لم يحدد الفقهاء وعلماء الاجتماع وفلاسفة المنطق والسياسة حاجزا يحول بين تغيير الإنسان لمهنته أو عمله أو البقاء عليهما ما دام يحترم ضوابط المهنة الجديدة، فقد استوزر أدباء وشعرا ومغنين واستنوق سياسيين وعلماء واستأسد ضعفاء وأبدل أناس وجوههم ونزعوا عمائم وعصم الوعظ وأبدلوها بلباس وعادات أوروبا وأمريكا وهكذا دواليك الدنيا تدور عكس عقارب الساعة، فلا غرابة أن يصوت الكنيست الصهيوني لمنع الأذان عِبر مُكبرات الصوت، وهولندا تتجرأ على المساس بسيدات بيت النبوة الطاهر من خلال فلم مسيء لأمهات المؤمنين، انه ضعفنا وهواننا على أنفسنا دفع هؤلاء لاقتحام جوامعنا ومخادعنا، وجعلنا ننكص عن حتى الإشارة بأصابعنا لهم بل نكرم قاتل أبنائنا ونضع أكاليل زهور على قبور من داس بأحذيته على قراننا المنزل من رب السماء، ومادام قياد الناس لا يهتم بمهنة السياسي، فلم يعد يهمنا شان القائد ومهنته ما دام يؤمِّن لنا سبل الأمن والعيش الكريم بعد داس على مشاعرنا وكرامتنا حكامنا الجدد فلم نعد نهتم بمن يلي أمرنا سواء أكان مطربا، راقصا يسير على الحبال، يؤمن بالبخت والطالع فقد جربنا خلال العقد الأخير العمائم بألوانها وأطوالها فأدركنا أن الأمن لا يأتي من طول وعرض عمامة، وببلاغة بليغ أو فصاحة، فصيح أو لحن ملحن إنما يأتي من الصدق مع الشعب والسهر على مكتسباته فرئيس دولة التشيك (فاكلاف هافل) الكاتب المسرحي الذي عاش حياته بصدق، سواء داخل قصر الرئاسة أو خارجه، ونجاح تجربته في تسيير أمور البلاد بل أصبح قدوة للعالم يذكره الجميع بخير والذي فقدته الإنسانية مؤخرا، وريغان هو الآخر عاش ممثلا سينمائيا فاشلا إلا انه نجح في السياسة فتربع على عرش الولايات المتحدة الأمريكية1981 إلى 1989في ظرف صعب فكسب محبة الأمريكيين وأصبح يحبه الشعب ويحب الشعب.. أثار انتباهي وأنا اقلب صفحات جريدة القدس الغراء وجدت خبراً على صفحتها الأخيرة منها عن تحول المطربة والنائبة الموريتانية المعلومة بنت الميداح من العمل بالسياسة إلى الغناء، تلفتُّ يميناً وشمالاً فلم أجد تعليقا مناسبا يجيب على تساؤل عريض عن سبب هذا التحول من السياسة إلى الفن – رغم أن بعضهم يتقاتلون على الكراسي- هل عجزت السياسة عن الإقناع بفلسفة وأيديولوجية لتكوين فكر ووضع نسق فكري لقيادة الناس وإرغامهم على الطاعة، لكن المعلومة بنت الميداح وبما تملك من صوت وشجاعة أدبية قد تشترك مع رواد المنابر من السياسيين فبعد أن كانوا مغمورين أصبحوا يشار لهم بالبنان يتلونون تلون الحرباء يسيرون وراء مصالحهم الشخصية يُغيرون صباح مساء على أبناء جلدتهم بعلقمِ القول وسداد الرمي، فاستباحوا المال والأعراض وجعلوا من بلدِ النور والشمس والبناء، يعيش عيشة البؤساء التعساء والظلام والخراب، ولما كان الفن من رقصٍ وغناءٍ وحداء وأزاهير شعر وفنون أخرى يحتاج إلى مران وجرأة في طرح مضمون رسالة إلى متلقي فقد انكسر الحاجز بين هؤلاء السياسيين وتساووا في صفات ومن هنا فلا بد أن يجرب السياسيون بعد أن أفل نجم الكذب والصراخ ألفاضي أن يصعدوا إلى المسارح لتجربة الغناء عسى أن يفلحوا في كارٍ جديد- والناس يحبون التجديد- ليبدأوا شوطا جديدا من تسليط الأضواء عليهم فقد غابت شمس الحرية التي جاءوا بها ولم نعد بحاجة لدفء تصريحاتهم ووعودهم.. بدورنا لا بد من تحية نوجهها للسياسية المغنية المعلومة على شجاعتها رغم أن موريتانيا الشقيقة بلد الشعراء تعيش في رخاء أدبي واستقرار امني نفتقده.
عبيد حسين سعيد[email protected]