لندن ـ «القدس العربي»: بدأت العواصم الكبرى في الغرب تشير إلى فرضية الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتأتي هذه الخطوة في وقت ترفض فيه وقف إطلاق النار بل وتتخذ خطوات خطيرة نحو إفراغ قطاع غزة من نسبة هامة من ساكنتها.
وفي صراع مثل القضية الفلسطينية، التي تجمع بين الجيوسياسي والثقافي والديني، تخضع لحسابات بعيدة المدى وتتطلب استحضار الأحداث التاريخية لفهم أعمق. ويمكن الاستشهاد بثلاث حالات بين الأمس غير البعيد واليوم، حيث كان خطاب الدول الغربية شيء وواقع ممارساتها شيء آخر. وتتجلى الحالة الأولى في تطبيق الاتفاقية السرية «سايس بيكو» بشأن تقسيم العالم العربي بداية القرن الماضي، وحدث هذا في وقت كانت باريس ولندن تدعيّان الدفاع عن حرية الشعوب العربية من الهيمنة العثمانية. وتتعلق الحالية الثانية بتصميم الغرب على زرع إسرائيل في المنطقة للتخلص من العنصري اليهودي من جهة، ودق مسمار جحا في الشرق الأوسط حتى تبقى الدول العربية رهينة صراع ديني أبدي، وهذه الحالة ما هي سوى تكملة للأولى. بينما الحالة الثالثة هي الوهم الذي تم بيعه للعرب في مؤتمر مدريد للسلام واتفاقيات أوسلو بإقامة دولة فلسطين وإعادة الجولان، ونفذت إسرائيل سياسة معاكسة بدعم من الغرب.
ومنذ انفجار النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي في صيغة جديدة بعد 7 أكتوبر، طوفان الأقصى، يبدو واضحا للعيان استمرار السياسة المنحازة للغرب وهذه المرة بشكل وحشي لإسرائيل في خرق لكل المواثيق الدولية. وهذا الخرق الفاضح يبرز تصميم الغرب على محاولة إفراغ قطاع غزة من الفلسطينيين وتصبح إسرائيل دولة ذات مساحة أكبر. واتخذ الغرب ثلاثة قرارات دالة للغاية في هذا الشأن، ويبقى تطبيقها رهينا بمدى صمود المقاومة في وقت انسحبت غالبية الدول العربية حتى من الضغط الدبلوماسي، والقرارات الثلاثة هي:
تزويد إسرائيل بالسلاح
منذ 7 أكتوبر وبدون انقطاع، قامت الطائرات الأمريكية بأكثر من 240 رحلة لنقل العتاد العسكري للجيش الإسرائيلي. وبدورها، خرقت ألمانيا تعهداتها ووافقت على عشرات الصفقات لإسرائيل، علما أن القانون الألماني لا يسمح بتصدير السلاح إلى مناطق النزاع حتى لا يسقط الأبرياء وخاصة الأطفال والنساء والشيوخ. وعمليا، هذا جزء مما تسرب من صفقات الأسلحة الغربية لإسرائيل منذ 7 أكتوبر، وعندما سيتم إزالة الستار عن الوثائق السرية خلال السنوات المقبلة، سيندهش الرأي العام من حجم الأسلحة الغربية وكذلك القوات الخاصة الغربية التي ساهمت في الحرب ضد الفلسطينيين. ويؤكد الغرب بسياسته هذه أنه لن يترك إسرائيل تخسر في هذه الحرب مهما كلف الثمن.
معارضة وقف الحرب
بالموازاة مع إرسال السلاح إلى إسرائيل رغم التفوق العسكري الكبير لجيش الاحتلال مقارنة مع الفلسطينيين، تعمل مختلف عواصم الغرب الكبرى من واشنطن ولندن وبرلين وحتى باريس على إفشال أي عملية وقف إطلاق النار. وتتخذ هذا الموقف رغم أن الأمر يتعلق بجيش يصنف ضمن الجيوش العشرين الأولى في مواجهة حركة مسلحة. وهذه الحرب تعني وفق الخبراء ومنهم عقيد الاستخبارات السويسرية السابق وأحد مسؤولي الأمم المتحدة منذ سنوات عن حل النزاعات جاك بود بأن الجيش الإسرائيلي ينهج حرب الانتقام وهذا لا يليق بجيش يفترض أنه لدولة ديمقراطية بل لا يليق نهائيا بالجيوش. إصرار الغرب على معارضة وقف إطلاق النار يعني الترخيص لإسرائيل بتحقيق هدفين وهما: من جهة، الرفع من عدد الضحايا، فقد تجاوز 27 ألفا، ومنهم أكثر من عشرة آلاف طفل، ويعني القضاء على عشرات الآلاف من العائلات مستقبلا، ومن جهة أخرى، تدمير البنى، وهذا يعني تشريد الشعب الفلسطيني ودفعه تحت قوة الظروف الجديدة إلى الهجرة عن قطاع غزة.
تفكيك الأونروا
كان وزير الخارجية الإسباني مانويل ألباريس حكيما بقوله الاثنين الماضي إن «التورط المفترض لـ 12 شخصا من أصل 30 ألف من موظفي وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في 7 أكتوبر لا يعني إنهاء عمل هذه الوكالة الهامة جدا». ويسود نوع من الاستغراب كيف أن الدول الغربية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا واستراليا وكندا سارعت بشكل مثير للدهشة إلى تعليق مساعداتها المالية في الأونروا، وهي تشكل أكثر من الثلثين. وجاء القرار بعد تصريح من إسرائيل في اشتباهها بتورط أعضاء من هذه الوكالة في طوفان الأقصى. لم تنتظر الدول الغربية نتائج التحقيق، بل تبنت الرواية الإسرائيلية بسرعة، في وقت رفضت قرار محكمة العدل الدولية الجمعة من الأسبوع الماضي الذي يطالب إسرائيل بتجنب وقوع حرب إبادة في قطاع غزة.
كل هذه التطورات تبرز وجود مخطط غربي واضح بدفع أعلى نسبة من الفلسطينيين لمغادرة قطاع غزة وتجريد المقاومة الفلسطينية من السلاح حتى لا يستطيع الفلسطينيون المقاومة كما يجري الآن. وهكذا، نجد الغرب يبحث سرا مع دول عربية تهجير الفلسطينيين بل ويتطوع لاستقبال عشرات الآلاف، ومن جانبه، يقترح وزير خارجية بريطانيا ديفيد كاميرون ترحيل المقاومة المسلحة من قطاع غزة، وأخيرا يأتي قرار مقاطعة الأونروا لإجبار الفلسطينيين على الرحيل.
وعليه، لا يمكن قراءة قرار الدول الغربية الكبرى الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلا على ضوء الاتفاقيات التاريخية السرية مثل «سايس بيكو» ثم محاولة التخفيف من صورتها البشعة لدى الرأي العام غير الغربي بسبب انحيازها الأعمى لإسرائيل.