بين القديم والحديث… بلاغتُنا العربية إلى أيْن؟

كثيرة هي الدراساتُ والمصنفاتُ، التي تنشرُ من وقت لآخر، عن الحِجاج في البلاغة، أو الحِجاج وتحليل الخطاب، أو الحجاج في البلاغة القديمة وصلته بالفلسفة اليونانية، أو الحجاج بصفته بديلا للبلاغة العربية، والتوقُّف عند آراء شارل بيرلمان وغيره من مؤسِّسي هذا التوجه الحديث، الذي يعده بعضهم وريثا للبلاغة، إنْ لم يكن بديلا لها وللأسلوبية. وبعض الباحثين يخفِّفون من هذه اللهجة فيزعمون أن الحِجاج مظهر من مظاهر البلاغة، وليس بديلا لها. وأنه في الأساس ضرْبٌ من الدرس اللغوي اللساني، وإن البلاغة بلاغتان، أولاهما حجاجية، والثانية ليست حجاجية.
وقد استوقفني في الكتاب الصادر عن مجمع اللغة العربية الأردني في عمان (2021) بعنوان البلاغة العربية بين القديم والحديث، البحث الذي قدمته عمارية حاكم من الجزائر، في مؤتمر المجمع المنعقد بتاريخ 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 بعنوان «أفول البلاغة وميلاد الحِجاج» وهذا العنوان إشكاليٌ؛ في رأينا، إذ ينطوي على مغالطة كبيرة، فالكاتبة لا تفرق بين البلاغة من حيث هي صفة للكلام كالفصاحة، والعلم بوجوه البيان التي تتجلى في الكلام البليغ. وهو علمٌ يقوم على استقراء الكَلِم الملفوظ، والمكتوب، مُستخرجًا بعض الاختيارات المحددة التي تجعل من الكلام الملفوظ بليغًا، أو غير بليغ. فيتكلم علماءُ البلاغة، مثلا، عن المجاز والاستعارة والتشبيه والكناية والتجنيس إلخ.. وغابَ عن الباحثة أن البلاغة من حيث هي صفة للكلام تلقائية، وعفوية، راسخة، ومتجذرة في التعبير، وهي شيءٌ مختلفٌ عن علم البلاغة، فإذا كنا نتقبل فكرة أفول البلاغة على مَضَضٍ، من حيثُ هي علمٌ بالبيان، فلن نتقبل، بحالٍ من الأحوال، أن يغدو الكلام الإنساني خلوًا من التعبير الأنيق، الرفيع، الذي يوصف بالبليغ، لا بالعَيِي.
فالبلاغة – لغةً – هي تطبيقٌ عفويٌ لما يُعد في نظر عالم البلاغة تقْعيدًا وتنظيرًا. وتقدُّمُ البلاغة على مستوى التطبيق يشبه تقدُّم النظم وفق أوزان الشعر، وبحوره، وقوافيه، قبل أن يُعرف العروض، وعليه يغدو القول بأفول البلاغة كالقول بأفول اللغة ذاتها، أو أفول النحو، أو الصرف. من هنا يأتي وصفنا للعنوان بالإشكالي، فهو عنوانٌ لا تنتفع به الباحثة في ما تريد الوصول إليه من البحث، وكان ينبغي لها أن تعيد النظر فيه في ضوء الآراء التي تقول، إنّ العنوان عتبة تفضي بالقارئ إلى بهْو النصّ.
على أنَّ الباحثة لا تعْني في الواقع بأفول البلاغة، إلا تراجعَ علم البلاغة والبيان، وهو العلم الذي نشأ عربيًا في القرن الثاني الهجري والثالث، وكان من رواده أبو عبيدة، والأصمعي، والجاحظ، والمبرّد، الذي نُسب إليه كتاب بعنوان «البلاغة» وابن المعتز صاحب كتاب «البديع» وغيرهم ممن ألفوا كتبًا ذكروا فيها المجاز، والاستعارة، والتشبيه، والكنايات إلخ. وعلى هذا النحو يكون القول بأفول البلاغة – وفق رأي الباحثة – أفولا لعلم البلاغة المعروف، لا البلاغة ذاتها، وهو العلم الذي امتدَّ العطاءُ فيه، واستمر من القرن الثاني الهجري إلى العصرالحديث، على النحو الذي نجدُهُ في الوسيلة الأدبيّة للمَرْصفيّ، والبلاغة الواضِحة لعلي الجارم، وأحمد أمين.
وقد بالغت الباحثة في تناولها للفرضية التي تزعم أنَّ المتقدِّمين من علماء البلاغة، استثنوا النثر من اهتماماتهم، وجعلوا الحديث عن البلاغة مقتَصرًا على الشعر وحدهُ، دون النثر. واستبعدت من ذلك بعض المتأخرين نسبيًا كابن وهب، وإبي هلال العسكري، وابن عبد الغفور الكلاعي، وابن الأثير مؤلف «المثل السائر». وهذا الزَعْمُ، وإنْ كان له ما يسوّغه من بعض الوجوه، ويجيزهُ، إلا أنه غيرُ دقيق، لأن علماءَ البلاغة العربية، والبيان، والبديع، ما فتئوا يُمثّلون على وجوه البيان بأمثلة من آي القرآن المجيد، وذهب فريق منهم ـ كالرُمّاني، والزَمَلْكاني ـ مَذهبَ منْ يحصُر الإعجاز القرآني في بلاغته، وبما فيه من بديع وبيان. وتبَعًا لذلك يكون الزعم بأنّ البلاغة العربية، من حيث هي علم بالقوانين، تقتصر على الشعر، قولا لا يمثل الحقيقة قطعًا، وإنْ كان الواقع المتمثل في شواهد البلاغيين يولي الشعرَ منزلة أوْلى قياسًا بالنَثر، وسبب ذلك أن العرب في ذلك العصر الذي نشأت فيه علوم اللغة لم يكن لديهم نثرٌ أدبيٌ كثير. وتأسيسًا على ذلك، فإنَّ اقتصارهم على الشواهد الشعرية لا يعني أنَّ النثر في رأيهم أقلُّ بلاغةً، وبيانًا، من الشِعْر. وقد اعترفت الباحثة عن غير قصد في ص 68 بهذا، حين أشادت بصنيع أبي عبيدة، الذي أثبت في كتابه «مجاز القرآن» أنَّ بلاغته ـ أيْ القرآن- صورةٌ مطابقة لبلاغة العربية، ولسُنَن العَرَبِ في كلامِهم، وما فيه من المَجاز. فالقرآن، وهو نثرٌ، والشِعْر، فرسا رهان في هذا الميدان. وهذا دليل قاطعٌ، وبرهان ساطعٌ، على أنَّ علم البلاغة لم يقلل ـ بدايةً – من شعرية النثر.

يبدو أنَّ مِعْيار علم البلاغة القديم المتمثل في الكشف عن مقاصد المتكلم، أيْ صاحب الخطاب، يتوارى لصالح مِعْيار آخر، هو الإقناع، وذلك لا يتأتى إلا بمُخاطبة العقل، لا الوجدان، والتفريق بين الإغواء أو التأثير، والحِجاج أو الجِدال.

ويصعُب على القارئ اليقظ أنْ يجاري باحثتنا عمارية حاكم في زعْمِها غير الدقيق، أنَّ علم البلاغة العربية ظلَّ على الدوام أسيرًا لجماليات الشعر. ففي تناول المُفسِّرين، وعلماء البلاغة والبيان، لآيات من القرآن الكريم تتضمن شيئا من الاستعارة، أو المجاز، أو نوعًا من الكناية أو البديع، ما ينفي هذا الانطباع، ويفنِّده. ومن الأمثلة المتألقة في هذا المقام وقوفُهم المتكرِّر إزاء الإعجاز البياني في قوله تعالى «واشتعل الرأسُ شيبًا» أما جُنوح الباحثة لمقارنة علم البلاغة العربي بما جدَّ، ويجدُّ، في الأوساط الغربية من آراء، وما ذكرته من أنَّ علوم البلاغة تقلَّصَتْ، إلى أن أصبحت تنضوي جميعًا تحت مصطلح الأسلوبية، أو علم الأسلوب، فله وَجْهٌ من الوجوه. ذلك أنَّ علوم البلاغة، بعد أنْ كانت في رأيها تهتم بما يؤدي إلى الإقناع، تحولت لدراسة فنّ تجويد الكلام، وتحْسينهِ، وتنْميقِهِ. وهذا أدى إلى حصر علم البلاغة في إطار ضيِّق ومَحْدودٍ، هو نظرية الاسْتعارة، والكناية عند ياكوبسون. ولا تفتأ الدكتورة تؤكد أنَّ الشعر وحْدَهُ هو الذي يحظى بهذه التصورات في العصر الحديث، مثلما حظي بها في القديم الغابر. وتشترط الباحثة أنْ يتغيّا الدرس البلاغي وظائف محدَّدة، أولاها الوظيفة الإقناعية. وهي الوظيفة التي تعني، عند أصحاب نظرية التواصل، التوجُّهَ للمخاطب بدلا من الاهتمام بالمتكلم ومقاصده، أو الكاتب، أو الشاعر. فالمخاطَبُ يحتاجُ لوسائل تعبير تجبرهُ على الوقوع تحت تأثير ما يقوله البليغ. ولهذا فإنَّ التخييل يتنافى مع هذه الوظيفة المذكورة، لأن الخيال يتضمَّنُ أقوالا هي بعرف المنطق الحِجاجي أكاذيب. ولأن الأقاويل الشعرية ملأى بالخيالات، فقد تراجع العلم بالبلاغة لصالح الحِجاج، الذي يقف بنا إزاء الوسائل الكفيلة بتحقيق التصديق في المقام الأوَّل، ثم الإقناع في المقام الثاني.
وعلى هذا النحو يبدو أنَّ مِعْيار علم البلاغة القديم المتمثل في الكشف عن مقاصد المتكلم، أيْ صاحب الخطاب، يتوارى لصالح مِعْيار آخر، هو الإقناع، وذلك لا يتأتى إلا بمُخاطبة العقل، لا الوجدان، والتفريق بين الإغواء أو التأثير، والحِجاج أو الجِدال. وردَّا على هذه الفكرة يمكن القولُ بفَسادِ هذا المعيار، فالبلاغة صفةٌ أساسية في التعبير الأدبي شعرًا، ونثرًا، وليس من غاياتِ الشاعر، والناثر، أنْ يحقق التصديق، أو الإقناع، أو أنْ يخاطب العقل، مستخدمًا وسائل عقلانية بتعبير الباحثة، فقد سبق لعلماء البلاغة، والبيان، أن نبذوا هذه الوسائل، واستبعدوها من التعبير البليغ، وعدُّوها ممّا يُفسدُ البيان، ويهجِّنُه، وأطلق ابن المُعْتز على هذه الوسائل مُصْطَلح «المذهب الكلامي» ومن الأمثلة التي يغلب فيها المنطق على التعبير البديع قول أبي تمام:
وإذا أراد الله نَشْرَ فضيلةٍ
طُويتْ أتاحَ لها لسانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النار في ما جاوَرَتْ
ما كان يُعرفُ طيبُ عَرْف العودِ
فقد برهن في البيت الثاني بأسلوب قريب من القياس على دقة رأيه في الأول، موردًا ما يشبه الحُجّة، والدليل. وقد اختتمت عمارية بحثها هذا بإضاءة موجزة، مختصرة،عن نظرية شارل بيرلمان، أحد متزعمي الحِجاج، وهو القائل بنظرية «البرهان» ففي رأيه ينبغي أنْ لا يُنظر للخطابِ من حيثُ تعبيرُهُ عن مَقاصد الخطيب، لأنَّ هذا النظر يقوم على تحليل النصوص بالطريقة التقليديَّة فَحَسْب، والنظر الذي يحتاج إليه البرهان يتجاوز المتكلم إلى جمهوره، فكلّ مُحاجَجَةٍ تنمو، وتترسَّخ، بالنظر إلى المستمعين، وعليهِ، فَإن الحِجاج ـ أو علم البرهان ـ يتجاوزُ بزمن طويل بلاغة المتقدّمين.على أنَّ الباحثة تناقض نفسها تناقضًا يعْجبُ له القارئ، فقد ذكرتْ أنَّ علم البلاغة تغيّا، منذ القديم، الوقوفَ عند فنّ الكلام المُقنع لجمهوره، وأن هدف البلاغة، من حيثُ هي علمٌ، هم السامعون في الميادين العامة أمام حشود من الناس. وهذا هو هدف الحِجاج أيضًا، أو علم البُرهان.
وجلُّ ما جاء في البحث بعد هذا لا تختلف غاية الحجاج فيه عن غاية علم البلاغة القديم، من حيث أنَّ النوعين ينشدان التأثير في الجمهور تأثيرًا يُحدثُ لديه الاقتناع بما يقوله صاحِبُ الخِطاب، إلى الدرجة التي تجعل المخاطَبَ، فردًا أو جَمَاعة، يتبنَّي رأي هذا الخطيب. ويبقى السؤال: إذا لم يكنْ الحِجاجُ، أو علم البُرهان، في وسائله، وغاياته، مختلفًا عن علم البلاغة، فكيف ندَّعي أفولهُ، فيما هو ـ أي الحِجاج ـ مُشرقٌ دائمُ الإشْراق؟

كاتب أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية