هناك في السياسة الدولية مفارقات تستدعي منا الوقوف أمامها والتمعن في حيثياتها.. فما يحصل خلال هذه الأيام في قضية جوليان أسانج مؤسس موقع ويكليكس مثير للانتباه.فأنت تعلم أن بريطانيا لا تريد اقتحام سفارة الإكوادور لإلقاء القبض على أسانج الذي يتحصن فيها منذ التاسع عشر من يونيو في غرفة صغيرة تنقصها التهوية تفاديا لتسليمه إلى السويد وربما لاحقا إلى الولايات المتحدة التي تتابعه بسبب كشفه عن مئات الآلاف من الأوراق السرية المصنفة حول الحرب في العراق وأفغانستان وحول العلاقات الدبلوماسية الأمريكية مع بعض الدول، رغم أن القانون البريطاني لسنة 1987 يسمح للسلطات الأمنية بذلك.. لكن يبدو أن المملكة المتحدة تعطي الأولوية للقانون الدولي على القانون المحلي انسجاما مع مبدأ التراتبية القانونية واحتراما لدولة المؤسسات.و أنت تعلم كذلك أن الإكوادور قد منحت حق اللجوء السياسي لجوليان أسانج في السادس عشر من أغسطس مباشرة بعد تسرب معلومات تفصح عن نية السلطات البريطانية اقتحام سفارتها، وأن هذه الدولة اللاتينية الصغيرة دعت إلى اجتماع وزراء خارجية دول أمريكا اللاتينية لدعم موقفها، هذا فضلا عن كونها تعتزم نقل القضية إلى محكمة العدل الدولية بالتنسيق مع القاضي الإسباني السابق ‘بالتثار كارسون’ الذي يترأس الفريق القانوني للدفاع عن مؤسس موقع ويكليكس بهدف الضغط على بريطانيا من أجل منح أسانج تصريحا لمغادرة أراضيها.في المقابل نرى بوضوح كيف أن بريطانيا تتحول من دولة ملتزمة بسيادة القانون إلى دولة متمردة ضد الأعراف والاتفاقيات الدولية عندما يتعلق الأمر بالسيادة الترابية لدولنا العربية، فالمشهد واضح ولا يحتاج إلى تفسير لأن الخارجية البريطانية تتولى القيام بذلك، فهي لا تخفي انتهاكها لسيادة دولة عربية والتدخل مباشرة في شؤونها إذا ما اقتضت مصلحتها ذلك دونما حاجة إلى إذن من سلطتها التشريعية أو احترام لمعاهدات فيينا وميثاق الأمم المتحدة ودونما أدنى اعتبار لما قد ينتج عن هكذا تدخل غير قانوني من آثار مدمرة تنعكس على أمن الناس واستقرارهم وسلامتهم. إن بريطانيا التي لا تقتحم سفارة دولة صغيرة لإلقاء القبض على شخص أمر قضاؤها بتسليمه لطرف آخر لا تتورع ولا تتراجع عن انتهاك حدود دولة ذات سيادة والمساهمة في إنتاج مأساة لشعب بكامله.و إذا كنا قد اعتدنا على هذه الممارسات من طرف المملكة المتحدة وسياسة الكيل بمكيالين في تعاملها مع قضايانا، فإننا لا نبرر أو لا نكاد نفهم موقف الدول العربية إذا ما قورن مع موقف الإكوادور، هذه الدولة المتواضعة في إمكانياتها لكنها قوية بمواقفها حيث استطاعت إحراج الدبلوماسية البريطانية في عقر دارها وأمام رأيها العام، بينما لا تجد بعض الدول العربية حرجا في تشجيع أطراف أجنبية على انتهاك سيادة دول عربية أخرى، بل إن الجامعة العربية ذهبت إلى أبعد من ذلك في العديد من المناسبات عندما قدمت مفاتيح دول مؤسسة لها بدم بارد إلى قوى غربية لا تخفي أطماعها وموقفها المناهض لقضايانا. إن الدول التي تريد أن يحترمها المجتمع الدولي تسعى إلى أن تكون سياستها الخارجية منسجمة مع مبادئها، مستعملة قدراتها ومواردها في سبيل إنجاح هذه السياسة، وموقف الإكوادور ينبع من هذا الخيار ويستمد قوته من السياسة الإقليمية التي انتهجـــتها دول أمريكا اللاتينية عندما رفضت أن تظل مجرد حديقة خلفية تابعة للولايات المتحدة واستطاعت بالتالي أن تعادل القوى الإقليمية الأخرى على مستوى السياسة الدولية والاقتصاد.أما ما نشهده حاليا في عالمنا العربي إنما هو توظيف للطاقات والقدرات والثروات بغية تقسيم المنطقة العربية وفرض ‘سايكس بيكو’ جديد من شأنه أن يجهض كل نهضة اقتصادية أو استقلال سياسي في المستقبل، بل إن الجامعة العربية أصبحت وظيفتها الأساسية تتمركز حول تحويل اتجاه الصراع العربي الإسرائيلي – الذي هو صراع كرامة وهوية ووجود – إلى صراع مذهبي سني شيعي مفتعل يغذيه الإعلام والمؤسسات الرسمية ويمول بخيرات هذا الوطن الكبير وبأموال دافعي الضرائب من المواطنين، وهو ما يعني توريط أجيال قادمة في ديون ومشاكل اقتصادية لا علاقة لهم بها ورهن المستقبل إلى المجهول.منصفي التمسماني سعيد – المغرب[email protected]