استمرت لعبة الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن وقف إطلاق النار في غزة، فمن جهة يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي إن فرص التوصل لصفقة «ضئيلة» ومن جهة أخرى تتمسك إدارة بايدن بالتفاؤل وتعطي نسب النجاح لعقد صفقة بأنها أعلى من 90 في المئة، وفي الحقيقة لا أمريكا أو إسرائيل راغبتان في وقف إطلاق النار وإنهاء معاناة أهل غزة التي أضيفت إليها عمليات جديدة ومعاناة في الضفة الغربية استمرت عشرة أيام وخلفت نفس المشاهد التي تركها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، فهنا وهناك نفس سياسة الدمار والإبادة. ففي غزة محو وجعل الحياة مستحيلة لأكثر من مليوني فلسطيني يعيشون حصارا استمر لعقدين تقريبا، وفي الضفة الغربية ضم زاحف وعنف مسلح للمستوطنين كما كشف تحقيق لهيئة الإذاعة البريطاني «بي بي سي» (3/9/2024) أن عدد البؤر الاستيطانية قد ارتفع بسرعة في السنوات الأخيرة. وقالت إن عدد البؤر الاستيطانية الحالية هو على الأقل 196 بؤرة في أنحاء الضفة الغربية وتم إنشاء 29 منها خلال العام الماضي، وهو أكثر من أي سنة سابقة. وقالت إن هذه البؤر، التي يمكن أن تكون مزارع أو تجمعات منازل أو حتى مجموعات من الكرفانات، غالبا ما تفتقر إلى حدود واضحة وهي غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي والدولي على حد سواء. وكشفت «بي بي سي» عن وثائق تظهر أن منظمات وثيقة بالحكومة الإسرائيلية قدمت مالا وأراضا تم استخدامها لإنشاء بؤر استيطانية جديدة غير قانونية. وأشارت إلى أن الخبراء يقولون إن البؤر الاستيطانية قادرة على الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي بسرعة أكبر من المستوطنات، وهي مرتبطة بشكل متزايد بالعنف والمضايقة تجاه المجتمعات الفلسطينية.
المعركة الأخيرة
ويهدف التوسع الاستيطاني وقمع السكان إلى حسم المعركة التي يرى اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو ومن معه من المتطرفين المستوطنين في حكومته أنها الأخيرة لتقرير مصير الأرض المقدسة لصالح اليمين القومي اليهودي. والطريقة لحسم المعركة هي استمرار الحرب، فرغم التظاهرات الحاشدة التي شهدتها إسرائيل والإضراب العام في الأسبوع الماضي إلا أن نتنياهو متمسك بل ويعاند الجميع لتحقيق هدف «تدمير حماس» فهو لا يني كما تقول صحيفة «التايمز» (5/9/2024) عن استعراضاته الصحافية التي أصبحت تشمل على عصا وخرائط وسلايدات وأضواء وتشويقا، كما بدا في مؤتمره الصحافي يوم الإثنين حيث وصل إليه متأخرا مرتديا بدلة داكنة تحولت إلى لون أرجواني مع شعره الأبيض الأشيب اللامع تحت الضوء. وكانت حيلة من نتنياهو المعروف بين أنصاره بالساحر لإقناع جمهوره المتشكك بأن إسرائيل تواجه الدمار إذا لم تحافظ على سيطرتها على محور فيلادلفيا، وهو شريط من الأرض بين مصر وغزة يهدد بعرقلة التوصل إلى اتفاق مع حماس لإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين وإنهاء الحرب في غزة. ومع أن المؤسسة الأمنية ووزير الدفاع يواف غالانت ترى أن المحور لا أهمية له ويمكن للجيش الإسرائيلي العودة إليه في أي وقت، لكن نتنياهو له رأي آخر «يقولون إنك لو قلت هذا فستقتل الصفقة وأقول إن الصفقة هي التي ستقتلنا». واقترح أن غالانت أصبح ضحية للحرب النفسية التي تخوضها حماس والهادفة لتحميل نتنياهو مسؤولية إفشال الصفقة وبالتالي زيادة الضغط الدولي على إسرائيل.
وأكد أن الحفاظ على المحور مهم لمنع حماس من تهريب الأسرى لديها، وهي مزاعم أدهشت المراقبين الذين غطوا التظاهرات الحاشدة في مدن إسرائيل وجاءت بعد مقتل ستة أسرى، أربعة منهم كانوا من الذين سيطلق سراحهم في المرحلة الأولى من الاتفاق الذي أعلن عنه بايدن في أيار/مايو وصادق عليه مجلس الأمن الدولي في حزيران/يونيو. وجاءت المزاعم في وقت تدعم نسبة كبيرة من الإسرائيليين الإفراج عن الأسرى حتى لو عنى هذا وقف الحرب، وهي نسبة 53 في المئة في استطلاع لهيئة الإذاعة الإسرائيلية العامة و51 في المئة حسب استطلاع معهد الديمقراطية في إسرائيل.
حيلة البقاء في السلطة
وتتهم عائلات الأسرى نتنياهو بأنه ضحى بأبنائها المحتجزين لدى حماس من أجل البقاء في السلطة. وهو اتهام عام بين نقاد نتنياهو الذي يرون أنه يريد إطالة أمد الحرب ليظل في الحكم. ويرى نتنياهو الذي حكم إسرائيل لعدة فترات منذ 20 عاما نفسه قائدا لحماية إسرائيل من تحالف تقوده إيران. وأن الحرب لن تتوقف حتى تحقق أهدافها وهي تحرير الأسرى المتبقين في غزة ومنع حدوث هجمات مثل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وهو ما يراه مايكل ميليشتين، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية ومدير مركز موشيه دايان في جامعة تل أبيب أن تدمير حماس غير ممكن وأنه مجرد شعار، فلا يوجد هناك انتصار كامل و«نحن لا نقترب من هزيمة حماس أو تحرير الرهائن».
ويبدو أن نتنياهو يمارس لعبة من يريد المزيد من الحرب كما يقول إيشان ثارور في صحيفة «واشنطن بوست» (4/9/2024) وأن الزعيم الإسرائيلي يفضل أن يطيل أمد الحرب لإرضاء حلفائه من اليمين بدلا من انتهاز فرصة تحقيق صفقة تفرج عن الأسرى. ويرى ثارور أن نتنياهو يضيع الفرص، في عكس واضح لعبارة أبا إيبان، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق عندما قال إن العرب لا يفوتون فرصة لتضييع الفرص، وقد بات هذا الوصف ينطبق على الحكومة الإسرائيلية الحالية، مع أن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين طالما استخدموه ضد الفلسطينيين الذين اتهموا ومنذ أوسلو عام 1993 بتضييع «الفرص». ويرى مايكل كوبلو من منبر السياسة الإسرائيلي أن نتنياهو «ليس مستعدا لانتهاز الفرصة لإخراج الإسرائيليين من جهنم الحقيقية إلا حال تأكد أن هذا لن يكلفه الخروج من الحكومة، لكنه بعمله هذا يكلف المزيد من الرهائن حياتهم» و«إذا كانت هناك فرصة ضائعة فيجب شجب نتنياهو بدون تحفظ». وترى صحيفة «واشنطن بوست» (24/9/2024) أن نتنياهو يمارس لعبة الإشارات المتناقضة بشأن وقف إطلاق النار، حيث بات محور فيلادلفيا العقبة الوحيدة أمام الصفقة، فهو من جهة يصر على البقاء فيه، ومن جهة ثانية يقول المفاوضون الإسرائيليون للوسطاء بأن إسرائيل مستعدة للانسحاب من المحور، وهو ما يفاقم التوترات مع مصر التي ترى أن بقاء الجيش الإسرائيلي في المحور يخرق اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 ومن جهة أخرى يزيد من التوترات مع الولايات المتحدة. وقالت إن الرئيس جو بايدن ونائبته كامالا هاريس ناقشا مع مستشاريهم يوم الإثنين كيفية المضي قدما في صفقة «خذ أو أترك» التي ستقدم إلى إسرائيل وحماس.
وتحدثت «واشنطن بوست» مع مسؤولين حاليين وسابقين من الدول المشاركة في المفاوضات وعبروا فيها عن إحباط متزايد من غياب التقدم والتشاؤم العميق في إمكانية تحقيق صفقة. والسبب هو إصرار نتنياهو على بقاء الجيش في محور فيلادلفيا بعد السيطرة عليه في أيار/مايو. مع أن المسؤولين الإسرائيليين قللوا من أهمية المحور العسكرية ووصفوا محاولات رئيس الوزراء المحاصر بأنها جهود لعرقلة اتفاق قد يضعفه سياسيا. وقال زعيم المعارضة بيني غانتس الذي استقال من حكومة الحرب في حزيران/يونيو: «يركز نتنياهو على بقائه السياسي ويخرب العلاقات مع الولايات المتحدة في وقت تقترب فيه إيران من الحصول على القدرات النووية» و«يجب إعادة الرهائن وإن بثمن عال». وفي تعليق نادر أخبر بايدن الصحافيين يوم الإثنين بأن نتنياهو لم يفعل الكثير لدعم صفقة وقف إطلاق النار. ومع ذلك رفضت واشنطن اشتراط المساعدات العسكرية لإسرائيل، في وقت يقترب فيه بايدن من أشهره الأخيرة في الرئاسة واحتمال تولي ترامب ولاية ثانية، «يلعب نتنياهو لعبة صعبة» حسب قول دبلوماسي في المنطقة. وكالعادة يحذر أمريكيون من أن رفض إسرائيل وحماس صفقة «خذها أو اتركها» ربما كان ذلك نهاية المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة، هذا رغم أن الولايات المتحدة قادت منذ الحرب أكثر من عشر محاولات فاشلة لإنهاء الحرب.
هدية لترامب
وفي هذا السياق كتب توماس فريدمان، المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز» (5/9/2024) مقالا قال فيه إن نتنياهو يحاول إطالة أمد الحرب لإنقاذ نفسه وهزيمة الحزب الديمقراطي وإعادة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى الحكم. وقال إن نتنياهو لديه مصلحة واحدة وهي: بقاؤه السياسي، حتى لو قوض بقاء إسرائيل على المدى الطويل.
وحذر فريدمان كامالا هاريس، مرشحة الحزب الديمقراطي من أن هذا سيدفع بلا شك، نتنياهو القيام خلال الشهرين القادمين بأمور يمكن أن تهدد فرص انتخابها وتعزز من فرص ترامب، وعليها أن تقلق والحالة هذه. وتحدث عن مكالمات جو بايدن المتكررة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي والتي يخرج بعدها الرئيس الأمريكي للحديث متفائلا حول قرب وقف إطلاق النار في غزة. في وقت يهمس فيه نتنياهو لأتباعه بغير ما قاله لبايدن. مضيفا أن مواقف نتنياهو قامت على تدمير النهج الذي اتبعته واشنطن لاحتواء تداعيات الحرب وبناء تحالفات دولية وإقليمية.
فنتنياهو لا يؤمن بالشراكات ولا اليوم التالي الذي يريده بايدن وتتعاون فيه الدول العربية على إدارة غزة، فهو يركز كل جهوده لتجنب أي عملية سياسية مع الفلسطينيين قد تتطلب تسوية إقليمية في الضفة الغربية من شأنها أن تكسر التحالف السياسي لنتنياهو مع أقصى اليمين الإسرائيلي. وقد أصبح تحالفه هذا مصيريا بعد فوزه بهامش ضيق في انتخابات عام 2022 وكان مستعدا للتحالف مع أسوأ الأسوأ في السياسة الإسرائيلية لتشكيل ائتلاف حاكم من شأنه أن يبقيه في السلطة. وتحالف مع مجموعة من المتطرفين اليهود الذين وصفهم رئيس سابق للموساد الإسرائيلي بأنهم «عنصريون فظيعون» و«أسوأ بكثير» من المجموعة العنصرية الأمريكية المعروفة باسم «كو كلوكس كلان».
ويرى فريدمان أن تمسك نتنياهو بالحرب في غزة حتى تحقق إسرائيل «نصرا كاملا» بدون أن يحدد ما يعني بهذا ومن سيحكم غزة في أعقابه، بأنه هدف لا يمكن تحقيقه في غزة. ويحتل الجيش الإسرائيلي الضفة الغربية منذ 57 عاما، وكما تظهر العمليات الأخيرة بمدنها ولم يحقق «نصرا كاملا» على نشطاء حماس هناك. وعليه فقد وضع نتنياهو الأمور بحيث يمكنه وحده أن يقرر متى تنتهي الحرب في غزة، وهو ما سيكون عندما يناسب احتياجاته السياسية للبقاء.
واتهم فريدمان نتنياهو المصر على البقاء في محور فيلادلفيا بأنه يمارس عملية احتيال، ذلك أن حلفاء رئيس الوزراء يحلمون بعودة الاستيطان إلى غزة. وحذر من تداعيات الموقف هذا على فرص هاريس التي قد تخسر أصوات اليهود الأمريكيين أو المسلمين والعرب الأمريكيين إن استمرت الحرب. ولن يندهش أحد لو قرر نتنياهو التصعيد في غزة بين الآن ويوم الانتخابات لجعل الحياة صعبة على الديمقراطيين الذين يترشحون لمنصب الرئاسة، فهو يريد فوز ترامب وأن يقول له بأنه ساعد على فوزه.
ويعرف نتنياهو أن المخرج الوحيد للأزمة وإسكات الشارع الإسرائيلي هو الموافقة على صفقة أسرى وأن الغضب هو رسالة واضحة من أنه لا يستطيع الانتصار في الحرب التي تتقدم نحو عامها الأول وبخسارة كبيرة للأراوح، بما فيها أكثر من 40.000 مواطن فلسطيني حسب وزارة الصحة الفلسطينية.
وتعلق صحيفة «إندبندنت»(2/9/2024) أن إسرائيل التي تخوض أطول حرب لها في تاريخها لم تعد آمنة، حتى مع دعم الإسرائيليين للحرب وبعد فشلها في تحقيق أهدافها المعلنة، أي تدمير حماس واستعادة ما تبقى من الأسرى. وحذرت الصحيفة أن على نتنياهو المعروف بمهاراته وقدراته على النجاة من الأزمات أن يفكر بمستقبله. فمع أنه ظل شخصية سياسية حاضرة في المشهد المحلي والدولي على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، وتولى منصب رئاسة الحكومة لـ17 عاما إلا أنه يظل شخصا غير محصن ويواجه أناسا غاضبين ويائسين يريدون إنقاذ الأسرى قبل فوات الأوان. ولو لم يظهر نتنياهو أي اهتمام بوقف إطلاق النار، فلن يصبح للأسرى وعائلاتهم أية قيمة لحماس وستصبح حياتهم في خطر. ومن الناحية الواقعية، قد يستمر نتنياهو في عناده، معتبرا أن «النصر» في الحرب لا يزال ممكنا ومفترضا، ويعول على فكرة أن أمريكا لن تتخلى عنه، وهو محق لأن أمريكا بايدن تسارع في كل وقت للدفاع عنه.
وأمام المعضلة التي خلقها نتنياهو فهناك حاجة لموقف جديد من الغرب، وهو ما لم يظهر بعد، حيث ناقش رئيس تحرير موقع «ميدل إيست آي» (30/8/2024) أن التكاليف الإقليمية المترتبة على عدم مواجهة الغرب لنتنياهو قد تفوق بسرعة الفوائد المحلية المترتبة على الانجرار وراءه. وأشار إلى موجة الغضب التي اندلعت في إسرائيل بعد الكشف عن جثث ستة من الأسرى في غزة، والتظاهرات الحاشدة التي لم ير مثلها منذ الاحتجاجات ضد الإصلاحات القضائية والدعوات داخل إسرائيل إلى انتفاضة.
ويعتقد هيرست أن بايدن وهاريس مسؤولان عن مقتل الأسرى، فمهمة بايدن كقائد أعلى للقوات المسلحة الأمريكية هي التأكد من التزام حليفه الرئيسي في الشرق الأوسط بالسياسة الأمريكية، وخاصة أن هذا الحليف يعتمد اعتمادا كبيرا على السلاح الأمريكي.
لكن الحقيقة المؤلمة وراء هذه المجازر هي أنه لو كان بايدن مستعدا لفرض سياسته الخاصة بحظر الأسلحة، لكان من الممكن الآن التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإطلاق سراح العديد من الأسرى المتبقين، ومن بينهم أمريكيون وبريطانيون. وقال هيرست إن من الحماقة مواصلة هاريس خطوات الرئيس، ويجب عليها أن تتذكر ما قاله جنرالاتها من عدم امكانية هزيمة حماس في غزة.
خطيئة الغرب
وفي نهاية الأمر، فغزة ليست ضحية المصالح السياسية الغربية فقط ولكن تواطؤ الإعلام الرسمي الذي تغاضى عن تحول القطاع إلى محور قتل كبير، منعت منه إسرائيل الصحافة الدولية وقتلت معظم الصحافيين الفلسطينيين فيه. وما نعرفه عن القطاع من الصور والمعلومات هو جزء من الصورة الحقيقية التي لم نجمع شتاتها بعد. فهي صورة معقدة تحتوي على القتل اليومي والتجويع والمرض وانتشار الأوبئة بسبب الحصار. وربما لن نعرف الحصيلة الحقيقية للقتلى في غزة، تماما كما لم نعرف الحصيلة الدموية للغزو الأمريكي والغربي للعراق وأفغانستان وليبيا، وربما وصلت إلى نصف مليون حسب تقدير نشرته صحيفة «الغارديان»(5/9/2024).
ولا يشعر الساسة باهتمام لمعرفة حصيلة القتلى النهائية ولا توجد رغبة للإعلام لاكتشافها كما يقول جوناثان كوك في موقع «ميدل إيست آي»(4/9/2024). فالسبب الحقيقي وراء دفن أخبار غزة نابع من كونها دليلا على أن العواصم الغربية لم تعد معاقل الديمقراطية وحصونا ضد البربرية، فساستها متواطئون في الإبادة، وهي حقيقة لا يمكن التهرب منه. وكان من الممكن وقف الحرب لو أرادت إدارة بايدن. والحقيقة هي أن قادة الغرب لم يعودوا يردون على المطالب الشعبية ضد الحرب، فقد خرج عشرات الملايين ضد الحرب على العراق في عام 2003 بدون أي نتيجة. ولكن الوضع في غزة أسوأ، فمن يعارض الحرب عليها تتم شينطنته ويتهم المشاركون فيها بمعاداة السامية. ولعل السبب المهم وراء التواطؤ الغربي هو التربح من معاناة الفلسطينيين، فحسب «بلومبيرغ» فقد أدى السلاح الأمريكي المستخدم في غزة إلى خلق 42 مليون طن من الأنقاض، وهي كمية كافية لملء صف من الشاحنات من نيويورك إلى سنغافورة. ولن تتولى شركات غزة التي دمرتها الحرب وحصار 17 عاما الإعمار، بل ستكون عملية غربية لو وصلنا إلى اليوم التالي. وستكون غزة منطقة للعمارات الفارهة لليهود الأثرياء وميناء يربط شمال أفريقيا وأوروبا وبالتأكيد فرصة ذهبية لسرقة الغاز الطبيعي.
وفي بريطانيا والولايات المتحدة يتم اعتقال الصحافيين المستقلين والمدافعين عن فلسطين. وبدأت الجامعات الأمريكية عامها الدراسي بقيود جديدة على التظاهرات كما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز»(4/9/2024). والسبب هو منع الناشطين من شرح وتوضيح جذور الإبادة الإسرائيلية، ولهذا تم استخدام معاداة السامية كوسيلة لقمع كل تعبير معاد للصهيونية. وهو ما فعله رئيس الوزراء البريطاني الحالي، كير ستارمر قبل توليه الحكم. لكل هذا انشغل الإعلام الأمريكي بتغطية التظاهرات في الجامعات واتهام المشاركين فيها، وبل وتشويه سمعة المتظاهرين باعتبارهم دعاة عنف وعملاء لإيران، وغض الصحافيون الطرف عن أشرطة الفيديو التي تحتفل بإبادة الفلسطينيين في غزة وتدميرها، كما أوردت أروى مهداوي في صحيفة «الغارديان» (6/9/2024) وكشفت عن أشرطة فيديو لجنديين إسرائيليين يسخران من مرض شلل الأطفال ومعاناة السكان التي لا تهم الإسرائيليين.