذلك فقد اضطر رجل الشرطة المذكور إلى الاتفاق مع أحد الكتاب المحترفين لكتابة ونشر ما حدث حسب وجهة نظره، لدرء تهمة الجبن. ولم تنته قصة «بيلي» هنا، بل توسعت شهرته نظرا لكتابة الصحف الأمريكية عنه، وكذلك القصص الشعبية المطبوعة وهي كتب صغيرة ورخيصة جدا، انتشرت آنذاك بشكل واسع وركزت على أشهر الشخصيات في الغرب الأمريكي في تلك الفترة. وبسبب كون «بيلي» قد قُتِلَ غدرا في الوقت الذي عرفه الناس كشخص مواجه، ولم يسع إلى إثراء نفسه، فقد ساهم كل ذلك في توطيد شهرته وتحويله إلى نسخة حديثة لفرسان العصور الوسطى. وقد تناقضت المعلومات عن عدد الذين قتلوا على يد «بيلي»، ولكن العدد الأكثر احتمالا كان عشرة أشخاص. وقد ظهر «بيلي» في العهد الذهبي للغرب الأمريكي الذي برزت خلاله عدة شخصيات عنيفة، لتصبح ذات شهرة واسعة مثل «بوتش كاسيدي» و»ساندانس كد» و»وايلد بيل هيكوك»، ولكن «بيلي» كان الأشهر. واصبحت فترة الغرب الأمريكي موضوعا دسما للعديد من اشهر افلام هوليوود حتى أصبحت تلك الفترة القصيرة رمز الولايات المتحدة الأمريكية إلى درجة أن أشهر إعلان تجاري في التلفزيون الأمريكي على الإطلاق كان عن راعي بقر أمريكي يدخن سيجارة مارلبورو، واعتبر ذلك الإعلان جزءا من التاريخ الأمريكي، على الرغم من وفاة ممثل الإعلان نفسه بالسرطان بسبب تدخينه للسجائر. ونرى شخصية «بيلي» في فيلم أنتج هذه السنة لا تنتمي قصته إلى الواقع على الإطلاق.
ادعى البعض أن القتيل لم يكن «بيلي» وأن رجل الشرطة، الذي كان يعرف «بيلي» شخصيا، قام بقتل الشخص الخطأ وادعى شرف قتل «بيلي» كذبا. وبعد عشرات السنين وفي ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين ادعى عدة أشخاص أنهم «بيلي» على أساس أنه هرب من الكمين وبقي على قيد الحياة، وتم التأكد من بطلان كل تلك الادعاءات، ولكن إحدى المدن الصغيرة الأمريكية التي ادعى أحد ساكنيها كذبا أنه «بيلي» حاولت استغلال القصة وأسست متحفا لبيلي كي يزورها السياح وتستفيد ماديا.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية