بين السودان وتشاد وإريتريا: تاريخ يعيد نفسه

حجم الخط
0

بين السودان وتشاد وإريتريا: تاريخ يعيد نفسه

د. عبدالوهاب الافنديبين السودان وتشاد وإريتريا: تاريخ يعيد نفسه(1)حين تفجر التمرد في إقليم دارفور بالسودان في عام 2003 سارعت الحكومة إلي إتهام إريتريا بأنها كانت تقف وراء الحركات التي تولت كبره. وهذا اتهام مستغرب، خاصة وأنه لا توجد حدود مشتركة بين إريتريا ودارفور، كما ان هذا الاتهام يناقض إتهاماً آخر وجهته الحكومة لحزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الشيخ حسن الترابي بأنه كان من أكبر المشاركين في إذكاء التمرد، وهو حزب لا تربطه علاقة ود بإريتريا. ولعله كان من المنطقي أكثر إتهام تشاد المجاورة لدارفور، وهو اتهام يعضده كون معظم قيادات التمرد جاءت من قبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها إدريس دبي حاكم تشاد، الذي وصل بدوره إلي الحكم هناك عبر تمرد مسلح انطلق من السودان.(2)إتهام إريتريا له مغزي مهم، لأن الحكومة الإريترية كانت في السابق حركة تمرد انطلقت من السودان بدعم من الحكومة الحالية. ثوار إريتريا والتيغراي كانوا في عزلة بسبب اعتناقهم الماركسية في وقت كانوا يحاربون فيه دولة ماركسية تدعمها موسكو، وكونهم مسيحيين في وقت كان الغرب فيه يتعاطف مع إثيوبيا بسبب تاريخها المسيحي. وقد عزز النظام الإثيوبي علاقاته مع الغرب وزاد من عزلة الثوار حين قام في عام 1990 بإرسال قوات للمساهمة في تحرير الكويت. حكومة الإنقاذ السودانية كانت الوحيدة التي قررت دعمهم حتي النهاية لأسباب استراتيجية، ونجحت عبرهم في إسقاط النظام في عام 1991. ولكن بعد أقل من ثلاثة أعوام أصبح النظامان الجديدان في إثيوبيا وإريتريا في حالة عداء مستحكم مع الخرطوم.(3)الأسباب التي أدت إلي العداء بين إريتريا والسودان هي عينها التي أدت إلي تفجر العداء بين السودان وتشاد، وهي من جهة اتهام الخرطوم بأنها تدعم التمرد ضد الحكومات القائمة، ومن جهة أخري رد فعل لما تواجهه الحكومة السودانية من عزلة دولية تجعل في التبرؤ من صداقتها مكسباً، خاصة لحكومات تدين لها بدعم سابق.(4)في السياسة كما في العلاقات الشخصية، هناك حدود للعرفان بالجميل. وإذا كانت حكومة الخرطوم قد ساعدت الحركات الإريترية والتشادية في الوصول إلي الحكم، فمن غير المعقول أن تطالب هذه الحكومات بالوقوف مع الحكومة السودانية في حروبها الداخلية، أو معاداة أمريكا إكراماً لعيون الخرطوم. وقد حاولت كل من الحكومتين الوقوف مع الخرطوم في حدود المعقول ولكنهما تحولتا عن ذلك حين أصبحت مصالحهما الحيوية مهددة بالوقوف مع حكومة تواجه حروباً داخلية وعداوات خارجية.(5)بالنسبة للحكومة السودانية فإن ما تصفه بنكران الجميل من حلفاء الأمس يعبر عن أزمة عميقة، جوهرها أن الوقوف مع الخرطوم أصبح يكلف غالياً. ومن هذا المنطلق فإن محاولتها حل المشاكل مع حلفاء الأمس بدعم متمردين جدد عليهم سيعيد انتاج المشكلة، لأن هؤلاء الحلفاء الجدد لو جاءوا إلي الحكم فسوف يتصرفون بنفس الطريقة.(6)الخرطوم تواجه نفس المشكلة داخلياً، حيث تنكر تلاميذ الدكتور الترابي السابقون لشيخهم الذي قربهم دون أقرانهم واختارهم لمناصب الدولة العليا، فقاموا بإبعاده من قلب السلطة، ثم اعتقاله حفاظاً علي ما رأوه مصلحة الحكومة وبالتالي مصالحهم. وقد ساعد إبعاد الترابي علي التقارب مع أمريكا ومصر ودول أخري في المنطقة، وأعطي الحكومة فرصة للتنفس. وليس لمن يتولون الحكم اليوم أن يلوموا غيرهم حين يفعل ما فعلوا.(7)إذا كانت الحكومة السودانية تريد التخلص من الأزمة التي تجلب لها عداء الخارج وتمرد الداخل فلا بد من معالجة جذور الأزمة، وهي فقدان المقدرة علي إجراء الحوار الناجح مع الأنصار والحلفاء، فضلاً عن الخصوم.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية