بين القومية والمذهبية: كيف نتعامل مع المشروع الايراني؟

حجم الخط
0

بين القومية والمذهبية: كيف نتعامل مع المشروع الايراني؟

محمد فتوحبين القومية والمذهبية: كيف نتعامل مع المشروع الايراني؟ ربما لا تكون الأرقام في مسألة التشيع (أو التشييع) مهما جري التقليل من حجمها ذات مغزي كبير، لأن الأساس هنا هو الآثار المترتبة علي أي مسعي لتغيير التركيبة المذهبية، سواء في سورية أو أي من البلدان العربية أو الاسلامية الأخري، وبغض النظر عما اذا نجح هذا المسعي أم لم يحقق أي نجاح يذكر. وبصرف النظر عما اذا كان الحديث عن تشيع قري بأكملها في دول عربية دقيقاً، وهو ما يحاول مفتي الجمهورية في سورية أحمد بدر الدين حسون الذي يطاله هو شخصياً حديث التشيع؛ نفيه باستمرار، فان تشيع رجل واحد بفعل النشاط والمال الايرانيين في بلاد يغلب عليها الطابع السني؛ يمكن أن ينظر اليه باعتباره عملاً موجهاً يخدم أهداف من يقف وراءه.فما بات يعرف بالمشروع الايراني في المنطقة يلجأ الي استخدام حزمة من الأدوات، يُعد التشييع جانباً منها. وبالطبع فان المال الايراني هو العنصر الثاني في هذه الحزمة، فهو مصدر الدعم الأساسي لهذا المشروع، وهو يشكل مدخلاً للولوج الي المجتمعات العربية الأكثر فقراً، لا سيما مع القيود التي فرضت علي المال السني في ظل قوانين وأنظمة محاربة الارهاب في العالم.وبينما تختلف النظرة الي المشروع الايراني، بين من يري أن الهدف هو استعادة حلم الدولة الفارسية أو الصفوية وهذا يعني انه مشروع قومي ـ سياسي، وبين أولئك الذين يرون أن الهدف المذهبي ـ الشيعي هو الأبرز، يبدو ـ علي الأرجح ـ أن القائمين علي السياسة الايرانية يجمعون بين الهدفين معاً مع الغلبة للبعد القومي، غير آبهين كثيراً بما يقال حول مشروعهم، بل يعملون بصمت لافت، معززين بذلك ما يقال حول وجود جوانب خفية للمشروع.ان المشروع الايراني، والذي يمثل التشييع احدي أدواته (أو أبعاده)، يعيد النزاع المذهبي الي الواجهة ويوقظ مشاعر يعني ايقاظها (وقد بدأ بالفعل) فتنة مذهبية محتمة. وما يغذي احتمالات تفجر الصدام المذهبي هو الشحن المستمد مما يجري في العراق من حرب داخلية ساخنة يحاول السياسيون العراقيون نفي وجودها، الي جانب أحداث الحرب الباردة في لبنان (بين الحكومة والمعارضة) والتي تبدو كأنها صراع سني ـ شيعي بالرغم من سعي كلا الجانبين لابعادها عن هذا المظهر. وفي كلتا الحالتين البارزتين (العراق ولبنان) تبدو ايران محركاً أول لهما وعنصراً أساسياً فيهما.ولا بد بداية من التوضيح بأن المشكلة لا تكمن أساساً في اختيار المذهب أو حتي تغييره في ظروف طبيعية بعيدة عن الاطار الممنهج، لكن البعد السياسي الذي بات معه الحديث عن التشيع السياسي واقعياً؛ يُبعد هذه القضية عن الطابع الديني لتكون المسألة سياسية بامتياز؛ تستدعي معالجة من النوع ذاته، أي دون تحويل ردة الفعل باتجاه البعد المذهبي لـ التشيع ، بل التركيز علي الجانب السياسي لـ التشييع .والفصل بين الجانبين الديني والسياسي هنا ضروري لسببين أساسيين: أولهما حصر المشكلة في نطاق ضيق (أي مع السياسة الايرانية وأصحاب المشروع الايراني) دون توسيعها الي مجمل الشيعة، وثانيهما عدم تحويل صراع باعثه الأساسي سياسي الي صراع مذهبي بين السنة والشيعة. ومعلوم أن أي خلاف أو حتي صراع سياسي يمكن حله علي طاولة الحوار، بينما الصراع الديني أو الفتنة المذهبية لن ينتهيا بمفاوضات تقود الي اتفاقات أو صفقات، فالجانب العقائدي عند عموم الناس أمر غير قابل للتفاوض أو التنازل.وهنا يحق التساؤل: لماذا لا يذهب الايرانيون لنشر مذهبهم في بلاد أهلها من غير المسلمين، بل ينشطون في بلاد اسلامية أصلاً لكنها مختلفة في المذهب؟ ولعل الجواب يكمن في أن المشروع السياسي ـ القومي للايرانيين يتركز أساساً وبداية في محيطهم الاقليمي، وهذا ما يدفعهم الي الولوج الي مجتمعات هذا المحيط الاقليمي لايجاد موطئ قدم، أو لتعزيز نفوذ قائم (مثلما هو الحال في سورية).وعلي هذا، فان مقارنة المشروع الايراني بالمشروع الأمريكي ليس بالضرورة أن تقود الي استنتاج أيهما أخطر علي المنطقة، بل يكفي أن نعلم أن لكل مشروع أهدافه ووسائله، وبالتالي ليس هناك من داع للدخول في جدال حول أي من المشروعين تجب مقاومته وأي منهما ينبغي التجاوز عنه. وفي الواقع، ليس هناك من مشروع اقليمي صديق وآخر عدو، فأي مشروع ينطلق من خارج البيئة المحلية والوطنية هو مشروع خارجي، بغض النظر عن الاعتبارات الأخري التي يُختلف عادة في تقييمها تبعاً للخلفيات السياسية والأيديولوجية للأطراف المختلفة.واذا كان المشروع الأمريكي واضحا في معالمه وأهدافه، أو علي الأقل يعتقد العرب من مواطنين عاديين ونخب أنهم يعرفون أبعاده ومراميه، فان المشروع الايراني يتلبس أشكالاً عديدة، بعضها بلباس مذهبي شيعي مثلما هو الحال مثلاً في سورية، أو قومي – فارسي ومثاله العراق، أو حتي مالي واقتصادي مثلما ظهر في الأراضي الفلسطينية مؤخراً. كما يلجأ أصحاب المشروع الايراني تارة الي أدوات محلية لخدمة مشروعهم (مثل حزب الله في لبنان) وتارة أخري يعتمدون علي عناصر ايرانية تدير مجموعات محلية علي الأرض (مثل العراق)، وتارة ثالثة عبر رجال دين محليين وايرانيين ينشطون بغطاء رسمي في القري والمدن النائية أو المجتمعات الفقيرة مادياً (مثل سورية)، أو دون تنسيق مع السلطات (في بقية الدول العربية).ورغم ذلك يحاول البعض، سواء ممن لا يأخذون المشروع الايراني علي محمل الجد أو من المنخرطين في هذا المشروع، التصوير بأن الحديث عن التشييع السياسي كأحد أبعاد المشروع الايراني ضرب من الطائفية، في حين أن السياسة الايرانية المشار اليها، بوسائلها وأهدافها، هي ممارسة عملية للطائفية واثارة لها في مجتمعات عربية محافظة تتصف عادة بأنها ذات حساسية بالغة ازاء القضايا الدينية والمذهبية.واذا كان ـ كما يقال ـ من حق الايرانيين أن يخدموا مصالحهم بشتي الطرق المتاحة لهم، فان من حق الأطراف الأخري (ان لم تكن الحكومات فالمجتمعات وقواها الوطنية الحية) أن تعلن رفضها للمشروعات الايرانية التي تتخذ من أراضيها ومجتمعاتها منطلقاً وساحة لها.ولذلك كان موقف غالبية القوي الوطنية في سورية ـ مثلاً ـ تجاه السياسة الايرانية فعلاً سياسياً بامتياز، ولم يكن ضرباً من الفرز الطائفي ـ المذهبي بالتأكيد، بل ان مواقف المدافعين عن المشروع الايراني هي التي تنحو هذا المنحي. وما يعزز هذا القول ان مواقف متشابهة (في رفض المشروع الايراني والتحذير منه) اتخذت من قوي تتراوح بين اليسار واليمين علي امتداد الطيف السياسي السوري، بما في ذلك العلمانيون.لكن اللافت حقاً هو أن تري الحكومة السورية في وقوف القوي الوطنية السورية في وجه المشروع الايراني (بالتوازي مع وقوفها في وجه المشروع الأمريكي في المنطقة) ضرباً من الاشاعة للفتنة المذهبية، في حين أن السلطات السورية لا تكف عن منع أي نشاط للتيارات الاسلامية الأخري، مثل السلفية، في ذات الوقت الذي تغض فيه الطرف عن النشاط الايراني المتمثل أساساً بنشر التشيع، بل وتدافع عنه، بنفي وجوده علناً وبتقديم التسهيلات له أو غض الطرف عنه علي الأقل؛ سراً .. ربما لأسباب متعلقة بالتحالف بين دمشق وطهران، دون استبعاد افتراضات أو احتمالات أخري!!وأخيراً، نكرر القول: ليكن الحديث عن المشروع الايراني سياسياً، وليكن النظر اليه بوصفه فعلاً سياسياً ـ قومياً يستخدم التبشير بالمذهب الشيعي وسيلة، وربما ـ علي الأرجح ـ ليس هدفاً نهائياً.ہ باحث ومحرر في معهد الشرق العربي في لندن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية