بينما تتجه بلدان المنطقة للدولة المدنية اليمن يتراجع لدولة مذهبية

حجم الخط
0

المتابع والراصد للمشهد اليمني، ولاسيما في جانبه الأمني، سواء تلك الخروقات في العاصمة وفي رابعة النهار، أو ما شهدته بعض المحافظات الشمالية من حروب قبلية ومذهبية بين فريقين يمنيين يشهدان ألا اله إلا الله (بعد تفرج الدولة المركزية المترهلة المشغولة بصراع بين مراكز القوى في ما بينها)، يرى ان تلك الحرب انتهت الى انتصار فريق على آخر، ولكن الحقيقة المؤسفة كانت ان اليمن هو الذي هزم في نهاية المطاف، ذلك انه رغم مشاركة تلك الأطراف في الحوار ولكنها اخذت تسابق الزمن في احداث تغيرات ديموغرافية على الأرض بإعادة التموضع لفرض واقع تنطلق سياسيا من خلاله، والحال ان من مصلحة أي تيار او حزب أن يترك اثراً لدى الناس، فلا يعني الاختلاف المذهبي أن تُفرض رؤية طرف على آخر، بل يجب على كل المختلفين أن يدركوا أن المجتــــمع المتنوع يُفترض أن يكون عامل تلاحم وتكافؤ وليس تفرقة، طالما كل اليمنيين من قومية وملة واحدة، فمتى يدرك اليمنيون أهمية الدولة المدنية. ان إقصاء أسرة الأحمر في اتفاق المتصارعين يوحي بأن القبــــيلة تسير في طريق إعادة هيكلة ستؤدي في نهــاية الأمر الى تراجع الدور القيادي وتقاطعه مع تطلعات الدولة المدنية، ولكن بالمقابل يجب أن يكون الطرف الآخر عند مستوى المسؤولية، وليس فقط يلقي السلاح، وإنما عليه الانصهار في المجتمع وتأسيس حزب مدني وليس عقائديا، فلن تقوم لليمن قائمة إلا بعد تواري الأحزاب الدينية، وكذا تحالف العسكر مع القبيلة، لعل اليمنيين آخر العرب الاقحاح من يدركون أبعاد ومغبة هذا التنافر والاختلاف المصطنع.
تابعت آخر مواقف السعودية من الجماعات الجهادية في بلدها، فقد جرمتهم بحكم القانون، وما قوانين تجريم من يعلن الجهاد داخل المملكة وخارجها بعقاب السجن لعدة سنوات، وهذه التحولات تستهدف بعض الشباب السعوديين الذي غادروها لسوريا وغيرها للجهاد، اللافت أن السعودية طغت طموحاتها السياسية على عقيدتها، وقبل سنوات قيل للشيخ مقبل الوادعي مؤسس دار الحديث في دماج بأنه وهابي يميل للسعودية، فأجابهم بان السعوديين ليسوا وهابيين وانما هم أمريكيون! مضيفا أن السعوديين الأوائل هم من يستحقون أن يلقبوا بالوهابيين. ومن هنا بدأ الخلاف وعدم قبول احدهما للآخر. بمرور الزمن وخلال العقود الأخيرة طغت الاعتبارات السياسية على الأيديولوجية العقائدية، وهذه خطوة علمانية، من دون أن يصرحوا بها، وهم بهذا يسيرون في اتجاه يخدم دولتهم أفضل مما هو في اليمن، واجمالا وفي قراءه لتلك التشريعات يفهم بأنها تنطوي على مصلحة داخلية من وجهة نظرهم، ويؤكد ان السعودية ليست ذلك النظام الثيوقراطي الذي ترسخ في أذهاننا تطبيعه بتلك الهالة الدينية، فقد انسلخت مصالح السعودية السياسية عن مفاهيمها الأيديولوجية والعقائدية، التي بنيت عليها الدولة السعودية الحديثة مطلع القرن المنصرم، وهذا يحسب لها وليس ضدها، فهي وفق هذه الخطوات إنما تفصل الدين عن السياسة وليس فقط المذهب، الذي تختلف مع من في الضفة الأخرى من الخليج، بل مذهب الدولة نفسها، فعندهم لا شك تنوع مذهبي في الشرق والجنوب، وهم ليسوا لونا واحدا كما يعتقد، ومن هنا فيمكن وصف سلوكها وتشريعاتها الأخيرة بانها تندرج في الانحياز للعلمانية، من دون التصريح بذلك، بينما جيرانها اليمنيون يتشبثون بالشعارات السياسية والدينية منذ أكثر من نصف قرن.
وواقع الحال ان اليمن لم يكن يوماً ما جمهورية يُقتدى بها ولا ديمقراطية مشهودا لها، ولا حتى وحدة عادلة منصفة توقع لها البقاء والصمود، دولة وحدة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، لقد وئدت الوحدة بيد صانعيها فاستحوذت عليها أقلية تحالفت مع القبيلة والمصالح الحزبية الضيقة بحيث غدا الحزب الحاكم هو الحزب القائد على غرار الأنظمة الشمولية الكلية، وكأنه صانع المعجزات، غير مدركين أن ذاكرة اليمنيين ربطت تلك الفترة بالظلم والإقصاء والاستحواذ ونهب الأراضي وتسريح إخوانهم من المحافظات الجنوبية، وهم في عز عطائهم بتلك المسميات التي غدت مجرد حبر على ورق، وغدت العاصمة مستقطبة لكل شيء وكل تفاصيل الدولة، مما ساعد على تمركز الحكم في يد تلك الأقلية، لذا فقد كان رد فعل النخب اليمنية والضمير اليمني متطرفا فاتجه لأسلوب مغاير للمنطق بتقسيم الوطن وتجزئته، لأنه لم يعد واثقا من حكامه، لان من عبث بالوطن لعقود، لازال يملك السلطة والمال والقوة بل ووسائل التدمير، ومن هنا فلا حرج عندما يلاقي خبر تفكيك اليمن ترحيبا من البعض، سواء كان على أساس إقليمين أو أكثر، فالعبرة ليست بالأقاليم ولا بتقسيم وتقزيم الوطن، الإشكال في طريقة الحكم وعقلية الحاكم والأحزاب الفاشلة التي تحكمت في مصير الأمة، فالأحزاب اليمنية برمتها من دون استثناء ليست ديمقراطية، ولذا يفترض ليس فقط تجديد قيادتها، بل انتقاد سياستها في المراحل السابقة، وإلا لماذا الإقرار بمظلومية الجنوب (وصعدة) والقيام بسلسة تشريعات ومراسيم للملمة أخطاء الماضي، وفي نفس الوقت لازالت تلك القوى متصدرة للمشهد. الفارق الوحيد إنها تشتت وغدا العداء في ما بينها. إن الإحداث الأخيرة بين قبائل حاشد والحوثيين التي انتهت بانتصار فريق على آخر وقبلها على السلفيين، ومن ثم اتفاق حاشد مع الطرف الآخر بغياب شيخها التقليدي، إنما يوحي ذلك بأن القبيلة ذاتها ستشهد ربما تحولات مماثلة وتسير في إعادة هيكلة.
وفي مقارنة بين الدول التي شهدت عواصف ما سمي بـ(الربيع العربي) ودول أخرى مستقرة، نرى أن الأخيرة لم تشهد نزاعات مذهبية او صراعا بين الإسلاميين والعلمانيين، وهو الأمر نفسه في مقارنة بين اليمن وجارته السعودية، وبغض النظر عن الفوارق الاقتصادية، نرى أن الدولة السعودية أرست أسس دولة منذ مطلع القرن الماضي، واليوم فيها أنظمة وقوانين تتطور مع الأيام وبدأت تتفاعل مع المجتمعات الأخرى بصورة لا تتنافى مع مبادئها، وفي الإجمال لديها هيبة القانون والدولة، رغم انه لا يوجد لديها دستور وإنما نظام داخلي يحدد بسلاسة أساليب انتقال السلطة، فالقوانين إجمالا لها حضورها وقوتها والجندي وشرطي المرور له هيبته، وكان بامكان الدولة اليمنية ان تتماثل مع تلك الدول، بل وتتفوق عليها لو بقي النظام الملكي، وكان سيستمر تخلف اليمن كجيرانه في الستينيات وينهض مرة واحدة بعد عقد واحد، أي مطلع السبعينيات، ذلك أن بضع سنوات أعقبت الثورة اليمنية لم نحصد منها إلا حربا أهلية بفعل الاستقطاب السياسي الإقليمي والدولي، فربما كان اليمن بعد خمسين عاما من ذلك الزلزال شيئا آخر، ورغم ذلك فلا ينبغي جلد الذات والتغني بالماضي فلن يعود ولا يمكن استنساخه اليوم بأي حال من الأحوال، لقد كان أول درس للسعودية في مطلع الستينيات هو الاستفادة من أخطاء الأسرة (المتوكلية) في صنعاء، ومن ثم الأخطاء التي رافقت ثورة اليمن، وها هي الملكيات العربية اليوم، سواء النفطية او سواها، استفادت من تداعيات ثورات ما عُرف بالربيع العربي فأسرعت لإصلاحات عاجلة وتصالحت مع مجتمعاتها.

‘ كاتب وسياسي يمني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية