كانت مصر نبراسا للقضاء العادل وكان القضاء فيها مدرسة يحتذى ويقتدى به حيث شارك كثيرون من أعمدة القضاء المصري في كتابة كثير
من دساتير الدول العربية، ويشهد له باستقلاليته عن السياسة وصانّعي القرار فيها، إلا ان رجال الفساد من نظام حسني مبارك لعبوا على مسألة التعيينات حسب المحسوبية لا حسب الكفاءات في سلك القضاء فاصبح الشخص المعين في المكان المعين مكبّلا بدين الرضى ورد المعروف، ثم دخلت على الخط المخابرات لتنخر في جسد القضاء المصري بداء السياسة والتبعية كالسوسة فاصبح القاضي غير المحصن بقانون المعرفة واخلاق العدل والإنصاف معرضا لخلل في اصدار الاحكام غير المنصفة في حق الاخرين التي قد تبعد عن العدل كثيراً لكي ينال بذلك رضى من يحب أن يرضيه ويصبح امره نافذا بلا اعتراض ولا يُعاقب على ذلك او يُلام، ان البلدان تقاس بعدل حكامها ونزاهة قضائها، فقد امر رسول الله صلى الله عليه وسلم اصحابه عندما ضاقت بهم الارض، ان اذهبوا الى الحبشة فان فيها حاكما عادلا، كما انه يقال في التاريخ العربي ان قاضيا رأى في المنام احد الذين سيبت في قضيتهم إلا أنه في اليوم التالي تنازل عن الحكم في هذه القضية وأوعز ذلك إلى انه ربما قد يؤثر الحلم في اصدار الحكم العادل.
واليوم سبحان الله نرى البعض من القضاة التبع يتسارعون ويتسابقون ليس لقول الحق الفصل بل لاصدار الاحكام التي ترضي الحاكم ونسوا أن الله يرى وقد حرم الظلم على نفسه وعلى عباده فأين سيذهبون من ذلك؟ ان المتهم في كل الاعراف الدولية ودساتير اهل الارض واحكام القضاء بريء حتى تُثبت ادانته ويُعامل معاملة لائقة حتى يُبت في امره، وحتى في اقصى العقوبات وهي الاعدام يُختار له القضاء الاسلوب غير المؤلم لتنفيذ العقوبة، إلا في اوطاننا يُعامل المتهم من المعارضين كأنه ليس بشرا من ساعة القبض عليه فإذا ساعفه الحظ للوصول إلى المحكمةِ كان ذا حظ عظيم وأن مات ما قبل ذلك فكان ذلك قضاء وقدرا ما يراه العالم في مصر بعد الثلاثين من حزيران/يونيو شيئا عجيبا اعجب حتى من الاهرامات، الناس تساق إلى ابو زعبل افواجاً حسب الاشتباه لا الدليل، يسجن الناس ثم يبحثون لهم عن ادلة، الناس تتخاصم سياسياً وعقائدياً وقد يختلف الاخرون معك في كثيرٍ من الرأي فهل يعقل ان يُسجنوا وتُرتّب لهم تُهم وهم بريئون من كثيرٍ منها؟ هل يجوز تعذيبهم حتى الموت او قتلهم لانهم خالفوك القول او الرأي، أي عدلٍ هذا واي مساواةٍ، وإذا ما نظر بعض القضاة في امور بعض الموقوفين على ذمة التحقيق بعين القضاء الاعور او بعين الانتقام او القصاص منهم فأنهم بعيدون كل البعد من ان يعدلوا في حكمهم، فيرى ونرى الحكم على المئات بالاعدام في خلال جلسةٍ وجيزة لا تتعدى الساعة الواحدة يحكم بالاعدام على 629ومن قبلهم مثلهم والحبل على القارب ما زال الطريق في بدايته، ايضا هؤلاء ان الارض لهم وأنهم دائمون، انها ارواح البشر الذي قال فيها جل في علاه – من اجل ذلك حكمنا على بني اسرائيل انه من قتل نفس فكأنما قتل الناس جميعا، ونحن نرى قاضيا مسلما يحكم باعدام المئات في لحظة لا لشيء إلا لأنهم خالفوه الرأي فأخذ القصاص منهم، لا والأغرب من ذلك ان كل العالم يحتج على احكامٍ لم يعرفها القضاء المصري في تاريخه بل القضاء العالمي وفوق هذا يصر القضاء المصري على نزاهته ويوعز الحكام في مصرعلى استغلالية القضاء وعدم مقدرتهم على التدخل في احكامه، انها مهزلة بأرواح البشر وقد تأتي بشيء لا تحكم عقباه فان الله يتقدم للظالمين من الظلمة ولو بعد حين.
د . صالح الدباني – امريكا