لقد عرفت الرواية العربية اليوم تراكما كبيرا قياسا إلى مرحلتي نشأتها وتأسيسها. وتُطرح مع هذا التراكم الآن معضلة كتابتها، وأسئلتها الجمالية. فمما لا شك فيه أن إنهاكا ما تتعرض إليه يضر بخصيصتها الجمالية.
وهذا الإنهاك ناجم عن سوء تقدير ما يحتاجه شكلها السردي من دواعي الجدة، وما هو قادر على تحمل تبعاته وأسبابه. ولا تخطئ العين الفاحصة والخبيرة بمسالك الرواية وشؤونها ما يتميز به المنجز الروائي الحالي، على امتداد ربوع الوطن العربي، من جنوح نحو الجدة، قد يصل أحيانا إلى درجة من الإصرار شبيه بالهوس، بيد أن هدا النزوع صوب التجديد، بأي ثمن كان، يحمل في طياته الكثير من التكلف والتصنع، بل إسرافا في التقليد الذي يتخذ صبغة التقليعة. ويكمن خلف هذا الإسراف، في كرم الجدة، تصورا مغلوطا للحداثة، واصطناع الشكل وسيلةً في تحقيق ذلك.
وأهم خصيصة تميز هذا الإسراف تتمثل في تمثل حداثة الرواية في انثناء نصها على نفسه، وتأمل ذاته، عن طريق كشف لعبة السرد، وفعل السرد، وإقحام فعل الكتابة في صيرورة تنامي النص الروائي. وصنيع جمالي من هذا القبيل له صلة وثيقة بعلاقة الفكر بالواقع، بكل تأكيد، وله نصيب من الجدارة لا يمكن نكرانه، لكن ما يجب التنبه إليه، في هذا الجانب، ماثلٌ في فهم ضرورته الجمالية، والحاجة التاريخية إليه، والوعي باقتضاءاته المعرفية. كما أن حصر الجدة في الشكل الروائي، من دون أن يتوفر الفهم الصائب له، يؤدي إلى إنتاج نصوص روائية لا تتمتع على الإطلاق بفضيلة الإضافة التي من المفروض أن تكون الاستراتيجية التي تحرك كل فعل الكتابة الروائية. فحصر الشكل في مستوى فعل السرد، من حيث هو معضلة نقل غياب الحدوث، يفيد فهما قاصرا لمفهومه الجمالي، لأن هذا الأخير يتجاوز ذلك إلى بناء الموضوع الجمالي، والرؤية الجديدة لهذا الموضوع، بما هي وعي جمالي به قائم على المغايرة، وتحويل الكتابة، وكذلك اللغة، إلى مادة- موضوع لفعل الكاتبة، والإيقاع الروائي والقدرة على التحكم في توزيعه بما يخلق نوعا من التمثل الفكري والانفعالي، والحوارية النصية الروائية التي تكسب النص بعده الجدالي الأمثل.
إن ما نلاحظه اليوم من هوس بالجدة غير مبرر، ولا يرتهن إلى أسس صلبة تفسر الحاجة إليها، ولهو نوع من المبالغة الباعثة على السخرية، وكأن الأمر يتعلق بمسايرة الجدة من أجل الجدة، لا أقل ولا أكثر. ولا أريد أن أعقد مقارنة بين ما يحدث في مجال الكتابة الروائية عندنا وسلوك بارز في تقليعات اللباس، التي يلجأ فيها شبابنا إلى إحداث ثقوب في سراويلهم من أجل أن تظهر مناطق من أجسادهم للعيان. فإذا كان صحيحا أن خصيصة الفن عامة، والأدب بخاصة، ماثلة في مقدار الجدة التي تتوفر له، فإن ذلك قد يصير أحيانا وبالا عليه، ومأزقا، بل سببا في الرداءة الفنية، إلم تُقَمْ الأرضية الصلبة اللازمة لذلك، وقد تنقلب الأشياء إلى أضدادها. وشروط هذه الأرضية ماثلة في الوعي بالحاجة إلى الجدة أولا، وضبط الحدود التي بمقدورها التحرك داخل حيزها، وربط ذلك بالتحولات في العالم والحساسية والزمن. فلا يكفي البتة التخفي وراء شعار التجاوز، لأن هذا الأخير لا مناص له، إذا كان مطلوبا، من أن يوضع في محله، بما يعنيه ذلك من النظر إليه انطلاقا من زاوية علاقته بشمولية العمل الروائي وكلِّه. ولعل من البديهي أن مدار أي فن قائم على إكساب شتات العالم ما به ينتظم داخل كلٍّ ما له القدرة على منحه الصلابة التي يحتاج إليها. ولن يكون العمل الروائي إلا تعبيرا عن خصيصة الكلّ هذه، وذلك حتى يكون بمستطاعه تمكين موضوعه من الكل الذي يفتقر إليه. ولا يمكننا أن نتقبل أن يكون الأدب من دون مفهوم، كما يذهب إلى ذلك كانط، بل نظن أن مفهومه لا يوجد قبله، وإنما أثناء بناء العمل الأدبي، فهو غير معطى، كما هو في العلوم النظرية الصرف، بل مبني على نحو تاريخي. وبالتالي ليس من المعول، في الأدب، على عزل الجزء عن سياقه، وإنما المعول عليه رؤية الأجزاء تلتئم داخل كلٍّ ما. ويتمثل الكلُّ الروائي في المعادل التخييلي الذي يحل محل التجريد في العلوم النظرية والإنسانية. وبالتالي لن تستحق أية جدة روائية، وفق الاعتبارات المذكورة آنفا، جدارتها إلا إذا رُئِي إليها انطلاقا من مبدأ الكلِّ. فحصر الجدة في الشكل في بعده التقني المحض، وفي فعل السرد، وفي تدمير الحكاية، يعد تعبيرا عن قصور مزدوج: قصور يرى في الحكاية مجرد صيرورة تتكرر، وقصور يحصر الشكل في أحد مظاهره التعبيرية. ففي ما يخص الحكاية لا توجد صيرورة واحدة من نمط وحيد ونهائية، بل هناك عدد لا حصر له من الصيرورات. ولا نغفل، هنا، الدعوى التي تعد الكتابة صيرورة، أي حكاية، شأنها في ذلك شأن الحكاية الحَدَثِية، كما سبق أن ذهب إلى ذلك جان ريكاردو، وهي دعوى مقبولة شريطة التجديل بين ممكني الحكايتين: الحكاية الحدثية وحكاية الكتابة بما يسمح بإدراك الكل، لا العكس.
إن التجريب شيء لازم لارتياد عوالم جديدة غير مسبوقة ولا معهودة توفر الدهشة وإمكان تلافي التقليد المميت، فهو شيء ضروري لا مفر منه، ولا يقول بغير ذلك سوى متنطع، ينقصه حسن الذوق. لكن لكل تجريب ضوابط، وإلا صار فعل الجدة ضربَ أخماس في أسداس. فإذا لم تراع هذه الضوابط صار عالم الكتابة أقرب إلى الفوضى منه إلى الإبداع. ومن ضمن هذه الضوابط التوفر على استراتيجية بلاغية قائمة على إدراك المسافة الجمالية، من حيث هي وعي بحدود التجارب المكرّسة من قبل، واستنفادها ضرورتَها تاريخيا، والوعي بروح العصر وتحولاته، والحاجات الجمالية الجديدة التي يتطلبها؛ ذلك أن تطور أي جنس وتحوله يُعدَّان بمثابة استجابة إلى مرحلة معينة من تاريخ الإنسانية، لا بمثابة نزوع فردي يتحكم فيه المزاج والهوى الشخصيان. فالكاتب لا يكتب لنفسه، كما لا يكتب تحت الطلب ووفق وصايا. فإن فعل فمآل ما يسوِّده الانقضاء جُفاء. والمعول عليه في هذا الأمر عدم الانحياز إلى طرفي المعادلة المذكورة، بل تبين ما لم يكتشف بعد، وما ظل محجوبا غير مرئي وغير مدرك، لكن يجب العمل، في الوقت ذاته، على التفكير في الطرق الملائمة التي تجسِّم ما يُتبين على أنه كذلك، وتنقله على نحو جمالي إلى الآخرين. ومعنى ذلك أن الكتابة تتحول إلى موضوع لذاتها يُفكر فيها أثناء إنجازها. فنحن لا نكتب عن موضوعات معينة على نحو مباشر، ولا عن حياتنا كما عشناها، أو لم نعشها كما هي، وكما اتفق، وإنما نفعل ذلك انطلاقا من موضوع من مستوى أول، ألا وهو الكتابة بما هي مبادئ في التعبير تتوسط علاقتنا بالموضوع الذي يعد من مستوى ثان. فالكتابة عن موضوع ما تامة من خلال متاح التفكير في طريقة الكتابة التي تلائمه. ويحدد هذا التفكير الوجهة التي سيتخذها الموضوع أثناء صياغته جماليا. فلا بد للكتابة الروائية من أن تتبصر أهدافها، وأن تكون على وعي بما تفعله، فلا يستقيم البتة أن لا يبرر الكاتب ما كتبه متذرعا بأن مهمته تقتصر على التسويد فقط، ويتهرب من سؤال الكتابة بوضع الكرة في ملعب الناقد. ويجب أن نتمتع بفضيلة الجرأة لنقول بكل وضوح: إن الكثير من الروايات التي تصدر اليوم ليست من جنس الرواية في شيء اللهم ما تحمله الأغلفة من تسميات. ولعل تساهل النقاد وصمتهم لأسباب عديدة شجع من لا دراية له بالكتابة وأصولها، على أن يتحول بقدرة قادر إلى روائي، ويدفع إلى معترك الإبداع بنصوص نثير الكثير من الشفقة. وما نخشاه، إلَّم يكن قد حدث ذلك بالفعل، أن تتحول الرداءة إلى معيار يسبك ذوق القارئ، وديدنٍ يوجه لجان القراءة بدور النشر. وبالتالي تصير النصوص الجيدة، وكأنها هي الرديئة.
وما يزيد الطين بلة، أن تطلع علينا نصوص روائية لا تمتلك خبرة الجدة فحسب، بل تفتقر أيضا إلى العمق المعرفي في شقيه: شق معرفة النصوص الممثلة في تاريخ الرواية، بما في ذلك النصوص المعاصرة، وشق المعرفة الموسوعية. ولا يعني أمر من هذا القبيل تحويل النص الروائي إلى معبر للمعرفة، وعرض للأفكار والتصورات النظرية، بل يعني تمثيل العالم الروائي انطلاقا من تحويل المعرفة، كما أشرنا إليها، عبر تجسيمها سرديا، ونزع الطابع التجريدي عنها عن طريق تحويلها إلى تمثلات تخترق الرؤية البصرية، بما هي التقاط العالم وإدراكه، وتخترق مشاريع الحوامل الروائية وأقوالهم. فالرواية لا تمتع فحسب، ولكنها تضعنا أيضا مباشرة أمام سؤال الكينونة، وإذ تروم ذلك لا تفعله إلا من خلال البناء الروائي بوصفه كلمة تقول المعرفة حول العالم جماليا، بما تتخيله على أنه معادل حكائي يعيد وصف العالم وخلقه وتجديد صلتنا به عبر تجديد صلتنا بالزمن.
يعد سؤال المعرفة، في الرواية، ذا صلة بالإحالة، من حيث عمقها الأَنطولوجي، بالمعنى الذي يذهب إليه بول ريكور. فكيف يمكن لكل كاتب أن ينتج جدته الخاصة، قياسا إلى واقع من المفروض أن يكون مشتركا بين الروائيين في مرحلة معينة من التاريخ؟ لن تكون الإجابة ممكنة إلا بتحديد الواقع بوصفه موطن الإحالة، وبتحديده تتحدد مواطن الجدة ومبرراتها. فالواقع لا يعد متعينا- كما يظن البعض عن استفحال في العادة المعرفية- في المظهر الفزيائي للموضوعات والأشياء، إنه بناء من التطلعات؛ أي أن مجمل ما يتكون منه، من ظواهر، وعلاقات، وأمكنة، مبني وفق قصود لها صبغة تطلع، وهو غير الواقع العلمي الذي يعتبر نتاج ما هو نسقي، ومن ثمة يمكن اعتبار الواقع الأدبي نتاج رؤية مخصوصة تبني تخييليا الواقع من حيث هو نتاج قصود. ولا يتأتى سؤال الجدة، في علاقته باستثمار المعرفي إلا بإحالة النص الروائي الداخلية على نفسه، انطلاقا من انسجامه الذي لا يتأتى إلا من خلال الرؤية المخصوصة التي أُشير إليها سابقا، والتي توفر له خصوصية بنائه ووحدته.
ويضاف إلى ما سبق قوله أن الجدة ليست التقوقع في قالب محدد، يُكرر من نص إلى آخر، كما نعاين ذلك في كثير من إنتاجات العديد من الروائيين العرب اليوم، وكأننا بإزاء نص واحد يعاد إخراجه بتغييرات مكشوفة في أسماء الشخصيات والأحداث، بل هي نوع من البحث المستمر في الطرائق والأشكال، وفق استراتيجية واضحة المعالم، بحيث يكون كل نص روائي – عند الكاتب الواحد – مكتسبا فرادته قياسا إلى ما سبقه من نصوص، ومكتسبا شخصيته الروائية الخاصة، عالما وطرائق، ولغة. من دون ذلك تصير التجربة الروائية القائمة على التكرار دليلا على الضعف وانسداد الأفق، وتقليد الظل للظل.
أكاديمي وأديب مغربي
عبد الرحيم جيران