هكذا منطق صيرورة الحياة، تتوالى السنون والعقود، وتتعاقب أجيال خلف أجيال تحت طائلة معادلة تفرض نفسها بمسميات قانون الطبيعة، الذي يتجدد من تلقاء نفسه، ليضعنا أمام فرضية السلف والخلف واستمرارية الحياة بوتيرة تلقائية، هذه التغيرات والتحولات تطال مختلف مناحي الحيوات، لتطرح أمامنا سيلا من التساؤلات اللافتة للنظر، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف حيارى اتجاه كم هائل من المتغيرات الجارفة، التي لا نكاد ندرك وقعها إلا حين نصبح على مقربة من خريف العمر.
ولعل الخوض في تفاصيل هذا الفعل النكوصي مرده إلى استحضار تراكمات الحياة بمختلف تمظهراتها وتجلياتها، بشغبها الطفولي ومغامراتها الطائشة، وعنفوان الشباب، وأيام الدراسة والحياة الطلابية في الجامعة، والزمن الوردي لأولى بوادر الحركة السياسية والحقوقية، وانبثاق أوج الحركة الثقافية والفكرية، في زمن كان فيه منسوب التمازج والتلاقح الثقافي والفكري بين الشعوب، قد بلغ مداه ويسر السبل لتقريب المسافات وربط الجسور، بين شتى المنظومات الثقافية والفكرية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
الخوض في هذه التوطئة يحيلني على لحظة تأمل عشت تفاصيلها منذ زمن غير بعيد، حين لقائي بالأهالي في أحد المواسم التي احتضنتها إحدى المدن بالقرب من قريتنا الصغيرة، حيث كان المولد والمنشأ، وكانت الطبيعة الفطرية حاضرة بقوة ضمن تفاصيل الحياة اليومية، تأملت وجوه أعمامي وأبناء عمومتي، تغيرت ملامحهم إلى حد كبير، غاب الجلباب والسلهام والعمامة، والخف الجلدي الأصفر الفاقع اللون، وحل محل ذلك بدلات من الصنف الرفيع، وبدت الوجوه حليقة على غير عادتها، أشخاص يبدون لي في منتهى الغرابة، تفوح منهم روائح العطور الباريسية والإيطالية، وأمام الخيام المعدة لمهرجان موسم التبوريدة تربض سيارات فارهة، وفي الاتجاه الآخر خيول مسومة، وترسانة من معدات التبوريدة، ولحوم تطهى على نار هادئة، وشواء تثير روائحه شهية عابري السبل والطرقات على بعد مسافات.
بقدر ما أبهرتني بنيات التحول السوسيولوجي والسوسيواقتصادي وقيم وتقاليد وأعراف الأهالي، بقدر ما خلفت في داخلي بوادر الدهشة والحنين إلى الأيام الخوالي، حين لم تكن هذه التمظهرات المرتبطة بعائدات أبناء العمومة ببلاد المهجر حاضرة، كانت الحياة ببساطتها وعفويتها وتلاحم أفراد الأسر والقرية من سمات الأهالي، حينئذ أدركت أن لكل زمن رجالاته، وأن لكل حقبة زمنية سمتها ومميزاتها، وأن تعاقب الأجيال منطق تفرضه الطبيعة، وأن الإيمان بالتحولات والمتغيرات خيار لا منأى عنه. ولعل موطن الغرابة والدهشة ما رافق زيارتي لقريتي الصغيرة، التي كانت في زمن مضى أيقونة، بشساعة حقولها الغناء وبساتينها الفيحاء، وبإطلالتها البهية أيام فصل الربيع، تولي وجهها مقبلة على مرتفعات جبال «تاصميت واغنيم»، كانت أكثر سحر وجاذبية ببيوتاتها الطينية الواطئة، وحدائقها الخلفية الطافحة بأشجار التين والعنب والمشمش والدوالي، وخلف البيوتات تقبع قطعان المواشي والأبقار وخم الدجاج والبط والديك الرومي، وفي الجوار مجاري السواقي والأودية والأنهار، حيث يبدو الفضاء لوحة فنية بتشكيل عفوي متناغم تضفي عليه المروج الخضراء جاذبية لا مثيل لها.
أمعنت التأمل وأنا أطوف دروب قريتي وأتفحص معالمها، لأجد نفسي أمام كتل إسمنتية مهجورة مجهزة بالماء والكهرباء والصرف الصحي، تتخللها طرقات ومعابر معبدة، اندثرت الأغراس والأشجار، وتحولت الحقول والبساتين إلى أرض خلاء، وأحراش قاحلة تنعدم فيها الحياة بفعل توالي السنوات العجاف، فتساءلت، أين غاب الأهل؟ كيف تغيرت قريتنا التي ما زالت تشكل جزءا من ذاكرتنا الجماعية نحن أبناء العمومة؟ لماذا فقدت سحرها وجاذبيتها، رغم بوادر التمدن التي فرضتها الظرفية؟ واصلت المسير فتأملت بيت عمي الحاج العربي البسيط، الذي ظل وحيدا وصامدا في وجه المغريات، لم تثره مظاهر بلاد المهجر، عاش قرابة قرن من الزمن بجوار بستانه الصغير، متمسكا بقطعة أرض عركته وعركها لعقود من الزمن، يتنقل بين مقر سكناه المتواضع وحقله الصغير، والتردد على المسجد لترتيل القرآن وأداء الصلوات الخمس، إلى أن رحل مخلفا وراءه انطباعا يشكل لحظة مفصلية وفارقة في تاريخ قريتي الصغيرة، حيث كان لتعاقب الأجيال وتيرته الخاصة، وكان للتحولات على قيم المجتمع وقعها الخاص، وحده العم الطاعن في السن شكّل المفارقة ورفع التحدي، ليمنحنا الانطباع بأن أشياء كثيرة توارت عن الأنظار لتتبدد عقبها رائحة «الدوار».
كاتب من المغرب