بين خندق االجلاد وخندق الضحية.. الغرب هذا المخادع الأبدي

حجم الخط
0

د. محمد الشمالي أُطلِقت تسمية ‘الربيع العربي’على ثوراتنا العربية أسوة ‘بربيع براغ’ 1989. والنسب لايقف هنا بل يذهب إلى ‘ربيع الشعوب’ وهي التسمية التي جَرت العادة باعطائها للثورات الأوروبية التي قامت في ربيع 1848. الثورات أخذت ألقابا تعكس رمزياتها وخصوصيتها: هناك الثورة الحمراء والثورة البرتقالية والثورة المخملية وثورة الياسمين… وهناك الثورة السورية التي رأت النور (فعلا وبلا رمزية) في قلب الربيع مع أوائل بتلات الياسمين الدمشقي وأزهار ما كُتبَ له النجاة من أشجار الغوطة البهية أيام زمان.

بالتجرد عن الرموز والألقاب أيضا، بدأت ثورة حرائر وأحرار سورية ثورة بيضاء؛ بيضاء وبريئة كقلب الأطفال الذين كُتبَ لهم أن يفجروها. فسال دمهم كدم كبش فداء اسماعيل إبن ابراهيم عليه السلام. سال الدم ليُكتبَ به ميثاق الحر مع خالقه، ميثاق الإنسان مع انسانيته لقد ذبح الأسد اسماعيل بعد أن فداه الله بالضحية السماوية وتحولت سورية الى بركة من الدم الطاهر والبرييء طُهرَ وبراءة دم هابيل بن آدم عليه السلام. لقد قتل الأسد ويقتل مئات الأطفال ليفدي بهم عرشه وبمباركة من أرادوا يوماً فك الرباط بين الله والأنسان. الغرب نسي قيمه النبيلة أو تناساها. فلم يعد يميّزبين الضحية والجلاد ويضعهم بلا مبالاة على نفس المستوى الأخلاقي والإنساني. كيف لحملة راية عصرالأنوار وأحفاد كوندورسي وروسو وفولتير وهيجو وديغول وميتيران أن يترددوا في خيارهم بين خندق القاتل وخندق المقتول بين جيش يقتل وطفل يلهو أخوفا من صعود اسلام الى سدة الحكم نقف وراء الشيطان؟ أخوفا من شخص لم يقتل أو يُعتقَدُ بأنه ممكن أن يقتل يوما نقف وراء من يبيح الدم كل يوم وبأبشع الطرق وأنداها جبينا للإنسانية؟! أي منطق هذا الذي يحذو بإنسان القرن الحادي والعشرين لرفض الدليل المادي الواضح والسير وراء الوهم والتصورات عندما يريد تثبيت الإتهام في الجريمة؟

ولنفترض أن النظام السوري القاتل صادق في مبرراته لحربه الوحشية التي يشنها على شعبه وأنه لا يقاتل إلاّ متطرفين وسلفيين وتكفيريين وأسامة بن لادنيين يريدون دمار الإنسانية فهل نتركه يقتل أطفالا لم تكتمل عندهم بعد ملكة العقل والقدرة على المحاكمة التي تدفع اليافع إلى إختيار خندقه بملىء إرادته وبكامل وعيه؟ أين محاكم الأطفال؟ أين القانون الذي يحميهم والذي صنعتموه انتم الغرب بإسم الإنسان؟ أيمكننا تبرير قتل طفل فقط بحجة أنه ابن سلفي أو متطرف ديني؟ إن عظام مونتسكيو ترتجف غضبا من تحت بلاط البانتيو لسكوتكم على منطق قانوني يجيز للطاغية الأسد معاقبة شخص بجريمة اقترفها شخص غيره.

حتى الإسلام الذي تخافون وصوله للسلطة لا يجيز معاقبة زيد بجريمة عمر. أما قال تعالى في قرآنه الكريم: ‘ولا تزر وازرة وزر أخرى؟’ ان كان أندري مالرو فضل في خمسينيات القرن الماضي دعم الديكتاتوريات العسكرية في العالم العربي من أجل محاربة التيارات السياسية الدينية ومنعها من الوصول إلى السلطة في العالم العربي فإنه، لو بقي حيا يرزق، لإستثنى ما يجري الآن في سورية عن هذه القاعدة ودعا لمحاربة مجرمي وقتلة دمشق الذين يحكمون سورية بالحديد والنار منذ أربعة عقود. عندما كان مالرو يبدي رأيه فإنه كان يتكلم عن دكتاتوريين كالحبيب بورقيبه والعائلة الملكية المغربية والسنوسيين وليس عن قتلة كالزعيم الليبي والرئيس السوري. الديكتاتور ليس قاتلا بالضرورة. مهما يكون الخوف من وصول الإسلام إلى السلطة كبيرا فإنه من الخطأ التاريخي الكبير خذل الشعب السوري وتركه لوحده أمام مصير مجهول. تجاهل السوريين في هذه المرحلة من حياتهم هو سير في عكس مسار التاريخ وفقدان كامل لمصداقية حملة لواء الحريات وحقوق الإنسان. لماذا الخوف من المجهول يبدو أكبر من هول الجريمة الأسدية وما تنذر به من خراب ودمار وتفكيك لمكونات المجتمع السوري؟ لقد وصل الإسلاميون في تركيا لقيادة المجتمع التركي. هل فقد الأتراك حريتهم؟ هل تراجعت مؤسساتهم الديموقراطية والعلمانية؟ هل أجبروا النساء على ارتداء الحجاب وهل أرسلوا خلايا ارهابية لقتل الأوروبيين؟

الخوف من ثورة الشارع السوري غير مبرر ويسقط أمام أبسط الحجج.

