عبد الحميد صيام في ولاية بنسلفانيا الأمريكية وفي مقاطعة تدعى لانكستر يقطن نحو مائتي ألف من جماعة السلفية المنتنمية لكنيسة ألمانية محافظة. Amish وهذه المجموعة الدينية ترجع بأصولها إلى كنيسة في الجزء الألماني من سويسرا إنشقت عن كنيسة معمدانية أخرى عام 1693 . تعرض أتباع الكنيسة للإضطهاد في كل من ألمانيا وسويسرا والنمسا مع بداية القرن الثامن عشر ففروا بمعتقداتهم واتجهوا نحو أمريكا التي كانت تستقبل وقتها آلاف المهاجرين الأوربيين الذين كانوا يصلون إلى العالم الجديد بحثا عن ثروة أو نفوذ أو هروبا من حروب أو منازعات أو إضطهاد.
كوّن الآميش مجتمعهم الخاص بهم وحافظوا على نقاوته حيث نأوا بأنفسهم عن مغريات الحضارة الحديثة وظلوا يتكلمون لغتهم الأصلية. ولمن تتاح له الفرصة لزيارة المنطقة يجد مجتمعا متجانسا يلبس الملابس السوداء ويستخدم العربة التي تجرها الخيول وسيلة للمواصلات. لا يستخدمون الهاتف ولا الكهرباء ولا أية وسيلة من وسائل الحياة الحديثة كالتلفزيون والمروحة والمكيف. يأكلون مما يزرعون. ومدارسهم خاصة بهم بحيث يجلس الطلبة من الصف الأول إلى الثامن معا وفي نفس الغرفة وتقوم العائلات بتقديم الطعام للطلاب الذين يجلسون على الأرض ويتناولون الطعام بشكل جماعي كما هو الحال في بيوتهم. ينتهي التعـليم مع نهاية الفصل الثامن ويتم تعميدهم في الكنيسة بين السادسة عشرة والثانية والعشرين. ومن يرفض التعميد يخلع من الجماعة تماما ويصبح خارجيا لا أحد يجالسه أو يساعده أو يعترف به. لقد حافظ الآميش على عاداتهم وتقاليدهم ودينهم ولم يتأثروا بالحضارة الغربية التي يعتبرونها تفسد العقول وتشوه الإيمان. كما أنهم حافظوا على إلتزامهم بعدم مزج الدين بالسياسة فلا يشاركون في انتخابات محلية أو وطنية، ولا حملات إنتخابية ولا مناظرات تلفزيونية ولا يدفعون الضرائب ولا يستفيدون من عوائد الضمان الاجتماعي. هم جماعة زهدوا في الدنيا، وتمسكوا بدينهم، ولا يعيرون اهتماما لمن يتهمهم بالتحجر والتخلف ووقف عجلة التاريخ كما كان قبل 300 سنة. لقد أصبحت منطقة لانكستر موقعا سياحيا يجذب آلاف الزوار الذين يريدون أن يستمتعوا بإطلالة على ما كانت عليه الحياة قبل الثورتين الصناعية والتكنولوجية. وقد أنتجت أفلام وثائقية عديدة عنهم وأنجزت دراسات جادة ومفصلة عن هذه المجموعة المسالمة التي انتصرت لدينها دون أن تحاول التأثيرعلى أحد أو التأثر بأحد.
السلفية الإسلامية – إعادة إنتاج مجتمع التكافل والعدل والمساواةلماذا عرضت هذه القصة الحقيقية كمقدمة؟ لأنني أتمنى على الحركة السلفية العربية التي بدأت تنتشر في الوطن العربي وتثير مخاوف الكثيرين أن تقتبس من الآميش كنموذج لنوع الحياة التي يتمناها السلفيون. فالحركة السلفية تسعي إلى، كما تقول أدبياتها، أن تعيد بناء المجتمع الإسلامي الحديث على النموذج السلفي النقي أيام الرسول الكريم عليه السلام، والخلفاء الراشدين الأربعة، عليهم رضوان الله، مضافا إليها السنوات الثلاث للخليفة المتواضع الزاهد العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. مجتمع يسوده الإيمان والتراحم والتكافل والصدق والتواضع والتقشف. مجتمع يقوم عليه رجال صالحون يتقون ربهم ونساء صالحات عابدات قانطات يقرن في بيوتهن ويبتعدن عن التبرج والاختلاط والعمل خارج البيوت. هكذا بكل بساطة يفهمون رسالة الإسلام ومن حقهم ذلك. لكن ليس من حقهم أن يفرضوا رؤيتهم على غيرهم. من حقهم إقناع الآخرين بصحة فهمهم للدين’ بالحكمة والموعظة الحسنة’ أو بطرح نموذج عملي حيّ يجذب الآخرين إليهم وهو ما أود أن أعرضه كمساهمة في الحوار الدائر حول السلفية والسلفيين.
نضع هذا النموذج الحقيقي والناجح أمام السلفيين المسلمين من أبناء العروبة متمنيا عليهم أن يقلدوه أو على الأقل أن يحاولوا تقليده فإن فشل فليفكروا في تجربة أخرى. نقترح عليهم أن يقيموا مجتمعا متجانسا من بينهم في بلدة متوسطة الحجم في البداية ولتكن في أرض الحجاز مثلا. يقام في هذه البلدة مجتمع العدل والمساواة والتكافل والزهد. يقومون في الليل ويصومون في النهار. يلبسون ما يرونه مناسبا ومنسجما مع فهمهم للدين ويطلقون لحاهم على غاربها ويحفون الشوارب ويستخدمون السواك بدل الفرشاة ومعجون الأسنان المصنوع من مواد غريبة لا نعرف ماهيتها. ويعتمرون الكوفية دون عقال وينتعلون الخف بدل الحذاء المصنوع في إيطاليا.
وكي تكتمل الصورة للمجتمع السلفي هذا الذي يحاول إعادة إنتاج الماضي الجميل نقترح عليهم أن يتخلوا عن كل مصادر التكنولوجيا الحديثة التي هي من صنع الكفار الملحدين. فيتركون وراءهم هواتفهم الخلوية وسياراتهم اليابانية أو الألمانية أو الأمريكية. ونقترح عليهم أن يتخلوا عن أجهزة التلفاز والمذياع والمكيفات وأجهزة الحاسوب والفاكس والهواتف الأرضية وكل أنواع الأسلحة النارية وإن لزم الأمر فقد يحمل بعض الشباب المؤمن سيوفا أو خناجر أو أتراسا للدفاع عن النفس فقط إن لزم الأمر لأنهم قوم مسالمون أصلا. وكي يقوم هذا المجتمع بالاكتفاء الذاتي نقترح أن يقتنوا قطعانا من البعير والشاة فيرتووا من لبنها ويلبسوا من صوفها حتى لا يضطر أحد منهم أن يستورد الدشاديش المصنوعة في الصين أو الفلبين. ثم يقومون بزراعة الأطيان بالنخيل فيأكلون من ثمرة ما يزرعون فقليل من حليب النوق مع حبات تمر تكفي مؤونة يوم كامل. وبالنسبة للنساء، وسدا للذرائع، عليهن أن يقرن في بيوتهن ولا يخرجن إلا بصحبة محرم ولقضاء حاجة لا تحتمل التأجيل. لا يتكلمن ولا يبتسمن ولا يتبرجن إلا لبعولتهن. فصوت المرأة عورة ومشيتها عورة واختلاطها بالرجال مفتاح للفتنة والغواية. الموسيقى ممنوعة إلا صوت الدف لإشهار زواج، والشعر مسموح به بشرط أن يحض على الفضيلة والتواضع. وقد يسمح مجلس الضيعة بتدريس بعض قصائد الشريف الرضي في الحنين إلى الحجاز وأبو العتاهية في الزهد.
في مجتمع العدل والتكافل والمساواة هذا يشرف العلماء على إدارة البلدة فيعينون المحتسب والقاضي والجلاد وأمير بيت المال وجابي الزكاة وبعض الوظائف والمهمات الأخرى الضرورية وتقام الحدود حسب الشريعة دون نقص أو زيادة. تفتتح الكتاتيب لتدريس كتاب الله وسنة نبيه الكريم يضاف إلى ذلك الصحيحين وبعض التفاسير وفتاوى إبن تيمية وابن القيم الجوزية ولتدريس النحو يعتمد كتاب ‘الكتاب’ لسيبويه. وما عدا ذلك فممنوع لأنه من صنع الفلاسفة والهراطقة والملحدين. من دار الندوة أو مجلس البلدة تمارس الشورى في هذا المجتمع بشكل تفصيلي في كل ما يخص أمور الناس كالسقاية والرفادة والكسوة ويبت في الخلافات بين الناس إن حدثت.
تعميم التجربةقد تبدو هذه الفكرة أقرب إلى الخيال. وما المشكل في هذا؟ كثير من الإنجازات العلمية كانت فكرة مجنونة من صنع الخيال العلمي من الهبوط على القمر إلى الهاتف والحاسوب. وأذكر أنني في منتصف الثمانينات كنت أسوق السيارة ودخلت في حي كوينز المعقد بمدينة نيويورك بالخطأ وأستغرقت أكثر من ساعتين وأنا أشرق وأغرب ولا أعرف كيف أعود إلى العنوان الصحيح. أتوقف وأسأل ثم أسير على التعليمات ولا تمر دقائق حتى أضيع مرة أخرى. وصرخت أمام زوجتي: متى سيصنعون جهازا يدلك على الطريق؟ عندما يصنعون هذا الجهاز ستكون قد فقدت صوابك لكثرة ما تضيع الطرقات ردت علي وهي لا تحتمل عصبيتي. وبالفعل جاء اليوم الذي تعطي عنوان الجهة التي تقصدها لجهاز صغير لا يزيد حجمه عن كف اليد أو لشاشة صغيرة أمامك في السيارة فيبدأ صوت رقيق يلقي عليك تعليمات بالاتجاه يمينا أو شمالا إلى أن تصل العنوان المطلوب. فليبدأ هؤلاء السلفيون بإقامة قراهم النموذجية ويعممونها إنطلاقا من الحجاز إلى أسيوط ثم إلى بنغازي فالقيروان مرورا بغزة وحماة وطرابلس. ليتهم يجتهدون في إقامة مجتمع سلفي نموذجي ويتركون السياسة لمن يرغب فيها. ما لهم ومال السياسة اللئيمة التي لا تعرف المبدأ وتعلم الانتهازية. كأن يقول حزب ما لا أريد دخول الانتخابات ثم يتراجع ويدخل الانتخابات. ويقول سأعمل على ألا تكون حصتي في الانتخابات أكثر من 25′ ثم يتراجع ويرفع النسبة إلى 40′ . ثم يقول لن أطرح مرشحا للرئاسة ثم يعود فيتراجع ويطرح مرشحا للرئاسة. إذن السياسة لا تعرف المبادئ والوعود والصدق. إتركوا السياسة للدهريين الذين يؤمنون بتكامل الحضارات وتعاون العلماء وتطويع التكنولوجيا لتسهيل حياة البشر نساء ورجالا ليقطعوا القارات في ساعات معدودة ويعقدون المؤتمرات بالسواتل ويلتقطون الإشارات على هواتفهم المحمولة ليطمئنوا عن أحبابهم وأطفالهم في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وإن غلبهم الشوق فيستخدمون سكايب لسماع الصوت ورؤية الصورة على شاشة الحاسوب أو فيستايم لسماع الصوت ورؤية الصورة على هاتف اليد الصغير المحشو بملايين المعلومات والخدمات والفيديوهات. إنسحبوا من هذه المعمعة السياسية المليئة بالآثام، وإبنوا مجتمعكم النقي التقي الخاص بكم ولربما ننضم إلى مجتمعاتكم يوما ما بسبب السياسة وحبالها المتشعبة، أو هروبا من الرأسمالية المتوحشة التي لا تعرف حلالا أو رحمة أو خلقا أو مبدأ. وعندما نقرر الهروب لن نجد مكانا نهرب إليه أفضل من قراكم النموذجية التي تشبه بلدة لانكستر الآمنة المسالمة في ولاية بنسلفانيا الأمريكية لكن يرتفع فيها صوت المؤذن يدعو المؤمنيين بالإقبال على الصلاة والفلاح.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيو يورك