تسيطر فكرة قديمة متجدّدة على أذهان حماة اللغات، تتمثل في أنّ على اللغة المهيمنة أن تحارب غيرها من اللغات وتقصيها وتقتلها كي تعيش وتستمرّ. وهذا يعني أنّ الحروب بين اللغات أمر حتمي تخوضه اللغة المهيمنة للسيطرة، واللغة المهيمن عليها من أجل التمتع ببعض رشْح في الحياة. وإذا اعتبرنا أنّ هذه مواقف وانطباعات فمن الناحية العلمية، هل تخوض اللغات حروبا فعلا مثلما يخوضها البشر؟ وهل يدخل البشر في حروب بواسطة اللغات؟ وهل تموت اللغات بنوايا مبيتة بعد زرع الألغام في الأراضي التي تعيش فيها؟ ومن جهة أخرى يطالعنا أحيانا بعض اللسانيين بعناوين متعلقة بالحروب اللغوية، وحتى بالحروب اللسانية فهل تتحارب المذاهب اللسانية فعلا؟ وهل يمكن لعلم لم يتجاوز القرن إلا بعقد أن تتصارع مذاهبه النظرية؟
في حروب الألسن يمكن أن نتخذ مثالا العربية: هناك رأيان على طرفي نقيض، أحدهما يعتزّ بماضي العربية فيعتبرها قد خاضت صراعا مع لغات أخرى انتصرت عليها، بل سدّدت لبعضها إصابات في مقتل. أمّا الثاني فيخشى من أن تخرج العربية في حربها الطاحنة مع لغات مهيمنة خاسرة مدحورة. المعتقدون في الانتصار يرون أنّ العربية صارعت لغات قديمة مثل الآرامية والسريانية والآشورية، فضلا عن تصارع لهجي داخلي بين لهجات عربية مثل الثمودية والصفوية والسبئية، اضمحلّت وتركت مكانها للهجات أقوى وأشدّ.
إن كان لنا أن نتبنّى عبارة الصراع، فإنّ ذلك ينبغي أن يكون غير مقصود أو أنّه كان اكتساحا للأراضي، أو الأسناد الثقافية التي كانت تحملها لغات أخرى أو لهجات مختلفة، ولم يكن ذلك بالفتوحات الإسلامية ضرورة، بل كان أيضا اعتمادا على ضيق بعض الإثنيات، وانغلاق بعضها على ذاتها وعدم سعيها إلى الانفتاح والاندماج والتفاعل الثقافي. تعلق الأمر بصراع ثقافي ولسانيّ مع لغات باتت تعرف بالساميّة، ولم تنتصر العربية بقدر ما ورثت منها عناصر ثقافية مهمّة مثل، المعجم والخطّ واستوعبتها وتطورت عنها. لم تقض العربية على السريانية أو النبطية بقرار أو غزو لغوي، بل تفوقت باتساع دائرة الاستعمال، كانت العربية لغة القبائل الرحل والتجار في الجزيرة وطرق القوافل (من اليمن إلى الشام). وحين تبناها الإسلام مكنها من قوة مؤسسية وروحية مهمة، ثم إنّ انهيار الممالك القديمة جعل العربية تتقدم بوصفها لغة حية ذات امتداد اجتماعي وليس رسميا فحسب، ومكنها تعدد اللهجات من التكيّف مع مناطق مختلفة (شبه الجزيرة، الشام، العراق، شمال افريقيا لاحقا). وظلت بعض اللغات كالسريانية لغة دينية لا تدور تقريبا إلا في بعض الكنائس، وتراجع دورها التواصلي الذي كان يحميها وينشرها. أمّا الآرامية فاستمرت جزئيا في مناطق محدودة، لكنها لم تعد لغة علم أو إدارة بعد الفتح الإسلامي.
العربية اليوم لا تخوض صراعا وجوديا، لكنها تعيش صراعا حضاريا وثقافيا على أكثر من جبهة. ففي التعليم، والإدارة، والتكنولوجيا، تواجه العربية ضغطا من الإنكليزية والفرنسية في معظم الدول العربية.
وهذا لا يعني أن العربية مهددة بالاندثار، لكنها تُهمَّش في مجالات العلوم والبحث والتقنية، مما يحدّ من قدرتها على التطور المعرفي. ففي جامعات عربية كثيرة يُدرّس الطب والهندسة وغيرهما من العلوم والعلوم الأساسية بالإنكليزية أو الفرنسية، رغم أن اللغة الرسمية هي العربية. في الإنترنت والإعلام الرقمي تفرض هيمنة الإنكليزية، لكن العربية تُظهر نوعا من المنافسة قوية. وتعدّ العربية حاليا ضمن اللغات الخمس الأكثر استخداما على الإنترنت، لكنها ما تزال تفتقر إلى محتوى علمي وتقني كافٍ. المشكلة ليست في اللغة نفسها، بل في الإنتاج المعرفي العربي المحدود مقارنةً بلغات أخرى. لكن التنافس بين العربية المعيارية أو الفصحى والعاميات لا يمثل خطرا، لأن للغات مجالات تداولها وللفصحى مجالاتها. ما زالت الفصحى لغة تعليم وثقافة عالية وليست في عزلة عن الناس، فهم يسمعونها في الإذاعات في نشرات الأخبار ويقرأون بها الصحف ويستمعون من خلالها إلى الأغاني. لكن الصراع يمكن أن يحدث في الوعي الجمعي، إذ هناك تراجع في الاعتزاز بالعربية مقابل الانبهار باللغات الأجنبية، ما يخلق صراعا نفسيا وثقافيا أكثر منه لغويا. ومع ذلك، هناك نهضة لغوية رقمية ملحوظة من خلال حركات الترجمة، ولاسيما في المحامل الرقمية.
من جهة أخرى هناك حديث اليوم عن الصراع بين الاتجاهات التي تدرس اللغات الطبيعية ولاسيما ضمن اللسانيات. في هذا الصدد كتب أستاذ اللسانيات والحاسوبية الكندي رندي ألان هاريس Randy Allen Harris كتابا عنوانه حروب اللسانيات Linguistics Wars تحدث فيه عن الصراع بين لسانيات تشومسكي التوليدية وخصومه في المجال اللساني، أو حتى خارجه. فقد كانت كتبه اللسانية، منذ الخمسينيات من القرن الماضي مثار اختلاف ونقاش، ساهم فيه كثير من الفلاسفة التحليليين من أمثال ستراوسن. ولئن اعتبره البعض صاحب نظرية علمية رائدة في اللسانيّات، فإنّ آخرين قللوا من دوره ومن أفكاره، لماذا استعمل هاريس عبارة «حروب»؟ يبين المؤلف أنه استخدم هذه العبارة لأنّ الصراعات بين اللسانيين ليست مجرد خلافات أكاديمية بسيطة، بل قد تتحوّل أحيانا إلى صراعات حادّة حتى في مفهوم العلم نفسه، وقد استقرّ منذ أكثر من مئة عام وحول ما ينبغي أن تكون عليه دراسة اللغة دراسة علمية. لكنّ شمسكي نفسه سخر من هذه العبارة وعدها حروبا لم ينجم عنها عنف مادّي، ولم يسقط جرّاءها قتلى. وأجيب بأنّها حروب بالمعنى الرمزي للعنف، الذي تحدث عنه بيار بورديو وهو صراع من أجل الهيمنة الفكرية داخل المؤسسة الأكاديمية. وبالفعل يمكن للخصم الفكري في اختصاص من الاختصاصات، أن يقصى إن كان لصاحب الاتجاه البحثي المهيمن سطوة في تلك المؤسسة ويذكر الكتاب كيف أنّ الأفكار التي عارضت لسانيات تشمسكي التوليدية، لم تقدر على أن تستمر في قسم اللسانيات التوليدية، فسلطته الرمزية أقصتهم وكثير منهم يُسمون اليوم عرفانيّين، وشمسكي أيضا عرفاني غير أنّ الخارجين عنه يسمونه عرفانيا أرثوذوكسيّا. نقد العرفانيّون الجدد أستاذهم القديم، ولكنّه لم يجب على أيّ من انتقاداتهم مثلما كان يفعل قديما مع الفلاسفة واللسانيّين القريبين منه؛ ليس بخلا، بل ترفّعا.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية