فون كلايست
في زَخَم تحوّلات الحياة التي يعيشها الإنسان، تخطر له أفكار حول جدوى هذه الحياة، أحياناً تكون سلبيةً، وأحياناً تكون إيجابية وفق التقلّب الذي يكون فيه الإنسان.
مع القاص والشاعر والمسرحي الألماني هاينرش فون كلايست نقف أمام تجربةٍ لها خصوصيَّتها في العِلاقة مع الحياة، حيث عاش عمره القصير في عزلةٍ عن الأضواء، وانتحر مبكّراً عن 41 سنة.
يشرح كلايست سبب ميوله إلى الموت قائلاً في رسالة إلى أخته أولريكه بتاريخ 26 أكتوبر/تشرين الأول 1803:عزيزتي.. إن ما سأكتبه إليك قد يكلفك حياتك، لكني لا بد.. لا بد.. لا بد من أن أكتبه إليك. لقد تناولت في باريس عملي على قدر ما تم فيه، وراجعته ورفضته، ثم مزقته. والآن انتهى كل شيء. إن السماء تحرمني من الشهرة، من أعظم نعمة في الدنيا، ولهذا فإنني ألقي إليها كالطفل العنيد بكل النعم الأخرى، ولهذا فإنني ألقي بنفسي إليه، هو الموت الجميل على أرض المعارك.. إنني أبتهج بالتفكير في القبر ذي العظمة اللانهائية.
مع هاينرش ندخل إلى تفاصيل عالم شخص بالغ العبقرية مجبل بالحساسية والتوتر والآلام الكبرى، إنه لا يرى مخرجاً من كل تلك الاضطرابات إلا بالموت وهو يكتب عن الأوتار الأكثر حساسية في هذا الأمر، أعني جوهر العلاقة بين الإنسان والحياة. كلايست وهو يحاول أن يقدم مفهومه هذا يقدم لنفسه قناعة كاملة عن جدوى هذا المفهوم، ويدعو الآخرين أن يشاركوه هذا المفهوم، حتى إنه في المناسبات السعيدة يقول للعروسين مثلا: أتمنى لكما موتا سعيداً. وكتأكيد على انسجامه التام مع مفهومه يتوسل كلايست بإلحاح إلى كارولين فون شيلر لتقبل أن تكون شريكته في الانتحار بيد أنها ترفض هذا العرض، وترفض متعة تلقي رصاصة الموت كما يقول لها، ولا تتردد من أن تنفصل عن صداقته لأنها مولعة بحب الحياة.
ويلجأ كلايست إلى صديقه روهلة قائلاً: هناك فكرة لا تفارق ذهني، وهي أنه لنا أن نقوم مرة أخرى بعمل مشترك فهلم، ولنقم بعمل حسن ونموت معه، نموت إحدى ميتاتنا التي تُعد بالملايين التي متناها، والتي سنموتها بعد، وأن الأمر يشبه خروجنا من غرفة ودخولنا في أخرى.
لكن روهلة أيضاً يرفض ذلك ويبتعد عنه لأنه شديد التعلق بالحياة.
يكتب كلايست في رسالة إلى إحدى الصديقات العزيزات لديه: فلتهب لك السماء موتاً فيه شطر من البهجة والمرح اللذين لا يوصفان، واللذان يوجدان في موتي، وهذه هي أكثر الأماني التي أستطيع أن أتمناها لك حرارة ًوعمقاً.. ويصف كلايست لحظات موته قائلاً:
الآن أيهذا الخلود أصبحت لي كلـك
فأنت تنفذ بشعاعك من خلال العصابة على عيني
مرسلا بهاء الشمس المتضاعفة آلاف الأضعاف
لقد نبت لي جناحان على كاهلي
وها هي ذي روحي تحلق في مجالات الأثير الساكن
وهي ترى مدينة الميناء اللاهية تغوص
كسفينة تخطفها نسائم الريح
وكذلك تتوارى عني كل حياة
غائبة في الغسق
أمّا الآن فما زلتُ أميّــز الألوان والأشكال
والآن أخلّـف كل ضباب تحتــي.
إن ما يدفع كلايست إلى الموت هو هذا الألم الذي يستوطن روحه فيشعر بأنه فقد كل شيء بشكل مطلق، ولم تعد الحياة تحمل إليه غير المأساة.
إنه يناشد الخلاص في الموت، ولأنه لا يريد الاستسلام إليه مرغماً، أو مهزوماً كما ينهزم الجنود في الحروب الخاسرة أو يستسلمون، فإنه يقوم بالاستعدادات للرحيل الأخير ويريد أن يصطحب معه مَنْ يحب.
وإذا نظرنا في رسائله سنعثر على حجم الألم الهائل الذي يعيشه لحظة بلحظة، يقول: لقد أصاب الجرح روحي حتى لأكاد أقول إنني حين أخرج أنفي من النافذة يؤلمني ضوء النهار الذي يلتمع في وجهي.
لكنه في النهاية يرى المرأة التي أصاب الجرح روحها كذلك فتقبل أن تشاركه الانتحار وهي امرأة أصيبت بداء السرطان ويئست من الشفاء، فيتخيل كلايست لحظة إطلاق الرصاص عليها سيكون /ضريحها أحب من أسـرّة كل الإمبراطورات في العالم. ثم يكتب رسالته الأخيرة إلى أخته: إلى أولريكة فون كلايست، إلى صاحبة العصمة، لا يمكنني أن أموت قبل أن أتصالح راضيا تماما على نحو ما أنا الآن مع الدنيا كلها، وبالتالي وقبل كل شيء آخر معك يا أولريكة يا أعز الناس عندي. دعيني أرجع عن التعبير القاسي الذي ضمنته خطابي إلى آل كلايست.. لقد فعلتِ، لا أقول أقصى ما يمكن أن تفعله أخت، بل أقول أقصى ما يمكن أن يفعله إنسان لإنقاذي. والواقع أنه لم تعد في الدنيا وسيلة لمساعدتي، والآن أقول لك وداعاً ولعل السماء تمنحك ميتة فيها نصف ما في ميتتي من الفرحة والبشاشة التي لا سبيل إلى التعبير عنها، هذه هي أخلص وأحب أمنية أستطيع أن أتمناها لك.
أخوك هاينرش / شتيمينجس- قرب بوتسدام / صباح يوم موتي
ثم ينشد كلايست نشيد الموت الأخير في حياته وهو يخاطب هذه المرأة التي وضعت يدها بيده:
قفــي وانتصبي صامدة مثلما تنتصب القبة
لأن كلاًّ يريد أن يهد لبناتها
وقدّمـي هامتك كحجر البناء الأخير
إلى بروق الآلهة وناديها: فلتصيبي
ودعي النفس تتصدع حتى القدمَين
ما دامت نفحة من ملاط وحجــر
متماســكة في هذا الصدر الفتــي.
في كل الأحوال فإن فكرة الانسحاب من الحياة هي فكرة غير مجدية، لأن الحياة تبقى مُتجدّدة ولا ثبات فيها، سواء على الأفراح، أو على الأتراح.
وقَد عانى فرانز كافكا، ربما بشكل أشدّ من كلايست، والتشابه قريب بين كافكا وكلايست في الحساسية المُفرطة، والعزلة، والمعاناة الشديدة، وتداعيات فكرة الانتحار، والفشل في تكوين عائلة، وما إلى ذلك.
لكن صاحب رواية «المسخ» التشيكي الذي كتب بالألمانية، واجه الحياة، بل واجه فكرة الانتحار، وهو القائل: (لقد عانيت طوال حياتي وأنا أتهرب من الانتحار) فكان يكتب ويعيش الحياة من خلال الكِتابة. يقول: (أود اليوم أن نزع عن نفسي بالكتابة كل حالة القلق فأنقلها من أعماقي إلى أعماق الورق). وهكذا تحوَّلَت الكتابة عنده إلى كفاحٍ من أجل البقاء كما يقول: (أنا أكتب على الرغم من كل شيء وبأي ثمن، فالكتابة كفاحي من أجل البقاء).
وتشتدّ عليه ظروفُه القاسية حتى داخل البيت من أبيه، فيصف مأساته: إن أوضاعي لا تحتمل لأنها تتناقض مع رغباتي وميولي الوحيدة، وأعني بذلك الأدب، الأدب هو كياني، ولا أريد، ولا أستطيع أن أكون غير ذلك).
ويمكن ملاحظة أن كافكا يلجأ إلى موت أبطالِه، ويقول في رسالة إلى صديقه ماكس برود وقد أرَّخها في 13 ديسمبر/كانون الأول 1914 ويطلب منه أن يُضيفها إلى مذكراته التي كان قد أعطاها لصديقه: (لقد نسيت أن أضيف، وتقصدت هذا النسيان في ما بعد، أن خير ما كتبته له دوافعه في قابليتي لأن أستطيع الموت مسرورا وفي جميع هذه المقاطع الجيدة المتسمة بالإقناع القوي، كان المقصود على الدوام شخصا يموت ويجد أن الموت صعب، وإنه ظلم، أو على الأقل نوع من القسوة يقع عليه، ما يجعل ذلك في رأيي على الأقل يؤثر في القارئ.
أما بالنسبة إليّ، أنا الذي اعتقد إني سأكون مسرورا على سرير الموت، فإن مثل هذه الأوصاف لا تشكل أكثر من لعبة خطيرة خفيفة، لهذا السبب أستغل بدقة انتباه القارئ المركز على الموت، فأنا في حالة فكرية تفوق صفاء، وأحسب أنه سيشكو على سرير الموت أما أنا فشكواي ستكون والحالة هذه أكمل شكوى ممكنة لأنها لن تتفجر في فجاءة الشكوى الواقعية، بل ستتم في جو من الجمال والصفاء). بعكس ماركيز الذي كان يحاول ما أمكنه أن يجعل أبطاله يعيشون، وإذا اضطر إلى ذلك كان يُصاب بالذعر عندما يقتل شخصاً في عمله الروائي. يقول ماركيز: (إنني أرفض أن أخلق أبطالي وأدعهم يتطورون كي يموتوا فقط، إنني لا أخلقهم من أجل هذا الغرض.. إنهم يتطورون كي يعيشوا، لكن فجأة يظهر هذا الموت المقيت ويفسد كل شيء). ويقول: (أنا مولع بالحياة، الحياة هي أفضل ما وجد على الإطلاق، بهذا المعنى يبدو لي الموت شيطاناً رهيباً، إن الموت بالنسبة لي هو النهاية، انتهاء كل شيء، إنه أكبر مصيدة على الإطلاق).
هي الحياة التي تبقى جميلة وجديرة بأن تُعاش بكل ما فيها من تحوّلات.
كاتب سوري