يبدو أن الحرائق فب أشكالها كافة تلتهم بقاع الأرض من أقصاها إلى أقصاها.
حرائق مناخية وسياسية واجتماعية متنقلة تغزو العالم بشراسة.
من أين نبدأ؟ ربما بتلك التي يمكن إخمادها مع الوقت.
إنها حرائق الغابات في جنوب شرق أستراليا، التي شغلت الصحافة العالمية والعربية بغليانها.
وكانت كل المصادر قد أشارت إلى جهود رجال الإطفاء في محاولة السيطرة على النيران، وسلطت الضوء على الحرائق الضخمة التي أتلفت 6 ملايين هكتار، وعلى القتلى الذين لفت النيران ألسنتها حول أجسادهم ليلفظوا أرواحهم مرة واحدة وإبادة 500 مليون حيوان، طُهِيت بألسنة نار شرسة حتى الموت.
الحكومة الأسترالية هي تماماً مثل “حكوماتنا الكريمة والمحبة” تخاف على مواطنيها وتهتم لحياتهم وتحاول إنقاذهم، ولو على حساب ميزانية البلد. فانتشرت طائرات الهليكوبتر، كما شاهدنا عبر الفضائيات ووسائل الإعلام في محاولة لإجلاء كل الأشخاص المحاصرين بالنيران.
هنا تذكرت الطائرات اللبنانية، التي أرسلتها الدولة بسرعة فائقة! حال اندلاع الحرائق في أكتوبر/تشرين الأول الماضي لإنقاذ أبنائها المحاصرين داخل بيوتهم.
أدمعت عيناي وأنا أتابع فداحة الحريق في أستراليا وشجاعة تعاطي السلطات معه، وتذكرت بكاء الصحافية اللبنانية المميزة حليمة طبيعة، وهي تنقل لنا عويل الأمهات اللبنانيات وصراخ الأطفال الذين طوقتهم النيران.
كانت يومها تناشد على الهواء مباشرة كلا من القوى الأمنية، وسيارات الإسعاف، والدفاع المدني، والمواطنين للوصول بسرعة وإجلاء العائلات المحاصرة. فيديو انتشر بسرعة البرق. وكل من شاهده تفاعل وبكى معها!
يا ترى أين كانت طائراتنا اللبنانية؟
إنها وببساطة طائرات الوهم، التي ذهبت أموال صيانتها إلى جيوب المسؤولين!
كرمت الحكومة الأسترالية ابن رجل الإطفاء جيفري كيتون، وقدمت له ميدالية الشجاعة في جنازة والده.
هل تذكرون الشاب اللبناني سليم أبو مجاهد، الذي توفي خلال مساعدة عناصر الدفاع المدني في إطفاء الحريق، الذي اجتاح منطقة الشوف، وكان أحد أسباب اندلاع الثورة اللبنانية. ذلك الشاب اختنق وترك خلفه أطفالاً صغاراً وزوجة ترملت باكراً جداً. ماذا فعلت حكومتنا لعائلته؟ ماذا قدمت لها؟
إنها سخرية الحياة. حتى في الموت هناك “ناس بسمنة وناس بزيت”!
نار سياسية تبخها أمريكا
أسال مقتل الجنرال الإيراني قاسم السليماني، قائد فيلق القدس، كثيراً من المداد، وما زال، وكان مصدر كثير من الريبورتاجات، التي نشرتها مختلف الفضائيات وتداولتها شبكات التواصل الاجتماعي الوطنية والدولية.
وما يلاحظ أن التداول، سمعياً وبصرياً، وقف عند ما يلي:
أولاً، نشر ووصف حدث القصف بالتفصيل، ابتداء من هبوط الطائرة إلى كشف عملية القصف، وتسليط الضوء على أشلاء الجثث.
مباشرة، تبنت أمريكا هذه العملية مع بيان أسباب وخلفيات قصفها غير المعلن عنه مسبقاً، لتبرير فعلها سياسياً وحتى لا يقع، بحسب اعتقادها سوء في التأويل لدى الرأي العام الدولي.
إن تعامل الفضائيات مع هذا الحدث كما وقع، كان سطحياً إلى حد كبير يعتمد على مجريات الواقعة، كما تنطق بها الصور. وعليه، تناسلت الاحتجاجات والمواقف المتضاربة ما بين مؤيد ومعارض.
يُفهم من هذه التظاهرات أن السليماني، كان شخصية سياسية وعسكرية مثيرة للجدل، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا بشكل جذري. وكان لها دور مركزي في الصراعات التي نشبت في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في تلك المواجهة الصريحة ما بين ايران وأمريكا.
ثانياً، التعليق على هذا الحدث وتفسيره من خلال استدعاء الفضائيات لبعض المحللين السياسيين والأمنيين بهدف قراءة وتحليل الموضوع.
نلاحظ من خلال متابعة مداخلات هؤلاء أنهم ركزوا على تداعيات ما وقع في نقطة واحدة، وهي إمكان نشوب حرب شاملة في المنطقة، والبعض تحدث عن حرب عالمية ثالثة!
وهنا كان كثير من التعليلات والتفسيرات لا تعدو أن تكون تكراراً وإسقاطاً لأحكام قيمة فقط، لأن ترجيح كفة الحرب كنتيجة ستلجأ إليها إيران وحزب الله، لم تكن تستند الى تحليل سياسي جيواستراتيجي عميق، فالحرب ليست مجرد ردة فعل سريعة ومباشرة على فعل ما، وإنما تقتضي وقتاً لإنضاج القرار واتخاذه في وقت مناسب، وفق شروط كثيرة، لا يبدو أنها متوفرة الآن، لا وطنياً ولا عالمياً. وهذا ما أغفله المحللون الذين تسارعوا في طرح هذا الكابوس المرعب.
ثالثاً، قصور القراءة العميقة لما حدث. كنا ننتظر من التحليلات المقدمة عبر الفضائيات أن تتناول الحدث بشكل أشمل، انطلاقاً من المخطط الجديد لأمريكا في تقسيم المنطقة، حسب مشروع كونداليزا رايز، الذي اعتمدته الإدارة الأمريكية بإيعاز من إسرائيل لجعل إيران وأذرعها في العراق ولبنان وفي المنطقة بأكملها فتيلاً قابلاً للتفجير في أية لحظة، من خلال إثارة الضغينة الإثنية والدينية.
لقد رصدت التقارير الاستخباراتية في السنوات الأخيرة عدم رضى أمريكا عن الحضور الروسي، الذي أصبح يتوغل في مفاصل المنطقة، ابتداء من دعمها للنظام السوري الدموي، وكان أداته في ذلك قاسم سليماني.
هنا تراجعت أمريكا عن انسحابها التدريجي من المنطقة كما أعلنت عنه سابقاً. وحتى لا تقع في تناقض يمس سمعة مؤسساتها، فبركت خبر كون ترامب لوحده هو الذي أمر بقتل سليماني، بدون الرجوع إلى الكونغرس الأمريكي، والالتزام بالضوابط التقليدية المعروفة في تدخل أمريكا عسكرياً في الدول الأخرى.
هذا يعني أن أمريكا تريد أن تعود إلى المنطقة مجدداً عبر تكتيك خلط الأوراق انطلاقاً من قتل سليماني، الذي كان سنداً للمخطط الروسي في المنطقة. وهذا ما أعلنت عنه صراحة الناطقة الرسمية لوزارة الخارجية الروسية.
إن كان سليماني يخدم أجندة بلده بعنجهية سافرة لا تقيم أي اعتبار لمستقبل المنطقة في الأمن والسلام، فإن أمريكا بدورها، وبتنسيق مع إسرائيل، لجأت إلى خطة جديدة للرجوع إلى الشرق الأوسط. فأرادت الحد من نفوذ غريمها التاريخي روسيا في المنطقة، ولاحقاً كسر تحالفها مع الصين، التي لها أجندة استراتيجية في السيطرة على العالم عن طريق ما تسميه بالقوة الناعمة.
*كاتبة لبنانية