بين النص الصوفي وقصيدة النثر

ثمة خلط كبير، عند البعض، في التمييز بين النص الصوفي وقصيدة النثر، لدرجة أنهم أحيانا يعتبرون النص الصوفي قصيدةً نثرية بناءً على أن هذين المقترحين يقومان ما بين النثر والشعر.. بين «التنثير» و»التشعير». أقصد «تنثير» الشعر و»تشعير» النثر. طُرِح عليّ هذا السؤال في إحدى الندوات بشكل شممت فيه رائحة هذا الخلط، أي الجمع بين ما قد تفرق في كل شيء تقريبا.
والحق إن هذين المقترحين الشعريين يختلفان، اختلاف الليل والنهار، من حيث المنطلقات والمرجعيات، بالشكل الذي يضمن لكل واحد منهما استقلاليته. صحيح أنهما يتجاوران في بعض الشكليات لدرجة أنه قد يصعب على العين العجلى أحيانا التمييز بينهما، إلا أنه مع ذلك، علينا أن نفصل بين هذين النمطين من الكتابة للأسباب السالف ذكرها. لذلك، ودرءا لهذا اللبس، ارتأينا أن نخصص هذه الوقفة لتوضيح ما يمكن توضيحه قدر الإمكان.
من المعلوم أن السياق الذي جاء فيه النص الصوفي، هو سياق ديني محض، لكن بنوع من الانقلاب في النظر إلى النص الديني. لقد كان الانقلاب على الظاهر الديني واضحا بشكل لا غبار عليه. وعليه نقول إن النص الصوفي ينقلنا من الظاهر إلى الباطن، من المعلوم إلى المجهول، ومن المعرفة العقلية إلى المعرفة الذوقية، كما يقول أدونيس عن النص النفّري.
ولما كان الغيب هو ما يحاوره النص الصوفي، فإن الشاعر الصوفي لا تحلو له الإقامة إلا في طريق الكشف، الذي لا نهاية له، طريق ينطلق من المعرفة لينتهي إلى الجهل. المعرفة فيه مقدمة والجهل نتيجة، كأني بالصوفي يقول على غرار الفيلسوف اليوناني سقراط «أعرف أنني لا أعرف». أما اللغة، في النص الصوفي، فهي الوسيلة الوحيدة «لبسط الثني الديني» بلغة هايدغر، أقصد ما تم السكوت عنه أو إقباره. هي لغة خاصة.. لغة الإشارات والرموز، القادرة على قول ما لا يقال.. لغة تتموضع بين النطق والصمت، بين الشعر والنثر.
إن النص الشعري الصوفي، نص أصلٌ. نص لا نموذج له. هو نص «يكتب التاريخ برؤيا القلب، ونشوة اللغة» (أدونيس- الشعرية العربية). ولعل أهم ما يميز شعرية النص الصوفي، هو أن الشعر فيها فكر، والفكر شعر. وبذلك نخلص إلى أن هذه الشعرية تأسست منذ البداية على مبدأ الثني والنسيان في الخطاب الديني، وهي أيضا خروج عن منطق الإجماع، منطق الأصولية الدينية التي تعصبت للظاهر، ومنطق الأصولية الشعرية التي جعلت من شعرية الطلل كميتافيزيقا في مواجهة مع إمكانية التفكير شعرا.

مع تجربة مجلة «شعر» تكون قصيدة النثر كمفهوم جديد قد فرضت نفسها في المشهد الشعري العربي الحديث كنمط شعري وافد استطاع أن يلهم معظم شعراء الأجيال التي جاءت بعد جيل رواد الشعر الحر.

أما في ما يخص قصيدة النثر كمقترح شعري من ضمن مقترحات شعرية أخرى، شكلت مشهدنا الشعري العربي المعاصر، فإننا نبادر إلى القول إنها تجربة شعرية حديثة العهد في الثقافة العربية. تجربة ولدت في سياق مختلف تماما عن سياق النص الصوفي. والفضل في ظهورها يعود إلى الدارسة سوزان برنار من خلال أطروحتها الشهيرة «قصيدة النثر من بودلير إلى الآن». وسرعان ما تبنى هذا الرافد الشعري مجموعة من شعراء الحداثة العربية، مثل أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وشوقي أبي شقرا ومحمد الماغوط، داخل تجربة مجلة «شعر» اللبنانية. وما يميز قصيدة النثر حسب سوزان برنار والشاعر انسي الحاج، كما جاء في مقدمة ديوانه «لن» كونها تقوم على ثلاثة محددات أساسية هي:
– المجانية: وتعني إدخال العناصر النثرية، من سرد ووصف، في كتلة لازمنية هي قصيدة النثر. إنه اللعب المجاني بالكلمات، خارج سياقاتها الزمنية، وبعيدا عن الارتباك اللغوي الذي قد يخلق الإبهام المفتعل، لا الغموض الفني الناجم عن غموض التجربة الإنسانية ذاتها.
ـ التوهج: ويعني الإشراق المدهش الذي يخلقه اللفظ في سياق الجملة والدلالة العامة للنص.
– الإيجاز: ويعني التكثيف الشعري من خلال الجمع بين معانٍ كثيرة في ألفاظ قليلة. والتكثيف هنا يكون سياقيا وتركيبيا.
مع تجربة مجلة «شعر» تكون قصيدة النثر كمفهوم جديد قد فرضت نفسها في المشهد الشعري العربي الحديث كنمط شعري وافد استطاع أن يلهم معظم شعراء الأجيال التي جاءت بعد جيل رواد الشعر الحر. أنبه في هذا السياق إلى أن مصطلح القصيدة، في نظرنا، لا يتماشى مع طبيعة هذه التجربة البعيدة كل البعد عن غنائية وشفاهية القصيدة العربية، التي اكتملت شعريتها مبكرا وتحديدا في العصر الجاهلي. فشعريتها مختلفة تماما عن شعرية القصيدة. والسياق الذي ظهرت فيه ليس هو سياق الحياة العربية الجاهلية. قصيدة النثر ولدت كتابيا، فيما القصيدة ارتبطت ولادتها بالشفاهي أي الإنشاد والسماع.
ووجبت الإشارة هنا إلى أن هناك فرقا كبيرا أيضا بين مصطلحي «الشعر المنثور» و»قصيدة النثر». فالشاعر أنسي الحاج، أحد مؤسسي هذه التجربة الشعرية الوافدة، يذهب إلى أنه من الخطر توهم أن الشعر المنثور (شعر أمين الريحاني مثلا) والنثر الشعري هما قصيدة نثر. وعلى هذا الأساس نقول نحن أيضا إنه من الخطر توهم أن النص الصوفي هو قصيدة نثر، لأن النص الصوفي، نص مستقل بذاته، وله خصوصيته التي يمتزج فيها الشعر بالفكر، وسياقه غير سياق قصيدة النثر. لذلك فالربط بين التجربتين جرم في حقهما.

شاعر وكاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية