بين النظام القوي والدولة الضعيفة لسامر سليمان: ماذا تعنيه دلالات الانفاق علي الأجهزة الأيديولوجية، الثقافة، الأمن؟

حجم الخط
0

بين النظام القوي والدولة الضعيفة لسامر سليمان: ماذا تعنيه دلالات الانفاق علي الأجهزة الأيديولوجية، الثقافة، الأمن؟

بين النظام القوي والدولة الضعيفة لسامر سليمان: ماذا تعنيه دلالات الانفاق علي الأجهزة الأيديولوجية، الثقافة، الأمن؟القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: عن سلسلة مطبوعات الدار للنشر والتوزيع صدرت الطبعة الثانية من كتاب النظام القوي والدولة الضعيفة للباحث سامر سليمان أحد المجتهدين الجدد في مجال الاقتصاد السياسي، وأحد أبرز المنتقدين للصورة المهترئة التي وصل اليها النظام السياسي المصري في لحظته الراهنة، لذلك فانه منذ مقدمته يشير الي قناعته التي ترسخت منذ منتصف التسعينيات بأن أزمة التنمية الرأسمالية في مصر يمكن ردها ببساطة الي ضعف الدولة المصرية، ويفرق الباحث بوضوح بين ما يعنيه بالنظام القوي والدولة الضعيفة حيث يقول ان ضعف الدولة المصرية يرجع الي طبيعة النظام السياسي المفتقد لأية قاعدة اجتماعية صلبة خارج جهاز الدولة ويردف سليمان قائلا ومستكملا فكرته المشكلة في مصر لا تكمن فقط في أنها ابتليت بنظام استبدادي هو من النوع غير التنموي .ويبدو أن الباحث لا يفرق بين التحولات النوعية منذ ثورة تموز (يوليو) وحتي الآن ويعتبر هذه الفترة تأكيدا علي النموذج الاستبدادي بأشكال مختلفة، وما يدفعه للتأكيد علي هذا المعني أن مصر أخذت فرصتها بين دول العالم الثالث من حيث المساعدات الدولية سواء كان ذلك في العهد السوفييتي أو الأمريكي ومع ذلك فشلت مصر حتي في انجاز مشروع محو الأمية.ويري الباحث ان الوضع المتردي الذي وصلت اليه مصر يفتح الطريق أو يجب أن يكون يؤدي الي جدل حقيقي حول المستقبل السياسي للبلاد، ويؤكد انه لم يعد من الوجاهة الحديث ـ علي أي نحو ـ بما يشي بأن الاستبداد السياسي له ضرورات تنموية مؤكدا القول بأننا لا نحصل من النظام القائم لا علي التنمية ولا علي الديمقراطية ولا عجب في هذا لأن هذا النظام قد تعامل مع الدولة باعتبارها جهازا للسيطرة القهرية علي المجتمع لا جهازا لادارة شؤون هذا المجتمع .والكتاب بالأساس هو رسالة الدكتوراه المعربة التي نالها الكاتب من معهد العلوم السياسية بباريس عام 2004، ويتضمن ستة فصول وخاتمة جاء الأول حول تطور حجم الدولة المصرية في ظل حكم مبارك والثاني عن تحولات توزيع الموارد علي مؤسسات الدولة، الأمن أولا، والثالث حول الأزمة المالية وتأثيراتها علي علاقـــة الحكومة المركــزية بالاحداث المحلية والرابع حول الصراع السياسي والتوزيع الاقليمي للموارد العامة، والحملة الاستثمارية ضد الجماعة الاسلامية في الصعيد، والخامس حول الدولة الريعية وتحولها الي دولة جباية: التحولات في آليات تعبئة الايرادات العامة ونتائجها السياسية.أما الفصل السادس والأخير فحول نهاية الدولة الريعية – الرعوية وصعود الرأسمالية المصرية بالاضافة الي خاتمة تحت عنوان نجاح نظام وفشل دولة . وسوف نحاول في عرضنا تجنب التفاصيل المتعلقة بالشأن شديد المحلية الي النقاط الجوانب التي تشكل شأنا عاما مشتركا بين معظم الأنظمة العربية لا سيما حول ما يتعلق بالأمن والثقافة كوجهي نقيض وكيف يتحولان مع الدولة الشمولية الي اداة من أدوات التدجين والسيطرة.مصر: نموذج للدولة الريعيةيتناول الكاتب نظرية الريعية باعتبارها باتت شاغلا من شواغل خبراء الاقتصاد السياسي في مصر، ويتحدث عن ظاهرة الدخول الريعية أو الدخول الخارجية، حيث يري أن الاقتصاد المصري شهد منذ السبعينيات تدفق العديد من الموارد الخارجية أو الريعية مثل المعونات الخارجية وتحويلات العاملين بالخارج، وينقل الباحث سامر سليمان عن جلال أمين قوله ان الدخول الريعية هي المحرك الأساسي للاقتصاد المصري منذ منتصف السبعينيات باعتبار أن مظاهر النمو في هذا الاقتصاد اقتصرت علي دخل قناة السويس والبترول وتحويلات العاملين بالخارج، ويري الباحث ان تأثير هذه الريعية كان سلبيا علي الصناعة المصرية، ويشير الي انه يتناول هذه الظاهرة من منظور الاقتصاد السياسي بمعني انه يدرس آثار انخفاض الايرادات الريعية ليس علي الاقتصاد المصري، ولكن علي الدولة وعلي السياسة، وبالتالي فهو لا يفصل بين جهود الشعب في مجالات مختلفة وبين هذه الريعية التي تحتاج الي جهد للتعامل معها والاستفادة منها بما في ذلك جهود أجيال من المثقفين والفنانين المصريين الذين مارسوا تأثيرا فكريا علي العالم العربي وبذلك اصبح البلد الذي ينتمون اليه ذا أهمية استراتيجية في المنطقة، الأمر الذي يعطي للنظام السياسي القابض علي الأمور في القاهرة الأرضية لكي يطالب بنصيب مهم من المساعدات الخارجية التي تقدمها الدول الصناعية. هذا وينظر الباحث في الأمر بعيدا عن المستوي النظري الاقتصادي المحض.ويحاول الباحث ان يضبط مفهوما خاصا للسلطة السياسية تحت سؤال مهم هو الدولة أم النظام السياسي ؟!، ويستعرض عبر سؤاله عددا من المدارس السياسية التي طرحت السؤال بشكل مباشر علي النحو التالي: من الذي يحكم المجتمع؟ هل هي الدولة أم الحكومة، أم الحكام، وينتهي الباحث بما يسميه أهمية خاصة تميز النظام السياسي المصــــري الراهن وهي كونه نظاما تسلطيا أو استبداديا يفتقر للديمقراطية ويعتبـــره الباحث امتدادا لنظام الضباط الأحرار منذ تموز (يوليو) عام 1952 ويشير الي ان المقصود بالدولة الرعوية هي تلك الدولة التي تتحكم في موارد كثيرة تستطيع بواسطتها أن توزع الكثير من العطايا علي بعض القطاعات النشطة من السكان، وهي بذلك تنجح في احتوائهم وتدجينهم. ويؤكد الباحث ان العطايا تبدأ من الدعم السلعي وتمر بالرعاية الصحية وتصل للتوظيف المباشر في جهاز الدولة الذي يعتبره الباحث أم هذه العطايا لأنه ـ كما يقول ـ يحقق قدرا عظيما من سيطرة النظام السياسي علي الأفراد، ويري سامر سليمان أن الدولة الرعوية في مصر هي الوجه الآخر للدولة الريعية، ويقول:ما تحصل عليه الدولة من دخول ريعية يسمح للدولة الرعوية بالقيام بوظائفها في توزيع العطايا ومن ثم تحقيق السيطرة السياسية.ويتساءل سليمان وهو بصدد التساؤل عن الثقة في البيانات التي حصل عليها من مصادر المالية المصرية، يتساءل عن حجم الفساد ويؤكد أنه يوجد في مصر بمستويات مرتفعة ففي عام 2001 صنفت احدي المنظمات العالمية الدولة المصرية في مرتبة متدنية حيث حصلت علي 3.6 درجة من 10 في مؤشر الفساد، والذي تعتبر فيه الدولة فاسدة اذا حصلت علي أقل من 5 درجات، ويصف سامر سليمان هذا الوضع بعدم الشفافية التي تدفع وزارة المالية الي التكتم الشديد علي أمر موازناتها بدعاوي متهاوية مثل الأمن القومي، ويقول الباحث هنا في فقرة شديدة الأهمية: تقول السلطات المالية دائما ان الحفاظ علي سرية الحساب الختامي يرجع لأسباب خاصة بالأمن القومي، علي أنها لا تقول لماذا تستطيع دول كثيرة أخري الحفاظ علي أمنها القومي بدون التكتم علي بيانات المالية العامة، وهي لا تقول ايضا لماذا تكون تلك البيانات متاحة للمؤسسات المالية الدولية وغير متاحة للباحثين وللمهتمين من المصريين، ويردف: الحقيقة أن غياب الشفافية في هذه البيانات لا يهدف الي التستر علي الفساد، كما يعتقد البعض فالفساد بالتعريف هو تدفقات مالية خارجة عن القانون، وهي بهذا المعني غير مرصودة في أية اوراق رسمية، ويختتم الباحث بقوله:التكتم في بيانات الحساب الختامي يهدف الي اخفاء التوزيع الحقيقي للموارد في داخل الدولة المصرية، فكما يقول رولف جولدشيد: الميزانية هي الهيكل العظمي للدولة منزوعا عنه كل أيديولوجيات التجميل، بعبارة أخري النظم السياسية تقول انها تفعل أشياء كثيرة، ولكن ما تفعله الدولة حقيقة مثبت ومرصود في فواتير حساباتها .الأمن ـ الثقافة ـ والانفاقعلي الاجهزة الأيديولوجيةفي هذا المنحي يتناول الباحث زيادة نصيب الانفاق علي الثقافة والدين في الانفاق العام ويري أن النظام فعل ذلك لتعبئة آلته الأيديولوجية في حربه ضد الحركة الاسلامية، حيث يرصد الباحث قيام وزارة الأوقاف في تلك المرحلة بتأميم الكثير من المساجد الأهلية التي كانت تستخدم في الدعوة وتجنيد الأنصار للجهاد ضد الدولة.ويستطرد سليمان قائلا: كان انفاق الدولة المتزايد علي الدعوة الدينية ضروريا لضمان ولاء الدعاة الرسميين الذين يعطون شرعية دينية للنظام، تلك الشرعية التي أراد الاسلاميون أن ينزعوها عنه.في الوقت نفسه يرصد الباحث زيادة الموازنة فيما يتعلق بالانفاق علي العديد من المجلات والمطبوعات التي تدافع عن الدولة المدنية في مواجهة الدولة الدينية.ويشير الباحث الي ان مشروع مكتبة الأسرة الذي تأسس تحت رعاية قرينة رئيس الجمهورية، كذلك زيادة الانفاق علي البنية الأساسية للثقافة مثل بناء المتاحف والمكاتب والمسارح.ويري سليمان ان ذلك كان ضروريا لكسب تأييد المثقفين للنـظــام وهـــــو ما يراه وقد حدث بالفعل، حيث انتقل العديد من هؤلاء الي جبهة التأييد العلني والصريح.أما فيما يتعلق بالنظام التعليمي فيري سامر سليمان ان النظام رفض الحل الليبرالي والحل اليساري وأبقي علي التعليم المجاني، لكنه فرغه من محتواه الواقعي، فهو وان كان متاحا للجميع، الا أنه لا يقدم سوي خدمة شديدة السوء تؤدي حتما الي تخريج أجيال من أشباه الأميين، ويرد الباحث سبب تمسك النظام بالمجانية الي أن طريقة الدولة في تسيير الأمور تنتهج مبدأ الجمود السياسي التي تهدف الي تثبيت الأمر الواقع.وينتهي الباحث الي نتيجة مفزعة لكنها حقيقية حول أوضاع الأجور في مصر لا سيما تردي رواتب المعلمين فيقول ان الاجور في مصر مرتبطة بالمكانة، فالمؤسسات التي تحصل علي أعلي الأجور هي غالبا التي تحظي بالمكانة الأكبر في الدولة، ويضيف: اذا كان العاملون بالمؤسسات الأمنية يحصلون علي أعلي الأجور في الدولة فان ذلك مرتبط بمكانتهم المركزية في النظام السياسي المصري والتي لا ينازعهم فيها أحد. وينتهي الي القول ان رفع أجور المدرسين يتطلب اذن رفع مكانتهم داخل النظام السياسي، وذلك صعب جدا علي نظام مبارك المحكوم بالمنطق الأمني.أما فيما يتعلق بالطبقة الوسطي فيراها الباحث تحتوي علي فئات متنافرة في مستوي الدخل وفي شروط العمل وفي التعليم والميول الأيديولوجية ويراها تحوي جناحين أساسيين أولهما الطبقة المتوسطة التقليدية والمشكلة من أفراد يعملون بشكل مستقل في مشروعات صغيرة وهم أصحاب مستوي تعليمي محدود. أما الطبقة الوسطي الحديثة فهي تلك الشريحة التي تمارس عملا ذهنيا سواء مارسته بأجر لدي الغير كالموظفين والمدرسين أو مارسته بشكل مستقل كالأطباء والمحامين، ويحاول الباحث ان يكشف عن التنافز الذي نشأ في صفوف الطبقة الوسطي بين شرائح صاعدة عبر القطاع الخاص وأخري هابطة ويقول ولكن في كل الأحوال هناك حالة من التباعد عن النظام ناتجة عن الاستقلالية المتزايدة عن الدولة للشرائح الصاعدة وعن التهميش المستمر للشرائح الهابطة تلك الفئات التي يراها الباحث تحمل حقدا وكراهية للنظام السياسي وذلك بسبب تدهور أوضاعهم الوظيفية والمعيشية بسبب تفكيك الـــــدولة وبيعها وهي طبقة يراها الباحث لا تعطي أي مؤشر علي الانتماء للدولة أو الايمان بدورها بالاضافة الي ما يراها انهيارا معنويا وأخلاقيا ناتجا عن الافتقار الي أيديولوجية تبرر الدور الذي تلعبه، ويري الباحث في الاجمال أن هذا الاستقلال النسبي عن الدولة أدي الي نوع من السلبية السياسية ودفع البعض الي الانخراط في صفوف الاسلاميين ويدلل علي ذلك بأوضاع النقابات المهنية بين الثمانينيات والتسعينيات حيث شهدت نقابات الفئات الأكثر استقلالا مثل الأطباء والمحامين والمهندسين صعودا كاسحا للتيار الاسلامي.يقع النظام القوي والدولة الضعيفة في 316 صفحة من القطع الكبير وصدر عن منشورات الدار للنشر والتوزيع .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية