شهد ريف إدلب الغربي تطورات مهمة في الأيام الأخيرة بسيطرة هيئة “تحرير الشام” أو جبهة النصرة سابقا على مفاصل مهمة في سهل الغاب وجبل شحشبو وبلدة جدرايا ومناطق تطل على أوتوستراد حلب. وتضع التطورات هذه الراعية التركية لمنطقة خفض التوتر الرابعة وهي محافظة إدلب في موضع حرج خاصة بالنسبة لعلاقتها مع روسيا التي وافقت العام الماضي على منحها فرصة لنزع فتيل التوتر عن إدلب والتعامل مع الوضع بشكل لا يفتح مجالا أمام معركة جديدة مدمرة كما حدث في مناطق سوريا الأخرى.
والحقيقة أن معركة إدلب الأخيرة لم تندلع في العام الماضي لأسباب عدة منها حالة الإجهاد التي أصابت الجيش التابع للنظام وقلة جنوده وتردد حلفائه الإيرانيين وحزب الله من وضع الأعداد الكافية لخوض معركة مكلفة. فقد جعل النظام وخلال السنوات الماضية محافظة إدلب بمثابة المنفى لمقاتلي المناطق المحاصرة سواء في حمص أو الغوطة الشرقية أو الجنوب. وأدت ما أطلق عليها النظام عمليات “مصالحة” إلى رحيل عشرات الآلاف من المقاتلين وعائلاتهم إلى إدلب التي يعيش فيها اليوم حوالي ثلاثة ملايين نسمة. وتسيطر عليها مجموعات من جماعات المعارضة إلا أن هيئة “تحرير الشام” تعد الأقوى والاكثر جاهزية من غيرها.
ولعل وجود هذه الجماعة والمقاتلين الذين ينتمون إلى جنسيات مختلفة كان عاملا من العوامل التي أدت للحذر في التعامل مع ملف إدلب التي تعتبر المعقل الأخير للمعارضة لنظام بشار الأسد.
انسحاب
ففي ظل الحديث عن الانسحاب الأمريكي من سوريا والتصريحات المتخبطة من إدارة دونالد ترامب التي تتراوح بين بقاء أو خروج، تبدو معادلة إدلب مهمة في هذا السياق خاصة أن الإدارة تدخلت في مرحلة ما لمنع هجوم كان محتوما على المحافظة. فنحن أمام سلسلة من المواقف الأمريكية والتي برزت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقراره في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2018 سحب الفي جندي أمريكي تقريبا من شمال شرق سوريا وما تبع ذلك من تفسيرات مستشار الأمن القومي جون بولتون في أثناء زيارته لإسرائيل عن ربط الخروج بهزيمة تنظيم “الدولة” وحماية الأكراد السوريين الذين تدعمهم أمريكا وهو خلافا لما قاله سيده ترامب حيث أكد أن تنظيم “الدولة” قد هزم. ثم جاء مايك بومبيو في خطاب الجامعة الأمريكية في القاهرة ليؤكد على أن الانسحاب جار. وقال، خلافا لبولتون، إن أمريكا ستعمل على إخراج آخر جندي إيراني من سوريا. ووسط الغضب داخل الكونغرس على قرار ترامب وما اعتبره النواب خيانة للأكراد وتصعيدا من الصقور داخل الإدارة الذين يرون أن انسحابا من سوريا يعني التخلي عنها لروسيا وإيران فقد كان مصير مناطق الأكراد مركز خلاف القوى المتنافسة على سوريا دونما التفات لما يجري في إدلب. ورغم اتفاق كثيرين مع القرار باعتباره متساوقا مع رؤية ترامب التي طرحها في حملته الانتخابية إلا أن بعضهم اختلف مع الرئيس في طريقة التنفيذ، وهو ما كان محل تحليل كتبه روبرت مالي، المسؤول السابق في إدارة باراك أوباما وروبرت فاينز الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في صحيفة “نيويورك تايمز” (8/1/2019) اللذان قالا فيه إن المشكلة ليست في القرار ولكن طريقة التطبيق حيث يتخلى الرئيس عن كل ما لديه من أوراق نفوذ ويترك الساحة بدون ترتيبات، فقد قال الأسبوع الماضي إن إيران تستطيع أن تفعل ما تريد في سوريا. وسواء كان هذا الكلام تقريرا لواقع أم ضوء أخضر فإنه ترك التفاصيل للعاملين تحته مثل بومبيو وبولتون اللذين حضرا للمنطقة للقيام بعملية تقليل أضرار. ولم يكن بولتون موفقا عندما طالب بضمانات تركية بعدم ضرب الأكراد، فرفض الرئيس التركي رجب اردوغان مقابلته. ومع نهاية يوم الجمعة ذكرت محطة “سي أن أن” أن الولايات المتحدة بدأت بنقل المعدات الثقيلة خارج سوريا. وهناك قدر كبير من النقاش الأمريكي حول إيجابيات وسلبيات قرار ترامب ففي مقال كتبه فيليب غوردون، المسؤول السابق في إدارة باراك أوباما والزميل في معهد العلاقات الخارجية الأمريكي في موقع “ذا هيل” (11/1/2019) أكد فيه أن الجدل حول سحب القوات مشروع لكنه يرى أن الوجود في سوريا وإن لم يكن مكلفا ويخدم أجندة محاربة تنظيم “الدولة” ومنع تركيا من مهاجمة الأكراد إلا أن المخاطر عالية ويظل من الناحية القانونية مثارا للجدل، لأن الكونغرس مثلا لم يمنح الرئيس صلاحية نشر القوات على أرض أجنبية. ومثل غيره يرى غوردون أن المسألة تتمحور في النهاية حول التطبيق والتخطيط للقرار قبل اتخاذه. فالإحراج الذي تعرض له بولتون في تركيا كان يمكن تجنبه لو قام بزيارة قبل اتخاذ ترامب قراره المفاجئ.
التحول السادس
ولم يكن بمقدور لا بولتون أو بومبيو تقديم تطمينات أو الحديث عن “بداية جديدة” وأن أمريكا “قوة للخير في الشرق الاوسط” كما قال بومبيو في خطابه لأن الجميع في المنطقة بات يعرف أن مبعوثي الرئيس لا يمثلون إلا أنفسهم ولهذا سرت حالة من الارتياح بين روسيا وإيران وتركيا فيما تسابقت الدول الحليفة لأمريكا إلى دمشق في محاولة منها لإعادة تأهيل نظام بقتل نصف مليون من شعبه وإعادته إلى الجامعة العربية. وبدأت المسبحة تكر بوصول الرئيس السوداني عمر البشير الشهر الماضي ثم افتتاح الإمارات سفارتها المغلقة منذ سبعة أعوام في دمشق فيما بدأ الأكراد في شمال – شرق سوريا محادثات مبدئية مع النظام لتسليمه المناطق مقابل حكم ذاتي. وعلى العموم فالقرار الامريكي للانسحاب لا يعد التحول الأول في السياسة الخارجية بل الخامس أو السادس حسبما قالت مجلة “إيكونوميست” (7/1/2019) ولأن ترامب يريد فعل عكس ما فعله سلفه باراك أوباما حيث مزق الاتفاقية النووية مع إيران وتبنى السعوديين واعترف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ووجه ضربتين للنظام السوري في وقت تردد فيه أوباما بتطبيق خطه الأحمر. ولكنه، أي ترامب، يتصرف مثل أوباما عندما يتعلق الأمر بتخفيف تورط أمريكا في نزاعات الشرق الأوسط. وفي المسألة السورية يقول ترامب ما قاله أوباما وإن بطريقة مختلفة: لا مصالح حيوية لأمريكا في سوريا. ونقلت المجلة عن فيليب غوردون قوله: “هناك استمرارية بين ترامب وأوباما، فالولايات المتحدة ليست لديها أجوبة للمشاكل المعقدة في الشرق الأوسط وليست مستعدة للدخول في حروب واسعة أو حلها”. وفي ظل النقاش الذي يحاول رسم خريطة الرابح والخاسر في سوريا، يقول البعض إن ترامب يتخلى عن أوراقه وهي سيطرة حلفائه على 95% من مصادر النفط السورية والمياه في وادي الفرات ويعرض بالضرورة حلفاءه للخطر، خاصة أن تركيا منعت العام الماضي توسعهم غربي الفرات واحتلت بلدة عفرين. وهي التي انسحبت إليها جماعات المقاتلين الذين تدعمهم تركيا من ألوية عماد الدين زنكي والجبهة الوطنية التي تعد أكبر قوة عسكرية حليفة لأنقرة.
خوف من اللاجئين
ومن هنا فالتطور الأخير يثير النقاش من جديد حول هيئة “تحرير الشام” التي باتت تسيطر على كل مفاصل الشمال السوري. فالنظام السوري وروسيا والولايات المتحدة وتركيا تعتبرها تنظيما إرهابيا. إلا أن أنقرة التي طلبت العام الماضي شهرا لمعالجة الملف ومنع هجوم للنظام وروسيا تخشى من عواقب أي هجوم عسكري شامل لأنه سيكون كارثيا وسيؤدي إلى موجة لجوء تخشى منها تركيا والدول الأوروبية. ورغم ما تحظى به تركيا من ثناء لاستقبالها 3.6 مليون لاجئ سوري إلا أن المشاعر الشعبية التركية تغيرت تجاه السوريين مما يضع ضغوطا على المؤسسة التركية الحاكمة كما بدا في تقرير لموقع “المونتيور” (11/1/2019) والذي ناقش حالة التذمر الشعبي من وجود ضخم للسوريين في تركيا. ومن هنا فانفجار الوضع في إدلب سيزيد من مشاكل أنقرة التي تركز منذ سنوات على ملف الأكراد ومنعهم من بناء كيان ثابت لهم على الحدود الجنوبية لتركيا. وقام الجيش التركي بتعزيزات في المنطقة وكرر أردوغان مطالبه بسحب كل الأسلحة التي قدمتها أمريكا للأكراد، وهو مطلب غير عملي حتى لو كان ممكنا. وعلى العموم تواجه تركيا خطوطا حمرا في محاولاتها لبناء تأثير ضد الأكراد أو توسيع مناطق الجماعات السورية المعارضة للنظام. فمن ناحية الأكراد لن تتسامح أمريكا المنسحبة مع أي عملية عسكرية ضدهم. وهي وإن خرجت من سوريا، مع أنها لم تخرج بعد فهي موجودة في العراق ولديها قواعد عسكرية وطيران وأكثر من 5.000 جندي يمكن استخدامهم للدفاع عن حلفائها. وينسحب الأمر على المعارضة السورية حيث ستجد تركيا نفسها أمام معارضة روسية – إيرانية في أي محاولة لدعم تقدمهم، وعليه فأنقرة تعمل الآن بين خطوط حمر تفرضها أمريكا وروسيا.
ليست أولوية
وفشل تركيا في فعل هذا قد يدفع إلى هجوم على إدلب بشكل يكمل حلقة سيطرة النظام على المناطق التي خرجت عن سيطرته. فظهور “إمارة” تحت سيطرة هيئة “تحرير الشام” التي تدير أكثر من 25.000 مقاتل بعد فشل المقاتلين التابعين لأنقرة وقف التوسع المستمر لهذا التنظيم سيضع ضغوطا جديدة على تركيا التي يبدو أنها لم تكن في موقع لمنع التوسع رغم وجودها العسكري في المنطقة حسب سام هيللر من مجموعة الأزمات الدولية الذي تحدث لوكالة أنباء “أسوسيتدبرس” (11/1/2019). وبالتأكيد فالتطورات الأخيرة تعتبر “هزيمة لحلفاء تركيا” حسب فابريس بالانش. وفي الوقت الذي انسحب فيه المقاتلون التابعون للجبهة الوطنية إلى مناطق السيطرة التركية في عفرين في محاولة لإعادة تجميع الصفوف إلا إن تحرك هيئة “تحرير الشام” دليل على أنها لا تريد حل نفسها أو التخلي عن سلاحها كما أملت تركيا من قبل وبل مواصلة لعب الورقة العسكرية. وستضطر تركيا التي تتعرض لتشكيكات بقدرتها على الحد من الجماعات الجهادية للتعامل معها بطريقة او بأخرى. وهناك حديث عن عملية تركية – روسية مشتركة تنتظر لقاء الرئيسين فلاديمير بوتين واردوغان المقبل. ويرى بالانش أن هجوما للنظام على إدلب والذي جمد في ايلول (سبتمبر) 2018 ليس محتملا، ذلك أن المنطقة ليست أولوية للنظام مشيرا إلى أن “الروس جاهزون للهجوم في أي وقت ولكنهم لن يفعلوا” “فهم يستخدمون اردوغان للضغط على الأمريكيين للخروج من شمال – شرق سوريا”. وعلى العموم فقد خلط ترامب أوراق اللعبة ولو استطاعت روسيا – نيابة عن النظام التوصل لاتفاق مع أمريكا نيابة عن الأكراد، حسبما ناقش إيلان غولدنيرغ ونيكولاس هيراس في مجلة “فورين أفيرز” (9/1/2019) فسيخفف هذا من الأضرار التي خلقها ترامب بقراره حيث تقوم موسكو بمتابعة تنظيم “الدولة” واحتواء إيران. ولو تم هذا فعلا وهو غير محتمل، فستجد تركيا نفسها في عزلة وتحت مظلة التأثير الروسي التي لن تسمح لها أو للمقاتلين التوسع أبعد مما توسعت. أما إدلب فستنتظر كما انتظرت الرقة عندما سيطر عليها تنظيم “الدولة” عام 2013 ولكنها ستبقى ملفا متفجرا إن لم يكن متقيحا.