فمن الناحية الديموغرافية – البشرية فالمجتمع السوري لا يختلف كثيرا بمكوناته عن المجتمع التركي وذلك تحت تأثير أربعة قرون من التعايش والتفاعل الحضاري. فإستنبول – بوابة تركيا الأوروبيه تذكرك بمظاهرها الخارجية دمشق- العاصمة السورية لباس الناس طريقة معيشتهم خصوصيات مطبخهم… كلها توحي لك بالتنوع الثقافي والإنفراج الديني في مجتمع يتعايش في ظله ومنذ قرون طويله مسلمون ومسيحيون.

الخوف من ثورة الشارع السوري ليس سوى وهم وتجاهل للحقيقة. الحركة الفكريه السورية بمجملها هي ليبرالية وتطورت منذ بداية القرن العشرين تحت تأثيرالفكر المدني والعلمانية الغربية وخاصة في فترة الإنتداب الفرنسي الذي خرج بنتائج ايجابية على الصعيد الثقافي والإجتماعي. فمبادىء مثل حرية التعبير والديموقراطية والمواطنة والتسامح الديني ليست بغريبة عن المجتمع السوري. ولو كان الأمر عكس ذلك فكيف لأحزاب تقدمية عديدة مستقاة من الفكر الماركسي أو الليبرالي الديموقراطي استطاعت شق طريقها وتكوين قواعدها حتى في المدن التي تنعت بالتطرف؟

الثورة السورية صناعة وطنية بحتة مهما حاول النظام وأبواقه الصدئة من تبعيق.

حملة ألويتها شباب يبحثون عن مستقبل مشرق وعن فضاء ديموقراطي حيث يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات. من يموتون في الدفاع عنها هم ايضا شباب وشابات بالثياب التقليدي أو ببنطال الجنز. إنهم يواجهون بنادق السفاح الروسية بالأصوات المنادية بالحرية والكرامة. من يقودون الثورة الفكرية هم نساء ورجال من شتى المشارب والثقافات التي تتراوح بين الفكر الإسلامي المنفتح والفكر الماركسي مرورا بسلسلة من التجمعات الديموقراطية والوطنية والكردية التي توحدها تطلعات إلى الحرية والعدالة الإحتماعية مثلهم في ذلك شباب باريس وبراغ وتونس وبنغازي والقاهره واليمن ô وها هم يمهدون الآن الطريق لثورات عالمية أخرى بدأت طلائعها في موسكو ضد الدكتاتور بوتين.

كيف لنا كأصحاب مبادىء في العدالة والمساواة والحرية أن نسلط الأضواء على ‘البلوغور’ المدون الروسي ألكس نافالنيي ونتجاهل ‘البلوغوز’ المدونة السورية طل الملوحي دون أن نقع في فخ العنصرية؟ طل الملوحي التي تقبع بسجون السفاح بتهم مزورة غدت عند شباب الثورة السورية رمزا وطنيا واسطورة ليس كونها امراة وفي سن المراهقة بل كونها أول من جسد طموحات الشعب السوري في الحرية والتضحية من أجلها أشاء النظام القمعي الأسدي أم أبى. لق فاقت طل كل الرموز الثورية من جنسها ماضيها وحاضرها. وكم هي جديرة بأن تخلد بلوحة فنان كلوحة دولاكروا – الحرية قائدة للشعب.

الثـــورة الســــورية اليــوم هي تفجير لطاقات انسانية كامنه. إنها ابنة الثورة الفرنسية من حيث عظمة إرادة الإنسان الذي يصنعها وقدرته على خلق المعجزات. إنها الفصل الأخير من الثورة المصرية. فبنصرها ينتصر الشعب المصري ويُسدَلُ الستار أسطورة ساحة التحرير الخالدة. إنها البداية؛ بداية لعصر جديد وتحولات انسانية جديدة ترسخ وللأبد انتصارالشعوب على الجلادين، انتصار الحق على الباطل.

التردد في دعم الثورة السورية وعدم مد يد العون للأخذ بيدها إلى برالأمان ستكون صفحة عار بتاريخ الإنسانية ومؤسسات حقوق الإنسان التي كان من أنبل وأعظم ثمراتها، في التاريخ المعاصر، إلغاء حكم الإعدام في العديد من دول العالم وترسيخ مبدأ ‘براءة المتهم حتى تثبت إدانته’. ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية