مدريد ـ ‘القدس العربي’ من حسين مجدوبي: تتبنى الولايات المتحدة سياسة برغماتية مع الأحزاب الإسلامية التي ستتولى الحكم في دول المغرب العربي، في حين تبرز باريس نوع من الوصاية من خلال تصريحات مسؤوليها، الأمر الذي يبرز مدى شعورها ببداية فقدان تواجدها في منطقة اعتبرت منذ 150 سنة الأخيرة مركزا أساسيا لنفوذها.
وبعد وصول حزب النهضة الى الحكم في تونس ولاحقا حزب العدالة والتنمية في المغرب بعدما عين الملك محمد السادس زعيمه عبد الإلاه بنكيران لتشكيل الحكومة المقبلة، تعرب واشنطن عبر الوزارة الخارجية عن ترحيبها للتعامل مع القوى السياسية الجديدة. فقد أثنت على الانتخابات في تونس ودعت حزب النهضة الى التمسك بالديمقراطية، وأكدت عزمها التعامل مع حكومة ذات لون سياسي. وتكرر الموقف نفسه في حالة المغرب، حيث أكدت واشنطن التعامل ببرغماتية مع حزب العدالة والتنمية. في هذا الصدد، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية مارك تونر ‘يجب أن ننتظر ونرى كيف سيعمل هذا الحزب في الواقع وما الاشياء التي يقولها علنا وكذلك كيفية ممارسته الحكم’. وأضاف ‘الاسم الذي تحمله أي حكومة أو أي حزب هو أقل أهمية مما يقوم به، المهم معرفة ما اذا كان يعمل في اطار احترام القواعد الديمقراطية’. ومقابل البرغماتية التي أعربت عنها واشنطن، تتبنى باريس موقفا مغايرا للغاية من خلال تصريحات غير مرحبة بالوافدين الجدد في سدة الحكم في المغرب العربي. فقد رفضت باريس تهنئة حزب النهضة بفوزه في الانتخابات التي جرت الشهر الماضي في تونس، وامتنعت مجددا عن تهنئة حزب العدالة والتنمية بالفوز في تونس. وكان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قد يوم 27 تشرين الاول (أكتوبر) الماضي، أي ثلاثة أيام بعد فوز النهضة بما يلي ‘فرنسا ستبقى مراقبة لاحترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية وخاصة التنوع الثقافي والديني والمساواة بين المرأة والرجل’. والتزم ساركوزي الصمت هذه المرة في حالة المغرب، وتولى وزير الخارجية ألان جوبيه التعليق على الانتخابات التشريعية المغربية في تصريحات لإذاعة فرانس أنفو، حيث حاول التقليل من إسلامية هذا الحزب بالتركيز على مواقفه المعتدلة وتواجده المسبق في البرلمان علاوة على تحذيره من تجاوز الخطوط الحمراء في السياسة الخارجية وحقوق الإنسان. وحول هذه النقطة قال ‘علينا التحدث إلى الذين لا يتجاوزون الخطوط الحمر التي هي خطوطنا، اي احترام الانتخابات ودولة القانون وحقوق الانسان والمرأة’. وتكشف عدد من المقالات والتحاليل والتسريبات في شبكة الإنترنت عن الانزعاج الكبير الذي تشعر به باريس من التطورات التي يشهدها الربيع العربي والتي تصب عموما في تقليص نفوذها. في هذا الإطار، تتبنى الجزائر مواقف غير إيجابية تجاه فرنسا بسبب المشاكل الناتجة عن الاستعمار، ويعرب حزب النهضة عن معارضته لهيمنة الفرانكفونية على السياسة والثقافة في تونس، كما أعرب حزب العدالة والتنمية عن مواقف سلبية تجاه الحضور الفرنسي المهيمن في المغرب.
ومما يزيد الطين بلة هو مواقف فرنسا العدائية التي تبنتها بشأن الإسلام السياسي حتى الأمس القريب، أي اندلاع الربيع العربي. وتشهد دبلوماسية باريس اتجاه العالم العربي نوعا من الاضطراب بسبب غياب رؤية واضحة للتعامل مع التطورات الجارية. وكان مجموعة من المفكرين والسياسيين الفرنسيين قد أنجزوا في شهر نيسان (أبريل) 2007 ‘تقرير ابن رشد’ حول السياسة التي يجب على فرنسا اتباعها تجاه العالم العربي، ومن ضمن التوصيات الانفتاح غير المباشر على الحركات الإسلامية المعتدلة في المغرب العربي- الأمازيغي، لكن الرئيس ساركوزي لم يأخذ التقرير بعين الاعتبار واستمر في دعم أنظمة ديكتاتورية، والآن يتفاجئ بالربيع العربي الذي تجري رياحه في غير صالح باريس.