تونس – «القدس العربي»: على شرفة إحدى المدارس التونسية تتدلى صورة ضخمة للشهيد يحيى السنوار إلى جانب عبارة «لا تختبروا صبر غزة، فغزة نار تحت الرماد»، وتختزل هذه الواقعة ثقافة متأصلة في وجدان التونسيين وهي «عشق فلسطين»، تستند إلى تاريخ طويل امتزجت فيها دماء الشعبين في ملاحم عدة.
ويبدو أن عملية طوفان الأقصى كرست هذه الثقافة لدى الأجيال الجديدة في تونس، حيث سرقت جماهير كرة القدم الأضواء بلوحاتها الفنية (التيفو) في المدرجات، والتي حملت رسائل دعم المقاومة الفلسطينية وتنديد بالعدوان الإسرائيلي على غزة، وانسحب هذا الأمر أيضا على «الكراكاج» أو «دخلة الباك» وهي الحفل الفني الذي يسبق امتحانات الشهادة الثانوية.
ويقول لواء الدين النابلي، نائب الأمين العام للاتحاد العام لطلبة تونس لـ«القدس العربي»: «منذ الطفولة، تُمثّل فلسطين جزءًا من الهوية التونسية، ليس كمجرد قضية تضامن بل كقضية وطنية، فقد اختلط الدم التونسي بالفلسطيني مرارًا، سواء في الكفاح المسلح أو عند استهداف الاحتلال للأراضي التونسية. لذلك، فإن موجة التعبير عن الدعم بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر لم تكن غريبة بل امتدادًا طبيعيًا لعمق متجذر».
واعتبر أن جماهير الكرة التي تعتبر «الناطق الرسمي» باسم الأحياء الشعبية، شكلت «وقد ألهمت بأساليبها الفنية تلاميذ المعاهد الذين وجدوا فيها نموذجًا يُحتذى. كما ساهمت مواقع التواصل في تسريع هذه العدوى الرمزية، ما حوّل «دخلات الباك» من رسائل متفرقة مرتبطة بالمناطق أو بالتنافس بين المعاهد، إلى آلية تفاعل موحّدة تعكس التزامًا أخلاقيًا وهوياتيًا تجاه قضية إنسانية كبرى».
ويضيف النابلي: «في ظل تراجع الخطاب الرسمي، الذي انتقل من اعتبار التطبيع خيانة عظمى إلى إحباط مشروع قانون تجريم التطبيع وتعطيل حملات المقاطعة الشعبية للشركات المتصهينة، تكثّف وعي الشباب التونسي، خاصة في الفضاءات المدرسية والجامعية، بضرورة لعب دور مباشر في مواجهة هذا التراجع. فوجد التلاميذ والطلبة أنفسهم أمام واجب تعبيري ونضالي، جعل من «دخلة الباك» أداة مقاومة شعبية تُترجم عمق التضامن مع القضية الفلسطينية، وتعبّر عن رفض صريح لأي شكل من أشكال التواطؤ مع السردية الصهيونية». واعتبر الناشط وائل نوار عضو «تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين» أن دخلات جماهير كرة القدم هي «أكثر الأحداث تعبرا عن هواجس ورغبات وآراء الشباب التونسي العازف عن الشأن العام والعمل السياسي، وخاصة بعدما أصيب بالخيبة من الأحزاب والمنظمات، فأصبح يعتمد على التظاهرات الرياضية والدراسية في إيصال رسائله».
وأضاف لـ»القدس العربي»: «منذ 7 أكتوبر لا تخلو أي دخلة أو تظاهرة في الملاعب أو الكليات أو المعاهد من أعلام فلسطين ورموز مقاومتها، وهذا مؤشر واضح على اهتمام الجيل الجديد من التونسيين بالمقاومة الفلسطينية، ويبدو أننا كنشطاء ربحنا هذا الصراع، فقبل طوفان الأقصى كنا نبذل جهدا جبارا لإقناع الشباب بضرورة دعم المقاومة وخطورة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولكن كل شيء تغير نحو الأفضل بعد 7 أكتوبر». وفي السياق، اعتبر نوار أن الخطاب الرسمي «ممتاز على صعيد الشعارات (تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، والتطبيع خيانة عظمى)، ولكنه يفتقر -للأسف- إلى كل مقومات الفعل، فالنظام لم يقم بأي خطوات ملموسة في اتجاه دعم القضية الفلسطينية، فما بالك بدعم المقاومة، كما أن الهلال الأحمر التونسي لا يبذل جهدا حقيقيا في كسر الحصار، والبرلمان التونسي أسقط مشروع قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، كما أن الجيش التونسي لم يعلق أي مناورات مشتركة مع الجيش الأمريكي».
لكن الأمر يختلف على الصعيد الشعبي، فـ»تاريخيا، وقف التونسيون دوما إلى جانب أشقائهم الفلسطينيين، ومنذ بدء الصراع العربي الصهيوني، شارك التونسيون في إيواء المقاومة والدفاع عن الأراضي الفلسطينية، كما قام الكيان الصهيوني باغتيال قيادات فلسطينية وتونسية تنشط مع المقاومة الفلسطينية (على غرار الشهيد محمد الزواري)، كما نجح التونسيون في إلغاء زيارة رئيس وزراء الكيان أرييل شارون للمشاركة في القمة العالمية للمعلوماتية عام 2005، بعدما خاضوا سلسلة احتجاجات تحدى فيها الآلاف المناخ القمعي الذي كان سائدا خلال حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي».