من الاساطير إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الحاضر الذي نعيشه. لو اردنا المقارنة لوجدنا ان الاساطير منصفة، وان التاريخ مجحف، وان الحاضر، بالنسبة لنا على الاقل، هو ابن ذلك التاريخ المجحف، وهو بذلك مجحف ابن مجحف، أو قل «مُكرَّر مجحف»، بلهجة اشقائنا في العراق.
في الأساطير، حَكَمَ القاضي، الملك/النبي سليمان، بقطع الطفل إلى نصفين، وإذ انتفضت الأُم الحقيقية وتنازلت عن «نصفها» من الطفل، لتحميه من المصير المرعب، عرف القاضي انها هي الأُم الحقيقية، فاعاد ابنها كاملا (!!) لها. هذا في الاساطير و«كتب الأوّلين». اما في التاريخ، فقد قرر القاضي، الأمم المتحدة، يوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، تقطيع جسد «الطفل» فلسطين إلى ثلاث قطع: اكثر من 50٪ لليهود، واكثر قليلا من 40٪ للفلسطينيين، ولـ»القاضي» 5٪، تتولى الأمم المتحدة حكمها وإدارتها. وعندما رفضت «الأُم» الحقيقية، شعب فلسطين، تقطيع جسد «الطفل»، ارض فلسطين، تم شن الحرب عليها. وانتهت تلك الجولة من الحرب إلى الاستيلاء على كل ما كانت «المحكمة» قد قضت لشعب فلسطين به: اخذت اسرائيل 23٪ اضافية من جسد «الطفل» بموجب «اتفاقيات هدنة» من حاربها ملوكهم وقادتهم بالشعارات الكاذبة المضلّلة، في حين حاربتهم هي بالسلاح وبالإرهاب؛ واخذت الاردن ما ارادت من الضفة الغربية، (ورفضت عرضا من بن غوريون باضافة اجزاء من المثلث، هي منطقة الطيبة وطيرة بني صعب)؛ و«ادارت» مصر قطاع غزة؛ و«تنازل» القاضي (الامم المتحدة) عن حصته من جسد فلسطين.
هكذا فُصِلت «روح الطفل»، شعب فلسطين، عن «جسد الطفل»، ارض فلسطين. وراحت هذه الروح هائمة تبحث لنفسها عن جسد تَسكُنه.
في أول محاولة بائسة للتّجَسُّد، ارتكبت «الروح» حماقة اختيار الاردن، فعوقبت بـ«ايلول الاسود» عام 1970. ثم عادت من جديد مُستميتة للتّجسد، ولكنها اخطأت مرة اخرى باختيارها لبنان، او جزءاً من لبنان على أقل تقدير، فاستُدرجت إلى المساهمة في حرب اهلية لبنانية من العام 1974، حتى الاندحار، (بعد صمود اسطوري في مواجهة الجيش الاسرائيلي، خامس اقوى جيش في العالم)، عام 1982. ولكن الروح الفلسطينية، صاحبة الحق والمظلومة، عاودت التمرد من تونس، ولم تستسلم، لم ترفع الراية البيضاء، واعملت عقلها، وتابعت البحث عن «جسد» تسكنه وتعاود بدء التّشكُّل فيه، فكان من حسن حظها ان أحرزته في العام 1993، تحت اسم وعنوان «غزة اريحا أولاً».
إلا ان «الروح» الفلسطينية كانت كبيرة واسعة طموحة، في حين كان «الجسد» صغيرا ضيّقا، وكان المستعمر المسيطر بخيلا. فاختلّت المعادلة، وبدأ التخبُّط.
عجوز هرمة كانت منظمة التحرير الفلسطينية عندما وصلت وحققت هذا الانجاز، ولكنها، ربما بسبب فرحتها بانجازها، (وهو في غاية الاهمية من حيث تحديد اتجاه تطور الامور، رغم انه في غاية الضيق من حيث المساحة)، لم تتصرف بحكمة عجوز عركتها التجارب، وانما تصرفت كـ «عجوز متصابية» خدعها المُغازلون «بقولهم حسناءُ»، فانجبت، لسوء حظها ولسوء حظ الشعب الفلسطيني، «طفلة» اسمها «السلطة الوطنية»، التي وُلدت مشوهة مصابة بـ«اعراض الشيخوخة». واعراض شيخوخة الدول والامبراطوريات، وكل كيان سياسي، هي الفساد والإفساد والتدهور باتجاه هاوية الضياع. «روح» فلسطينية تعاني من جهة اولى من تصابي عجوز، وتعاني من جهة ثانية من آفات طفلة مصابة باعراض الشيخوخة. وكل ذلك في مواجهة عدو لا يرحم، و شقيق لا يستطيع، وقاض لا يعدل.
كل ما تقدم اساطير، وتاريخ، وواقع. فماذا عن المستقبل؟؟ وما العمل؟؟
«ما حكّ جلدك مثل ظفرك… فتولَّ انت جميعَ امرك».
بعيدا عن بلاغة اللفظ والاستعارة والكناية وما إلى ذلك من علوم وفقه اللغة، اقول: «ارض فلسطين»، من النهر إلى البحر، ليست طفلا، ولا هي كائن حي. هي جسد بلا روح. و«شعب فلسطين» مفصولا عن «ارض فلسطين»، هو روح بلا جسد. وكل كائن حي، دون أي استثناء، هو اتحاد وتداخل بين الروح والجسد.
واي اتحاد وتداخل بين أي جزء من الروح مع أي جزء من الجسد، يَصلح، ويمكن له ان يكون بداية موفقة لاستكمال تكامل كامل الروح وكامل الجسد. وكل من يرفع شعار «يا كُلا يا بَلاها»، هو سياسي مخطئ، حتى لا أقول كلمة جارحة اكثر من تعبير «مخطئ».
مع بداية الصراع كانت كل «أرض فلسطين» لنا. وبعد اقل من عقدين ونصف العقد، (من انشاء الحركة الصهيونية عام 1897، وحتى إقرار وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى)، اصبح تعبير «ارض فلسطين» مقرونا بـ«ارض اسرائيل» في كل وثيقة رسمية، بدءًا من «الجنيه الفلسطيني» وانتهاءً بشهادة ميلادي، شخصيا، في سخنين سنة 1942.
مرة أُخرى اقول: هذا تاريخ، فماذا عن المستقبل؟.
عندما يقول الفلسطيني الوطني الصادق انه يقبل، بل ويسعى إلى تطبيق معادلة «دولتين لشعبين»، فانه يكون قد قدّم تنازلا تاريخيا كبيرا. فبعد ان كان مطلب وشعار الفلسطينيين من مطلع القرن العشرين وحتى العام 1968: «كلها لنا»، اصبح المطلب والشعار منذ ذلك العام: «كلها لنا ولكم». وظَلّ هذا حتى العام 1974، حيث اصبح المطلب والشعار: «اقامة الدولة الفلسطينية على أي شبر يتم تحريره، او يتم جلاء الاحتلال عنه». ثم وصل الفلسطينيون إلى «غزة اريحا أولا»، كبداية لها ثانيا وثالثا و…. فكانت رام الله ونابلس وجنين وطولكرم وكل قطاع غزة واكثر من ثلثي الخليل، لتبدأ بعدها مرحلة الانزلاق بانطلاق «الانتفاضة الثانية» ونتائجها: رفع الحصانة والسيادة عن المدن والقرى والمخيمات، وتنصيب قيادات لا تملك كفاءة تؤهلها لأن تكون صالحة حتى للسنوات الأولى من القرن الماضي، ووصول الوضع الفلسطيني إلى اسوأ حال يمكن تصوره، بل إلى الـ «أسوأ» بأل التعريف: حال تقطيع «روح» الشعب الفلسطيني، بين «شعب غزة» المخطوف رهينة، و»شعب الضفة» المخطوف بحكمٍ واداءٍ ركيكٍ ومخجلٍ، في حين ان «للقدس رَبّاً يحميها» او ربما «أرباباً» لا تحميها.
رغم هذا، وذاك، وذلك، وكل احرف واسماء الوصل والشرط والنفي، ورغم كل الافعال الكاملة والناقصة، وكل ما في اللغة وفي الواقع المر الذي نعيشه من اسباب للاحباط واليأس، فانني متفائل، بل ومتفائل جدا ايضا. شعب قاوم كل هذه العقود دون كلل، وشعب ضحى كما لم يضحِّ شعب من قبل في ظروف وموازين قوى وتحالفات، كما هو الوضع عليه بين اسرائيل وفلسطين، هو شعب لا يندثر.
قد تندثر قيادات وعهود فلسطينية، ولكن لن «يتبخر» ستة ملايين فلسطيني هم الآن على ارض فلسطين، ولن «تتبخر» حقوق الشعب الفلسطيني.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور