مقارنة وضعها التاريخ و التفتنا إليها: في الرابع من ايار/مايو عام 1977 شاهد 45 مليونا الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في أكثر لحظات حياته حرجا يعتذر للشعب الأمريكي عن تورطه في فضيحة ‘ووتر غيت’ الشهيرة، اعتراف من شخصية فذة وقوية ذات قدرة خطابية وذكاء وكاريزما عالية، أمام ديفيد فروست مقدم البرامج الترفيهية تهاوت حجج نيكسون الثعلبية، فقط لأن فروست عرف كيف يسأل و متى، ولأن نيكسون كان مذنبا.
كان لهذا اللقاء المسجل موقعه كأكثر اللقاءات السياسية شهرة في التاريخ، أراد نيكسون بعد ان تنحى عن الرئاسة قسرا عام 1974 جارا أذيال فضيحة لم يعتذر عنها و لم ينسها له الشعب الأمريكي، أن يعيد كتابة القصة من جهته ملمعا صورته ليستعيد بذلك مكانته السياسية، ولم يجد أقوى أثرا وأحسن تثويرا للمشاعر والعواطف من عدسة كاميرا في كوخ دافىء في كاليفورنيا و أمام إعلامي كوميدي يترك له فسحة لطيفة يتحدث بها كيف شاء بنبرته الساحرة وابتسامته الجميلة. لكن فروست قلب الطاولة بهدوء، معه حقائق دامغة مسحت رونق الصورة التي اجتهد نيكسون في بنائها طوال اللقاء، لحظة ظهر فيها الثعلب على حقيقته ففاجأ الجميع قائلا تحت ضغط الأسئلة والحقائق ‘ما يفعله الرئيس لا يمكن أن يعتبر شيئا غير قانوني مهما كان، هذا ما أفهمه’.
شاهدت اللقاء بتمامه ومن ثم شاهدت الترجمة الدرامية الرائعة لهذا اللقاء في فيلم Nixon/Frost المنتج عام 2008 ، كل هذا بعد أن شاهدت لقاء السيسي مع لميس الحديدي وابراهيم عيسى و التي يطابق تاريخها تاريخ لقاء نيكسون أو يقاربه، و كأن التاريخ يلفت انتباهنا الى أن أمامنا حدثين جديرين بأن يوضعا في ميزانه محلا للمقارنة بين حقبة يكون للشعب فيها قوة الفعل التي ينتزع فيها كرامته و إرادته حتى أكثر الإعلاميين بعدا عن السياسة، من أكثر الشخصيات التي عرفها التاريخ دهاء و حنكة، و بين حقبة سوداء يجلس فيها مذيعان متمترسان كقطتين وديعتين أمام شخصية ضعيفة الحجة تفتقر لبدهيات الخطاب السياسي و لأسس الكاريزما ومعالمها.
وجدتني أمام حملة انتخابية مجانية ومسرحية فجة كان فروست ليعتبرها نوعا رديئا من برامج التوك شو الكوميدية، في استوديو فاره و بوسترات و إضاءة تكشف عن وجه عسكري في ثوب مدني مصمم بعناية، شخصية لها تاريخ من الجرائم و التجاوزات التي تحتاج أن تسأل عنها و أن تواجه بها، ولو كان محاور نيكسون وديعا كذينك المحاورين لدخل التاريخ كأكثر رؤساء أمريكا نزاهة وإنسانية، كانت جلسة وعظية عاطفية بدل ان تكون مواجهة حقيقية بين شعب سرقت ثورته يقف بمثابة القاضي وبين السارق ماثلا أمامه بشحمه و لحمه لأول مرة في لقاء تليفزيوني.
لكن المعادلة انقلبت و بانت عقلية إقصائية أحادية و ظهرت أمامنا شخصية ضابط يخاطب جنوده في ثكناتهم ، يحثهم على حسن الخلق و ترك الانتقاد و أنه سيتحمل انتقاداتهم على مضض، وبان للأعين شبح التشدد والأصولية في صورة جديدة، يقصي أي فكرة تخالف منهجه بحزم، و حين تخونه ذاكرته و يجفوه ذكاؤه عند سؤال طائش يصمت، و ما كان لنيكسون أن يصمت أمام أكثر الأسئلة حرجا و قوة، لأن الصمت في مجتمع حر معناه الخيانة، خيانة حق الشعب في أن يعرف .
و ما كان لمحاور نيكسون أن ينتزع اعترافه لولا ما كان بين يديه من وثائق و تسجيلات كفلها الدستور حقا للناس أن يطلعوا عليها، أما السيسي فانتهز غياب أي إثبات سوى ملامحه البريئة وصوته الهادىء ليقول كلاما على لسان من غيبه في السجون و ليتخيل حوارات مع ‘الإرهابيين المحتملين’ لا دليل عليها و لا ثبوت لها.
سجل الحواران في التاريخ الآن ليكونا شهادة صارخة على ما آلت إليه مصر بعد الثورة التي كسرت صنم مبارك، لتتحول إلى انقلاب صنع مهديا يريد أن يجدد الدين والأخلاق حسب ما يريد و حسب ما تمليه عليه التزاماته المالية وولاءاته التي صرح بها لدول بعينها جعلها نموذج العروبة و الإسلام. حواران يريان من لم ير بعد الفرق بين حكم الشعب و حكم فرد لا يملك شيئا من ذكاء وكاريزما نيكسون.
تبقى صورة الثعلب الأمريكي في نهاية اللقاء وهو ينازع نفسه كسيرا جاثمة في المخيلة، تنعى علينا إن لم ندرك من قبل أننا ماضون إلى هاوية و أية هاوية.
سعيد أبو زينة