لندن ـ «القدس العربي»: قد نزعم أن استقالة البارونة سيدة وارسي قد رفعت من مستوى الخطاب السياسي الرسمي في بريطانيا لمستوى الأزمة التي تمر بها غزة وقدمت موقفا متماهيا مع المواقف الشعبية التي عارضت الحرب التي دارت على غزة لأكثر من شهر وفشل الإعلام البريطاني في معظمه في تقديم صورة متوازنة عنها تعبر عن مأساة الضحية والدمار الذي حل بأهل غزة وممتلكاتهم. واضطرت وارسي للاستقالة وهي أرفع مسؤولة في حزب المحافظين تترك الحكومة بعد أن وجدت أنه لا يمكن الدفاع عن سياسة الحكومة المحافظة تجاه غزة.
ووارسي، التي تولت رئاسة حزب المحافظين سابقا وعملت وزيرة في الخارجية البريطانية ووزيرة المجتمعات والأديان، نشرت يوم الُثلاثاء رسالة استقالتها، وأدت لعاصفة من النقد والجدال حيث ربطها المعارضون لها بأنها لم تكن جيدة في عملها وبالتعديلات الوزارية بل وذهب أحد نواب الحزب مايكل فابريكانت الذي اقترح أن استقالة البارونة مرتبطة بكون غزة «موضوعا إسلاميا» وهو ما أثار شهية التعليق على المسؤولة السابقة التي اتهمهما البعض بأنها تغلب «الدين» على المصلحة الوطنية.
وردت على منتقديها بالقول «إن كانت لدي أفكار حول الاقتصاد فأنا من المحافظين وإن تحدثت عن مؤسسة الصحة الوطنية فأعتبر من المحافظين ولكن عندما أعلق على السياسة الخارجية فأنا مسلمة».
وأثارت تصريحات فابريكانت موجة من النقد فقد علق أحدهم قائلا «واوو مايكل فابريكانت وصف هاشتاع غزة بأنها موضوع إسلامي، مما يعني أنه يجب ان نهتم فقط بالأطفال المسلمين، تعليقات مثيرة للغثيان».
وكتبت الكاتبة المسلمة شيلينا جان محمد معلقة على كلام النائب «هذه ليست موضوعا مسلما بل أمر متعلق بالضمير المسلم ويهم كل شخص»، وقالت إن تعليقاته تظهر انه بعيد عن المشاعر الإنسانية والرأي العام والحقائق، وأجبرت التعليقات فابريكانت على الرد والتأكيد أن غزة هي في النهاية موضوع إنساني، مؤكدا في تصريحات لصحيفة «إندبندنت» أن موقف رئيس الوزراء ديفيد كاميرون من غزة صحيح. وليست هذه المرة التي يتحول فيها موضوع غزة لمجال للنقاش السياسي الداخلي فقد أثارت تصريحات زعيم حزب العمال إد ميليباند نقدا عندما قال إن سياسات إسرائيل في غزة لا يمكن تبريرها، ودعا للغة أشد في التعامل مع إسرائيل وهو ما حفز الحكومة للدفاع عن موقفها وأنها تعمل جاهدة لتحقيق وقف إطلاق النار. وحاول حزب الليبراليين الأحرار انتهاز الفرصة وتقديم موقف متميز عن المحافظين، شركائهم في حكومة الإئتلاف، من أجل تعزيز قاعدته الشعبية التي خسرها في الانتخابات الأخيرة، ودعا زعيم الحزب نيك غليغ لتعليق صادرات الأسلحة لإسرائيل بسبب تجاوز الأخيرة الخطوط الحمر في غزة.
لا يمكن الدفاع عنها
وفي رسالة الاستقالة كتبت وارسي لرئيس الوزراء «رأيي أن سياستنا تجاه التسوية السلمية في الشرق الأوسط بشكل عام، وموقفنا الأخير ولغتنا تجاه الأزمة في غزة لا يمكن الدفاع عنها اخلاقيا، وليس في مصلحة بريطانيا القومية على المدى البعيد وسيترك أثره على سمعتنا في الداخل والخارج».
ورغم دعم مسؤولي الحكومة لسياسة كاميرون إلا أن عددا من المسؤولين البارزين في حزب المحافظين أضافوا أصواتهم لصوت وارسي وتساءلوا عن مناسبة المممارسات الإسرائيلية في غزة مما يضع ضغوطا جديدة على كاميرون كي يشجب الضربة الإسرائيلية على غزة. وعبر وزير الخزانة جورج اوزبورن عن غضبه لرحيل وارسي بلغة مبطنة عندما قال إنه «مخيب وقرار غير ضروري»، ولكن عمدة لندن بوريس جونسون عبر عن مظاهر غضب وارسي عندما وصف الممارسات الإسرائيلية في غزة بأنها غير متكافئة «أعتقد أنها بشعة ومأساوية ولن تكون جيدة لإسرائيل على المدى البعيد».
وعلق دومنينك غريف الذي عزله كاميرون في التغيير الوزاري الشهر الماضي من منصبه القانوني في الحكومة على أن وارسي وكين كلارك هما الشخصيتان البارزتان وأصحاب التجربة الغائبتان الآن عن النقاش حول غزة.
ولم يمض كثيرا في حديثه ويتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب قائلا «السؤال فيما إن كانت أفعال إسرائيل مناسبة وضرورية في عملية أدت لمقتل 1500 مدني». ويقول أليستر بيرت، الوزير السابق في الخارجية إن القسم الإسرائيلي في الخارجية لم يكن مبررا وخسر النقاش الأخلاقي.
تعزية في جنود إسرائيل
وأشارت صحيفة «إندبندنت» إلى التناقض بين تصريحات ديفيد كاميرون وأفعاله فيما يتعلق بغزة، ويقول كاتب التقرير أوليفر رايت إن موظفي الخارجية شعروا بالدهشة من بيان الحكومة الذي «قدم التعزية لأهالي الجنود الإسرائيليين القتلى فيما اكتفى بالتعبير عن «القلق» من تزايد أعداد القتلى بين المدنيين في غزة.
ويرى أن قرار البارونة الإستقالة هو قرار مبدئي يتعلق بالحرب على غزة ولكنه يعبر عن حالة من الإحباط لعدم وفاء حزب المحافظين بتعهداته الانتخابية التي قطعها على نفسه عام 2010، فقد أظهر الوزراء حالة من الصمم تجاه القضايا التي تهم الجالية المسلمة فيما يتعلق بالهجرة أو مواجهة التطرف وأخيرا عملية «حصان طروادة» التي اتهم فيها مسلمون بمحاولة السيطرة على مدارس حكومية ونشر التشدد.
وفي الوقت الذي حاولت فيه البارونة وارسي التخفيف من حدة الخطاب إلأ انها كانت تخوض معركة خاسرة. ثم جاءت غزة وكشفت عن حجم الأزمة والموقف البريطاني منها لم يكن بحجم توقعات الأقلية المسلمة.
ولا يقلل الكاتب من أهمية الإستقالة وأثرها على حظوظ المحافظين في الانتخابات المقبلة، فمن أجل الحصول على الغالبية في البرلمان فعلى الحزب تحقيق نتائج جيدة في المناطق الحضرية والمقاعد التي يتواجد فيها تمثيل مهم للأقليات «فيوم أمس خسر كاميرون، وزيرة جيدة ومجتهدة ولكنه قد يكون قلل من حظوظه في الفوز في الإنتخابات».
تراجع عن حقوق الإنسان
وترى صحيفة «الغارديان» في افتتاحيتها أن مسألة الاستقالة مبدئية ولها علاقة أيضا بوزارة الخارجية التي بدأت تتحول عن مسارها الذي خطته في عهد ويليام هيغ الذي أكد على قضايا حقوق الإنسان باتجاه التركيز على قضايا ضيقة تتعلق بالأمن القومي في عهد الوزير الحالي فيليب هاموند.
وقالت الصحيفة إن وارسي قدمت نقدا جادا لمسار السياسة الخارجية وفشل الحكومة في شجب الممارسات الإسرائيلية في غزة، ومحاولات منع إحالة إسرائيل – وحماس- لمحكمة جرائم الحرب الدولية. وأشارت إلى أن نقدها للحكومة نظر إليها البعض على أنها محاولة لإرضاء الذات وهو النقد الذي وجه لوزيرة التنمية الدولية كلير شورت التي استقالت من حكومة توني بلير بعد غزو العراق.
وينهي رحيل وراسي بحسب الصحيفة مرحلة مهمة في سياسة المحافظين الخارجية خاصة أن سياستهم طالما طبعت بعقدة الذنب خلال فترة جون ميجر وفشله في التدخل في حملة الإبادة ضد مسلمي البوسنة ومذابح رواندا.
ومن هنا فقد ركزت سياسة المحافظين في حكومة الإئتلاف على حقوق الإنسان بقيادة هيغ والذي ركز على العنف الجنسي في الحروب وكان مدافعا قويا عن القانون الدولي الإنساني مع أنه لم يدعم طلب الفلسطينيين للمحكمة الجنائية وهو ما رأت فيه وارسي التي كانت وزيرة للمحكمة أمرا غير مقبول. ولكن علاقتها القوية مع هيغ جعلتها تظل في موقعها حتى حضور هاموند الذي لم يهتم كثيرا بحقوق الإنسان.
ومن هنا جاء رحيل هيغ والذي ترافق مع نتائج التدخل في ليبيا فأنهى مرحلة من السياسة الخارجية التي تقدم حقوق الإنسان على المصالح القومية الضيقة. وترى الصحيفة أن وارسي ليست وحدها في الحزب من انتقد أداء الحكومة في غزة.
وترى الصحيفة في خروج وارسي المولودة في يوركشاير لعائلة باكستانية مهاجرة دليلا على فشل محاولات الحزب للتحديث والانفتاح حيث لم يكن قادة الحزب على استعداد للاستماع لآرائها، خاصة أنها على صلة كبيرة بالرأي العام داخل الأقلية المسلمة. وتقول الصحيفة إن رحيلها سيترك انطباعا سلبيا لامرأة شاركت في الرأي مايكل غوف الذي عبر عن غضبه لتسيد نخبة من المتخرجين من مدرسة إيتون الشهيرة وأنها اجبرت على الاستقالة من «شلة» بيضاء.
و»يقال إنها احتفظت بيوميات وهناك مخاوف من نشرها في عملية انتقامية ومن الصعب تخيل ما يمكن أن تعمله لإحراج حزبها وكشف مواقفه من المرأة والأقليات».
هجوم اليمين
مقابل هذا التحليل الذي يربط استقالة وارسي بتغير مسار الحكومة الذي كشفت عنه حرب غزة، برز في الصحافة اليمينية خاصة تلك المرتبطة بروبرت ميردوخ نوع من الشجب ولهذا رأت صحيفة «التايمز» في ما ورد في رسالة الاستقالة من نقد للحكومة أنها «مضللة» ومثيرة «للقلق»، «فهي على ما يبدو تتعامل مع سياسة خارجية لبريطانية تبتعد عما تراه تحيزا لإسرائيل وتميل نحو موقف الفلسطينيين».
وتضيف الصحيفة إنه لا توجد هناك سياسة من طرف واحد موجهة للشرق الأوسط ولهذا السبب انضمت بريطانيا للرباعية التي تقوم بالإشراف على محادثات السلام «وعليه فالسياسة اللاأخلاقية ليست متعلقة بنا وحدنا بل وبحلفائنا الأمريكيين والأوروبيين، فعندما تعقد محادثات السلام الجدية لا يقودها هاموند بل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري». وترى أن فكرة وارسي التي تتخيل نجاح بريطانيا في الوقت الذي فشلت فيه الرباعية هي أضغاث أحلام وهو ما تعرفه وارسي.
وتقول الصحيفة إن استقالة الوزيرة تذكر بعدد من الحقائق حول مواقف المسلمين البريطانيين، فعندما تجري أحداث في ليبيا وإيران وسوريا والعراق فلا أحد يهتم لكنهم ينتعشون عندما يتعلق الأمر بإسرائيل «فلم يؤد فشل السياسة الخارجية البريطانية في سوريا لاستقالات أو تظاهرات غاضبة».
وتعترف الصحيفة بوجود ناخبين مسلمين أكثر من اليهود مع أن هذا ليس مهما في غالب الأحيان، ويهم عندما تظهر حالة استقطاب حول ما يجب فعله نحو إسرائيل والفلسطينيين، ففي حالة تصميم السياسة حول من سيعبر عن غضب أكبر ومن يصبح متشددا فعندها ستصبح بريطانيا جزءا من المشكلة ولن تسهم في الحل تقول الصحيفة.
وبالتوجه نفسه عالجت صحيفة «دايلي تلغراف» القضية حيث قالت إن استقالة وارسي لن تؤدي لتحقيق السلام في غزة. وتتساءل الصحيفة عن الكيفية التي سيساعد فيها شجب الحكومة لإسرائيل على حل الأمور.
وأشارت لما تحدث عنه هاموند «دبلوماسية مكبرات الصوت» التي قد تجعل الناس في الغرب يشعرون جيدا ولكنها لن تتصدى للمشاكل التي أدت لمذبحة غزة.
واتهمت الصحيفة وارسي بعدم الحيادية في حديثها عن سياسة لا يمكن الدفاع عنها أخلاقيا. فقد كانت ستقف على أرضية ثابتة لو شجبت حماس وصواريخها على إسرائيل.
وعلقت الصحيفة على رسالة الاستقالة بأنها انشغلت بالحديث عن التعديل الوزاري الأخير مما يقترح أن الوزيرة المستقيلة لم تكن منشغلة ببؤس الفلسطينيين قدر انشغالها بالقضايا المحلية. وترى الصحيفة أن التعبير عن مشاعر قوية في قضايا السياسة الخارجية لا يساعد حتى لو افترضنا أن بريطانيا لا تزال مؤثرة في المنطقة وعليه فموقف الحكومة حول حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها من صواريخ حماس التي هدفت من إطلاقها استفزاز الرد الذي شاهدناه في غزة.
وتقول الصحيفة إن المحادثات التي تجري الآن بعد وقف إطلاق النار قد تفضي لسلام ومساعدات إنسانية مما يؤكد أن استقالة وارسي لن تسهم في تحقيق هذا الطموح.
مقايضة
وهنا تقترح صحيفة «فاينشال تايمز» البريطانية مقايضة بين نزع سلاح المقاومة وتخفيف الحصار عن غزة.
وتقول إن وقف إطلاق النار جلب معه الارتياح والأسى، الراحة بسبب توقف القتل أما الأسى فبسبب الدمار والموت الذي حدث. وتقول إن خرج شيء جيد من هذه الأنقاض فيجب أن يطور لشيء دائم بدلا من حالة توقف في القتال في انتظار الجولة القادمة من القتل والدمار. وحتى يحدث هذا يجب أن يعبر الفلسطينيون والإسرائيليون عن استعداد لمنح السلام فرصة. فالجانب الإسرائيلي يحتاج لسبب أن لا تتحول فيه غزة مرة أخرى لقاعدة إطلاق الصواريخ وشبكات الأنفاق.
ويحتاج الفلسطينيون تخفيفا للحصار الذي فرضته مصر وإسرائيل عليهم. ومن هنا يجب ان تقوم فكرة أية صفقة على مبادلة السلاح بتخفيف الحصار مترافقا مع بناء البنى التحتية الحيوية. وتعترف الصحيفة بأن تحقيق هذا أمر صعب إن أخذنا بعين الإعتبار درجة عدم الثقة والكراهية بين الطرفين، ولكن دولا مثل مصر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمكنها لعب دور إيجابي.
وتقول الصحيفة إن الحكومة العسكرية في مصر تشك بحماس التي تعتبرها فرعا من عدوها اللدود الإخوان المسلمين ولكن في حالة فتح نقاط العبور بين مصر وغزة وتمت إدارتها من قبل السلطة الوطنية التي تصالحت مع حماس فعندها ستتخلى مصر عن معارضتها لفتح الحدود.
وترى الصحيفة إن حماس وأفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف متفقان على نقطة واحدة وهي أن الأمم المتحدة يجب أن تلعب دورا مهما في غزة ما بعد الحرب، مع ان الدور الذي يتصوره كل طرف لها مختلف، حيث ترى حماس اهمية للمنظمة الدولية في الإعمار والبنى التحتية، أما ليبرمان فيريد دورا في مجال الحكم والأمن.
وقد لا تكون الأمم المتحدة مستعدة للعب هذا الدور في ظل الخسائر بين الموظفين التابعين لها ومؤسساتها، لكن استعداد الطرفين لمنحها دورا أوسع من التقليدي هو نقطة إيجابية تمنح الأمل والتقدم.
إبراهيم درويش