هل أنصف العالم مؤلفي الموسيقى إبّان حياتهم أم بعد مماتهم بزمن بعيد، مثل الرسّام فِنْسَنْت فان غوخ، فلاقَوا حتفهم وفي قلبهم حسرة جرّاء فقرهم؟
يتفاوت مؤلّفو الموسيقى في مدى انتشار قطعة معيّنة من تدوينهم، مثل موريس رافَيل (1875-1937) ورقصته بعنوان “بوليرو” وفي الشهرة، أو انعدامها، المتأتّية عن غزارة إنتاجهم أو شحّته، وفي نجاحهم الماديّ المرتبط بتلك الشهرة إلى حدّ كبير، شأنهم في ذلك شأن الشعراء والروائيين، مثلاً، أو الرسّامين والنحّاتين. فمنهم مَن لم يُشتهر خلال حياته، إذ لم يؤلّف إلا عدداً ضئيلاً للغاية من القطع، مثل النمساوي آنتون فَيْبَرْنْ (1885-1945) الذي تتلمذ إلى جانب آلبان بَيرْكَ (1885-1935) على يد آرنولد شونْبَيركَ (1874-1951). ويشكّل هذا الثالوث ما يُدعى اليوم بالمدرسة الفِيَنّاوية الثانية لتفريقها عن الأولى المكوّنة من هايدن (1732-1809) وموتْسارْت (1756-1791) وبيتهوفن (1770-1827) الذي يحتفل العالم بمرور قرنين ونصف على ميلاده العام القادم، لكن أحداً من هؤلاء لم يُشر يوماً إلى هاتين التسميتين اللتين اصطُلح عليهما لاحقاً. وعلى الرغم من أن فيبرن لم ينشد الشهرة البتّة طوال حياته، فقد فاق تأثيره في مَن عاصره وتبعه من المؤلفين ضآلة إنتاجه أضعافاً. ولا يتجاوز مجموع مُدد عزف مجمل مؤلفاته عن ثماني اسطوانات رقمية، بما فيها ما لم يكن المؤلف نفسه قد حبّذ، أو تفرّغ، لنشره، لسبب أو لآخر، حين باغته جندي أمريكي فأرداه قتيلاً على عتبة داره في حادثة مريعة للغاية في منتصف أيلول/سبتمبر 1945 بعد أن كانت قد ألقت الحرب العالمية الثانية أوزارها ولكن قبل جلاء قوات الحلفاء عن النمسا بعقد من الزمان.
وثمّة مَن اشتُهر أثناء حياته في تأليف أكثر من أربعين عملاً للمسرح الموسيقي، من أوبرا وباليه وموسيقى ترافق المسرحيات وتتخلّلها، وعشرات الأعمال غيرها، مثل الفرنسي جُول ماسَنَيه (1842-1912). لكن العالم لم يشأ أن يخلّده بأكثر من قطعة يتيمة بعنوان “تأمُّل” لا تزيد مدة عزفها عن سبع دقائق، للكمان المنفرد بمرافقة الأوركسترا، مُقتطفة من أوبراه “تايِيَس” (1894)، التي لم يتمّ تقديمها على المسرح على نحو منتظم منذ أكثر من قرن ونيّف!
وثمة حفنة من المؤلفين ممّن حظَوا بالاستقرار المادي جرّاء امتهانهم اختصاصاً ما إلى جانب ولعهم بالموسيقى، مثل الروسيّ ذي الأصول الجورجية ألِكسَنْدَر بَورَودِين (1833-1887)، الذي عمل في مجال الطبّ، إذ أسّس كلية الطب للنساء في سانت بطرسبورغ ودرّس فيها حتى عام 1885، وفي مجال الكيمياء علاوةً على ذلك، حيث كان أوّل مَن بيّن تفاعل الْدَول في الكيمياء العضوية، مثلاً، الذي ينتج عنه ارتباط جزيئة كربون بأخرى، ممّا يشكّل مرجعاً علمياً حتى يومنا هذا. بَيد أنه كان يؤلّف الموسيقى حين يتماثل للشفاء من مرض ما وفي وقت فراغه – ولا أدري أنّى له وقت للراحة، دَع عنك وقت فراغ أصلاً!- وثمة قلّة ممّن أسعفهم الحظ فوُلدوا في عائلة من الطبقات العليا، مثل الروسيّ سَرْجَيه رخمانينوف (1873-1943).
وثمة عدد ضئيل من المؤلفين، يُعدّ على أصابع اليد الواحدة، ممّن لاقَوا قبولاً واحتراماً لدى حكوماتهم بوصفهم ثروة وطنية ينبغي الحفاظ عليها وتشجيعها، بل ومكافأتها سنوياً بمبلغ مجزٍ يمكّن هؤلاء المؤلفين المحظيين من متابعة إبداعاتهم دون الاضطرار للركض وراء لقمة العيش، كما هو الحال مع الفنلندي جان سِيْبَلْيُس (1865-1957) والدنماركي كارْل نيْلْسَ (1865-1931).
أقول “محظيين” لا عن مبالغة، إذ إن ثمة ندرة بالغة للغاية في عدد المؤلفين الذين لاقَوا نجاحاً مادياً جرّاء نشر مؤلفاتهم وأدائها، مثل الإيطاليّ جِيَوأكْينو روسّيني (1792-1862) والروسيّ إيغور سترافِنْسكي (1882-1971). فما سرّ النجاح المادي لدى الندرة وإخفاق السواد الأعظم، إذاً؟
لقد كانت الكنيسة أول مَن وظّف مؤلفي الموسيقى، ولعل أشهرهم قاطبةً باخ (1685-1750). ورغم أن أحداً لم يكن ليصف حال باخ وعائلته المترامية الأطراف بالرخاء، فقد ظلّ التقليد هذا جارياً على قدم وساق لردح من الزمن قبل أن يبدأ ملوك وأمراء شتّى في التسابق مع الكنائس البابوية في استقطاب المؤلفين واستكتابهم للتأليف احتفالاً بحدث عائلي ما، أو تخليداً لمناسبة محلّية ما.
فنجد قيصر النمسا، جوزيف الثاني (1741-1790)، مثلاً، يدعم كلاً من أنتونيو سالِيَيْري (1750-1825) ومَوْتْسارْت. لكنه يعيّن الأول بمنصب “مؤلف البلاط” ويغدق عليه الأموال والعطايا، بينما يبخل على الثاني، وهو إبن البلد! إذ يبدو أن “عقدة الخواجة” متأصّلة في نفس كلِّ مَن كان بيده سلطة ما منذ الأزل. ولطالما وقفت العقدة هذه عقبة كأداء في المسار المهني لعدد لا حصر له من المواهب، الفنية وغير الفنية. بل ولربّما تكون الدافع الأساس لهجرة الأدمغة التي لا يمرّ يوم إلاّ ونقرأ عنها في أوساط الإعلام.
لا يتّسع المجال هنا لإدراج جميع الظروف التي قد تتلاقى فتمنع المرء من أن يؤلّف الموسيقى، أو لِنَقُل: من أن يكرّس نفسه للفنون التطبيقية، من رسم ونحت وما إلى ذلك، ولفنون الأداء، مؤلّفاً كان أم مخرجاً أم منتجاً أم مؤدّياً، إذ لطالما نظرت شرائح المجتمع المتشبّثة بالتقاليد إلى الفنون شَزَراً، إن لم نقُل نظرة ازدراء، بل واحتقار، أو حتى عداوة على اعتبار أن الفنون تجديف وتهديد للأخلاق الحميدة، إلخ من مقوّمات ما يُدعى بالمجتمع المحافظ، مهما كان ذلك المجتمع بمجمله متقدّماً وينتمي إلى دول العالم الأول، فما بالك بدول العالم الثالث… عشر؟
لكن المجتمع هذا يتعادى مع العاملين في الفنون وكأنه يعيش في فراغ فكري تام يتعامى فيه عن الظلم والنفاق والإدقاع الذي يمور به. أمّا الفنون فقد وُجدت كي تجسّد هذه العيوب المجتمعية على خشبة المسرح وتنتقدها وتقدّم بدائل عنها تحرّض على الثورة على الوضع القائم بغية النهوض به صوب العدل والصدق والرخاء، ممّا سيفضي إلى إعادة توزيع الثروات عبر شرائح المجتمع عوضاً عن تكريس تركّز الثروات هذه في أيادي شرائح المجتمع المتمكّنة وحسْب. فلا عجب أن يلاقي العاملون في الفنون امتعاضاً ورفضاً شديدَين، لا بل محاربة علنية بلا هوادة، فالجهتان في صراع أزلي باتجاهَين متناقضَين أيّما تناقض، إذ يحاول المجتمع الإبقاء على الوضع القائم بينما يدعو الفنانون إلى التمرّد عليه وقلبه رأساً على عقب. فأنّى للعاملين في مجال الفنون، والحال هذه، المحاصَرين على جميع الجبهات، أن يكسبوا لقمة العيش؟
لقد كان بيتهوفن أول مؤلف يصرّ على قيمته الاستثنائية في المجتمع الفِيَنّاوي، وفي العالم الأوسع، وعلى عطائه الفريد من نوعه، لا عن تبجّح أو غرور، بل عن موهبة لا يختلف عليها إثنان وعن دراية واستعداد لاستقراء روح العصر بغية إثرائها. لذا فقد طلب من مريديه من الموسِرين أن يدعموه بموجب عقد سنوي يتجدد، لا على أساس مكافأة يضطرّ هو إلى التفاوض على حجمها المرة تلو الأخرى لقاء قطعة يؤلفها ويهديها إلى واحد من أولئك النبلاء، ثم يتفاوض مجدّداً مع الناشرين حول المكافأة لقاء طباعة ونشر كل قطعة.
وقد لا يبدو الترتيب هذا أمراً ذا أهمية تُذكر، لكن الحقّ أنه كان الخطوة الأولى تجاه ما تقوم به اليوم حكومات دول الشمال الأوروبي من دعم سنوي للنابغين من أبناء شعوبها. إذ إن المثال الذي أسّس له بيتهوفن لهو الطريق الأمثل لضمان نشوء نوابغ في المقام الأول – أيّاً كان المجتمع- تطلق العنان لخيالها خدمةً لمجتمعاتها في إيجاد حلول لكل ما يعترض تقدّم تلك المجتمعات بغية بلوغ حالة مُثلى تُزاوج بين الرخاء والنبل. ولنضع نصب أعيننا أن مجتمعات دول الشمال هذه لم تنشأ أو تتطور أو تتقدم في فراغ أو عن صدفة أو عن ارتجال، بل عن وعي وتخطيط وتصميم. ولعل إنجاز بيتهوفن هذا يعطي ذكرى ميلاده الخمسين بعد المئتين في 2020 بعداً حضارياً يجدر بنا التوقّف عنده وتأمّله مليّاً.