لقد دُرج على الافتراض بأن المجتمع الإسرائيلي يتصدى لأربعة صدوع مركزية: الصدع اليهودي ـ العربي، والصدع العلماني ـ الديني، والصدع الأشكنازي ـ الشرقي، والصدع بين اليمين واليسار. أربعة سنوات حكم نتنياهو الأخيرة، ولا سيما حملة الانتخابات الحالية، تثبت أن هذه الفرضية مغلوطة. أكثر من أي شيء آخر، يتصدع المجتمع الإسرائيلي بين قبيلتين أساسهما ليس قومياً أو دينياً أو عرقياً، بل قيمياً. من جهة، القبيلة التي تؤيد الديمقراطية الجوهرية، والمؤسسات الرسمية، وتفوق حكم القانون، وحرية التعبير والصحافة، والتسامح، والانفتاح والحساسية تجاه الآخر، وحقوق الإنسان، والمساواة أمام القانون، والمساواة في الفرص. من الجهة الأخرى توجد قبيلة تؤيد الحكم المطلق، بمعنى تفوق جماعة عرقية تنتمي للأغلبية على جماعة أقلية أصغر على خلفية الأصل، والعرق والهوية القومية. تحتقر هذه القبيلة مؤسسات الديمقراطية وتبدي ولاء شبه أعمى لقيادة قوية ـ سياسية، دينية ومجتمعية ـ حتى وإن كانت هذه فسدت، أجرمت أو أصبحت فاسدة.
الانقسام في إسرائيل إلى قبيلتين وقع عملياً في الأعوام 931 ـ 928 قبل الميلاد، في عهد رحبعام ابن الملك سليمان. في حينه كان توتر سياسي وأقسام أيديولوجي وقيمي، واقتصادي في أساسه، أدى إلى الانشقاق وإقامة مملكة يهودا، إلى جانب مملكة إسرائيل. واصلت المملكتان العيش حتى موعد خراب مملكة إسرائيل في محيط العام 720 قبل الميلاد، على خلفية سقوطها في أيدي آشور وانتهاء مملكة يهودا بعد أن خربها بابل في العام 586 قبل الميلاد.
واقع اليوم، كما يبدو، لا يختلف عن ذاك الذي كان قبل نحو 3 آلاف سنة. تواجد شعب واحد لا يتشكل من اليسار أو اليمين، من اليهود أو العرب، المتدينين أو العلمانيين ومن الشرقيين أو الأشكناز، في مقابل شعب آخر تشكيلته هو أيضاً ليست موحدة من ناحية دينية أو عرقية أو سياسية. ولكن منظومة القيم فيهما مختلفة الواحدة عن الأخرى لدرجة أنهما يجدان صعوبة في أن يقبلا وأن يحتويا آراء المعسكر الآخر.
صحيح أن اليمين الإسرائيلي هو في معظمه يهودي، ديني وشرقي، وحسب البحوث العميقة يفضل مزايا الحكم المطلق على الحكم الديمقراطي. وتبرز الهوية العرقية لديه أكثر من هويته المدنية. ولكن أجزاء لا بأس بها من اليمين تنتقد الحكم التهكمي الفاسد وغير الديمقراطي لنتنياهو. فالناس المحترمون مثل بني بيغن، روبي ريفلين، دافيد ليفي، وليمور لفنات وكثيرين آخرين بقوا مخلصين للمؤسسات الديمقراطية وحكم القانون. وهم جزء من تلك القبيلة المتماثلة مع القيادة السياسية من الوسط ـ اليسار، حتى وإن كان الاحتمال للتسوية السياسية مع الفلسطينيين ليس واقعياً في نظرهم في هذا الوقت.
وعليه، فإنه إذا لم تتمكن هاتان القبيلتان ـ إسرائيل الليبرالية ويهودا المحافظة ـ من أن تتفق على لباب قيمين واحد يقوم على أساس احترام المؤسسات الديمقراطية، تفوق حكم القانون، تحقيق حقوق المواطن والمساواة، فلن تعود هناك غاية حقيقية في وجودهما كشعب واحد.
د. سجي الباز
محاضر وصحافي وخبير في الإعلام السياسي
معاريف 7/4/2019