بين العريف والزعيم

كان عليّ ذلك الصيف الحارّ في تلك المنطقة الشمالية الغربية من تونس، أن أبحث عن شغل موسميّ لأوفّر بعضا من مصاريف العودة المدرسية. كان والدي أبقاه الله وأسعد به، غير مستعدّ كي يوفر لي ضعف ثمن المبيت في المعهد الذي أزاول فيه تعليمي الثانوي. كنت قد حرمت من منحة الدولة لأني رسبت عامها، فقد كنت أدرس في شعبة علمية أنا التائق أبدا إلى الآداب. كان عليّ أن أعيد السنة وأنجح فيها كي يسمحوا لي بالانتقال إلى الشعبة الأدبية وهذا ما حدث فعلا.
توفرت في ذلك الصيف في قريتي الغربية فرصة للشغل في ما كان يسمّى الحظائر، التي تعني عملا وقتيا في التنظيف، أو في الفلاحة يفتح لأجل ويغلق إلى غير أجل. كان العمل الذي كلفنا به هو بناء حواجز صخرية على منحدرات الأودية حفاظا على التربة وأشياء أخرى فاتتني وما تزال تفوتني. كان علينا أن ننتقل مشيا على الأقدام في الصباح الباكر لساعة قد تزيد في شهر الصيام. كنّا نصل منهكين فنشتغل قليلا ونخلد بأمر من الكبار إلى الراحة، بدعوى أنّ الأجرة أقل من الجهد.. وحين كان الواحد منا يقف للعمل يثنيه الرجال الذين كانوا في عمر آبائنا، وأحيانا في عمر أجدادنا عن العمل. لم يكونوا يسموننا بأسمائنا، بل كانوا ينسبوننا إلى آبائنا: اقعد يا ابن فلان ثكلتك أمك.. أتريد أن تعمل وأنت في عز الصيف عطشان جائعا؟ فنقعد. كان هناك من يحرس المشهد من بعيد خوفا من قدوم «الشاف» أو الرقيب الأكبر. لكن كان معنا هناك رقيب أصغر منه في الرتبة يسمّى «الكَبْران» وهي تسمية معربة للاسم الفرنسيCaporal التي تعني العريف.
كانت مهمة الكبران أن يصففنا أمامه وينادينا باستعمال كراس فيه أسماؤنا وأسطر أمامها، يسجل فيها الحضور والغياب. كان يطرد من يريد إن لم يكن كلامه مستساغا، أو «يثقب له يومه» ويعني ثقب اليوم، اعتباره غير خالص الأجر عقابا. كان الشاف يأتي من بعيد وكنا نستطيع أن نراه قادما من بعيد على دراجة نارية، أو في سيارة تمرّ عرضا من هناك. كنا نخاف حضوره لأنّ الكبران وإن كان قادرا على «ثقب اليوم» فإنّ الشاف يستطيع أن يوقع بنا عقابا أكثر من هذا، يستطيع أن يفصلنا نهائيا.
بما أنّ كثيرا من العمال كانوا تلاميذ مثلي، فقد كنّا على معرفة بهذه السلطة الهرمية التي يمثلها في المعهد المدير والأساتذة والقيمون. وكانوا جميعا يعاقبوننا بكل تأكيد إمّا بالطرد من المبيت، أو من الدراسة، أو حتى بالضرب والركل والصفع. كنا نعرف أنّ الضرب عقاب ممنوع، لكنّنا لم نكن نحتجّ عليه لأنّ احتجاجنا سيتحوّل إلى عقاب أقسى. كان المدير أعلى سلطة في المؤسسة وكنا نخشاه ولا نتعامل معه مباشرة، وكان لا يظهر إلا في المناسبات النادرة كان القيم العام والقيمون والأساتذة هم من يتعاملون معنا بأشكال من اللطف والعنف مختلفة. كان الأستاذ لا يسلط عقوبته بنفسه، بينما كان القيمون قادرين على معاقبتنا دون اللجوء إلى سلطة أخرى. كانت أسماء الإطار التربوي والإداري لا تخيفنا رغم تسلطها مثلما سيخيفنا «الكبران» و»الشاف» في تلك الفسحة من العمل. هذا السرد الذي أطلت فيه عمدا قصدي منه أن أبيّن كيف أنّ الثقافة التي تربينا عليها هي ثقافة سلطة مطلقة ومتسلطة أحيانا، لكنّها تفتقر رغم ذلك إلى الأسماء الوظيفية التي تمثلها.

الشاف هو رتبة أعلى بقليل من رتبة الكبران في هذه الحظيرة لا أكثر ولا أقلّ، ويمكن أن تراه في مكان آخر فلا تكلمه مثلما كنت أفعل انتقاما بالصمت، وبحجة اختلاف المكان من السلطة ومن صاحبها. كل سلطة لها دائرة نفوذ تكبر أو تصغر، ولها مجال للسيادة محدود وزمان ثمّ يخلع منها.

لقد استمددنا ألقاب من يمثلون السلطة من معجم عسكري، أو ما شابهه. فالكبران مثلا هي تسمية رتبة عسكرية وتعني العريف، أو وكيل عريف البحرية، أو عريف الشرطة وهي رتبة لا تخوّل لصاحبها إلا سلطة محدودة، لكنّ الجند مطالبون بأن يطيعوه، وهذا فعلا الدور الذي كان يمارسه علينا الكبران في حظيرة العمل الصيفية. كان علينا أن نطيعه، لكن من الممكن أن نتظاهر بطاعته ولا ننفذ ما يأمرنا به، أو من الممكن أن نظهر له العصيان لأنّ نهارا مثقوبا أو ملتئما لا يختلف كثيرا عند تلميذ مراهق في شهر الصيام، كان أقرانه في ذلك الوقت ينامون ثمّ في وقت قريب من الإفطار يستيقظون، وبالنهار ليلَهم يَصِلون. حين يعاقبنا الكبران بثقب اليوم، يكون كالجندي الذي أطلق الرصاصة الأخيرة على العدو وليس له من رصاصة أخرى يحمي بها سلطته.
لم تستعمل الدارجة التونسية كلمة عريف لتسمّي بها هذا المراقب الصغير لأعمالنا بل أخذنا التسمية الفرنسية وحرفناها لأنّا ورثنا عن أجدادنا الذين عاشوا تحت نير الاستعمار الفرنسي، المعرفة برتب مستعمرنا العسكرية، حتى إن لم تكن معرفة دقيقة وهذه المعرفة تخوّل لصاحبها أن يتبين درجة السلطة التي تحيط به: كلما كانت الرتبة عليا كانت السلطة محكمة على الرقاب أكثر فأكثر. يستطيع الكبران تماما كما في النظام العسكري، أن ينوب رتبة أعلى منه وأن يسير الناس بدلا منه ويتخذ أحيانا القرارات التي يتخذها من أنابه علينا، لذلك كان الشاف يغيب كلّ الوقت تقريبا، ثقة في أنّ هذا النائب يمكن أن يتمم المهمّة. حين يحضر الشاف كان ينادي نائبه بسين التشريف التونسية (سي فلان) وهي تسمية يمنحها المجتمع للموظف المدني. كان يريد منا نحن العمال أن نناديه بهذه السين لكنّه كان يفشل في أن يسمعها منا. أخذت كلمة شاف من الفرنسية Chef التي تترجم بقائد وبزعيم، لكن لا أحد منّا يستحضر هذا المقابل العربي لعبارة شاف وهو يتوجه بهذا الاسم لهذا المتفقد الأعلى، أو يتحدث عنه. الشاف هو رتبة أعلى بقليل من رتبة الكبران في هذه الحظيرة لا أكثر ولا أقلّ، ويمكن أن تراه في مكان آخر فلا تكلمه مثلما كنت أفعل انتقاما بالصمت، وبحجة اختلاف المكان من السلطة ومن صاحبها. كل سلطة لها دائرة نفوذ تكبر أو تصغر، ولها مجال للسيادة محدود وزمان ثمّ يخلع منها. ما جعلنا لا نستعمل كلمة زعيم أو قائد، أنّ الفصحى قد ضخّمت من هذه التسميات فلو سميت الشاف زعيما لضحك الناس من تسميتك وضحكوا أيضا أكثر أو أقل من تسميتك له قائدا.

ليس في المعاجم العربية ما يبيّن كيف تطوّر لفظ الزعيم من الكفيل إلى الرئيس، رغم أنّ بينهما فرقا في طبيعة العلاقة: من ضامن للحقوق إلى حاكم بأمره؛ أي من راع لحقوق الطرفين ولاسيّما من وكّله إلى جامع لكل الحقوق من غير كفالة ولا ضمان أحيانا. ولسنا نجد أيضا في المعاجم القديمة كيف انتقل المعنى في الزعامة من حسن سياسة الكلام إلى سياسة الأنام، بل إنّنا لنجد شيئا من اللبس في هذه المعاجم بين معنى القيادة الحربيّة والقيادة السياسية، فقد قال الشاعر في المعنى الأول (حتّى إذا وقع اللواء رأيتَهُ * تحت اللواء على الخميس زعيما) والخميس هو الجيش المؤلف من خمسة فرق. الزعيم القائد هو معنى مستمدّ من الجدارة الحربية وهي جدارة مختبرة أو تجريبية ثمّ انتقل إلى التجريب السياسيّ، فكثير من الرؤساء الذين وسمهم الإعلام بالزعامة لا تفيد أعمالهم في التاريخ، هذا التناسب بين الرياسة والتبريز فيها وهذه درجة مطلوبة للانتقال من الرياسة إلى الزعامة. وأخيرا لا نعلم ما العلاقة بين الفعل (زعم) التي تفيد الادعاء في القول غالبا والاسم (زعيم) في هذا المعنى. غير أنّنا يمكن أن نجد في أبيات الشعر بما هي حمالات ثقافية جيدة بعض الأجوبة عن أسئلتنا الكثيرة: قال لبيد الشاعر: (تَطِيرُ عَدائدُ الأشراكِ سَفْعًا * وَوِتْرا والزعامة للغلامِ) قيل في شرحه « يريد السلاح لأنهم كانوا إذا اقتسموا الميراث دفعوا السلاح إلى الابن دون الابنة». من هنا نفهم لمَ كانت الزعامة والرياسة مقترنة بجنس دون آخر وبسلطة دون أخرى هي سلطة السلاح.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية